موجز سياسي

موجز السياسة – بلاد الشام

لا تزال الأحداث الساخنة تتوالى في بلاد الشام ؛ سوريا وفلسطين ولبنان والأردن، وأكثرها ذو علاقة بالاحتلال الإسرائيلي والمتاعب التي يصنعها للمنطقة، والصراع محتدم لهذا السبب بين الآلة العسكرية والدبلوماسية، وكذلك بين أهل المنطقة وأًصحاب المصالح المتصارعة من القوى الأجنبية.

مطامع لا تتوقف:

في سلسلة الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة للأراضي السورية، تعرضت قرية بيت جن آخر الشهر الماضي لاقتحام إسرائيلي “استهدف مسلحين من الجماعة الإسلامية”؛ بحسب تصريح الجيش الإسرائيلي، وخلال الاقتحام هاجم بعض أفراد القرية القوة المُقتحمة، موقعين فيها بعض الجرحى.

تكرار هذه الاقتحامات، إلى جانب التعنت الإسرائيلي في عقد اتفاق أمني مع الحكومة السورية، يوحيان بأن تل أبيب تنوي فرض سيناريو إنشاء مناطق آمنة أو مناطق منزوعة السلاح مستباحة من قبلها في عموم محيطها؛ سوريا ولبنان وغزة.

بقطع النظر عما يسوّق له الجيش الإسرائيل قبل وعقب كل اقتحام للأراضي السورية، فإن المشهد يعكس بوضوح بحث تل أبيب عن أي ذريعة لمواصلة اجتياحاتها وسيطرتها على قسم كبير من المنطقة الجنوبية لسوريا، فرأت هذه المرة في ربط مقاومة أي فرد سوري لاقتحاماتها بالإسلاميين المنحدرين من الجماعة الإسلامية – المصنفين مؤخرًا ضمن قوائم الإرهاب من قبل واشنطن – عنصرًا يسوِّغ تحركاتها في الجنوب السوري، ويدفع عنها الالتزام بالتوصل إلى اتفاق أمني مع الحكومة السورية.

وقد أوصت تقارير للجنة العلاقات الخارجية والأمن في الكنيست، ومجلس الأمن القومي الإسرائيلي بضرورة الانتقال من الدفاع إلى الهجوم بإتمام السيطرة العسكرية في جنوب سوريا حتى أقرب نقطة ممكنة إلى دمشق، وتفيد التقارير قيام القوات الإسرائيلية بعمليات عسكرية استخبارية تستهدف القرى السنية المحاذية للقرى الدرزية في جنوب سوريا. ويشي هذا بتخوف إسرائيلي من أي حراك سني، كما ينذر باحتمال توجه تل أبيب مستقبلًا صوب تحريض قرى درزية على أخرى سنية وتأسيس قوة درزية متقدمة تتعاون مع الجيش الإسرائيلي؛ أسوةً بجنوب لبنان بعد عام 1982، والمليشيات التي نشطت في غزة أثناء العدوان الأخير وبعده.

وعلى الرغم من الموقف الأمريكي المتماهي مع المواقف الإسرائيلية في سوريا، إلا أنه لُوحظ أن المواقف الإقليمية؛ لا سيّما السعودية والتركية ونسبيًا الأردنية، من شأنها أن تُحدث ضغطًا نسبيًا على واشنطن؛ كي تمنع تل أبيب من التحرك العسكري في جنوب سوريا، وتبذل جهدًا نحو مسعى الوصول إلى اتفاق أمني مع الحكومة السورية يمكن أن يؤسس لحالة استقرار في الجنوب، لكن بطبيعة الحال دون أن يمس ذلك السيطرة الإسرائيلية الفعلية لبعض المناطق، إذ تدلّ طبيعة المواقف الأمريكية حيال سوريا ولبنان وغزة بأنها تؤيد إنشاء تل أبيب مناطق آمنة، لكن تميل هذه المواقف في ذات الوقت إلى تأسيس حالة من الاستقرار النسبي. 

قسد تتهم الدولة:

شهدت الساحة السورية أيضًا تظاهرات في مناطق الساحل والسويداء، وكذلك شرق الفرات. في السويداء طالبت التظاهرات بالانضمام إلى إسرائيل، وطالبت المناطقُ العلوية بالإفراج عن بعض المعتقلين وإشراكهم في الحكم، وأما تظاهرات شرق الفرات فقد طالبت باللامركزية في الحكم.

فيما يتعلق باتفاق آذار/ مارس المُبرم بين الحكومة السورية وقسد، ليس هناك تصريح إعلامي أو إشعار رسمي من قسد للحكومة السورية بأنها لم تعد ملتزمة بالاتفاق. غير أن تحركات قسد الأخيرة أنذرت بأنها تعتبر نفسها التزمت بما جاء فيه، وأن التقصير الحاصل هو من طرف الحكومة السورية التي لم تقدم ضمانات حقيقية لمشاركة كافة أطياف الشعب السوري في العملية السياسية، وتملصت من الاعتراف باللامركزية التي وردت بوضوح في بنوده.

وقد دعا زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان تنظيم قسد إلى الاندماج في المؤسسات السورية، لكن لا يوجد صدى واضح لها حتى الآن. دعوة أوجلان جاءت عقب زيارة وفد برلماني تركي شُكّل من حزب العدالة والتنمية الحاكم وحزب الحركة القومية ذي التوجه القومي الأبرز، وكذلك ديم، وهو حزب تركي معظم ناخبيه من الأكراد. زيارة هذه الأحزاب لأوجلان تُبرز حقيقة إيمان السلطات التركية بإمكان تحقيق تحرك إيجابي حيال ملف قسد عبر الطرق الدبلوماسية والمفاوضات؛ لا سيّما وأن المفاوضات تتم مع الزعيم الروحي للمقاتلين الأكراد في تركيا وسوريا.

لكن انتقال عدد كبير من قادة وأفراد حزب العمال الكردستاني من جبال قنديل في العراق إلى سوريا، زاد قوة التيار المتشدد داخل قسد، وهو تيار متشبث بفكرة اللامركزية وتأجيل الاندماج بالمؤسسات الأمنية.

إلى جانب ذلك، ثمة ارتباط مباشر بين قسد وواشنطن في عملية اتخاذ القرارات؛ خاصةً المستقبلية يتجاوز تأثير عبد الله أوجلان، والواضح بشكلٍ قاطع أن المؤسسات الأمريكية المركزية لا تزال ترى في قسد ورقة ضغط من المبكر التخلي عنها، ومؤشر ذلك تخصيص واشنطن موازنة لقسد خلال العام 2026، بالإضافة إلى مواصلة إشراكها لها في تحركات التحالف الدولي ضد داعش.

لبنان وانتهاكات إسرائيلية مستمرة:

حين كانت بيروت منشغلةً باستقبال بابا الفاتيكان، كانت تل أبيب ماضيةً في سيناريو تأسيس منطقة آمنة بجنوب لبنان، يوازيها استهداف دائم لكل عنصر تراه تهديدًا لأمنها. بمواصلتها احتلال 5 تلال جبلية، وإقدامها على إنشاء سور إسمنتي هناك، تؤكد تل أبيب أن خطتها الاستراتيجية حيال لبنان تقوم على إنشاء حزام عسكري متقدم يُبقي المناطق اللبنانية الواقعة في الجنوب حتى نهر الليطاني تحت السيطرة النارية المباشرة التي توفر لتل أبيب فرصة رصد المخاطر والتصدي لها خارج حدودها؛ وهذا ما يُطلق عليه “الدفاع الهجومي أو الوقائي”.

ثمة تنصل أمريكي إسرائيلي واضح من مواد وردت في اتفاق وقف إطلاق النار الذي تضمن شرط انسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي اللبنانية مقابل انسحاب حزب الله إلى شمال الليطاني، إذ الواضح -على العكس من ذلك- أن تل أبيب وواشنطن وجدتا في الاتفاق مجرد خطوة لتثبيت الاحتلال الإسرائيلي الفعلي، مع مواصلة استهداف عناصر حزب الله والفصائل الأخرى بين الفينة والأخرى. بل بهذه الخطوة تتفهم واشنطن الذرائع الإسرائيلية، وتوجه مزيدًا من الضغوط الدبلوماسية والاقتصادية على الحكومة اللبنانية لإجبارها على مجاراة الجهود الإسرائيلية في ضبط السلاح لأبعد حد، لكن دون الاعتراض على السيطرة الإسرائيلية.

وقد كان مؤشر ذلك واضحًا بإطلاق واشنطن مبادرة نتيجة جهود سعودية مصرية إقليمية تقوم على فكرة عقد لقاءات مباشرة بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي لمناقشة تثبيت وقف إطلاق النار بتسريع مصادرة سلاح حزب الله وانسحاب أفراده إلى ما بعد الليطاني، لكن دون الحديث عن فكرة انسحاب تل أبيب من المناطق التي احتلتها بعد اجتياحها البري للبنان.

ترسيم حدود لبناني قبرصي:

يشهد حوض شرق المتوسط تصاعدًا للتعاون والتنسيق بين تل أبيب وأثينا ونيقوسيا وبمشاركة أمريكية منخفضة المستوى، وتُوِّج الحراك المذكور بإرسال أثينا سفينة تنقيب عن الطاقة بالقرب من جزيرة كريت، غير أن الجانبين التركي والليبي أعلنا رفضهما القاطع لمثل هذه الخطوة التي تعتدي على حدودهما البحرية المشتركة.

في أوج هذه التوترات ذهبت بيروت نحو توقيع اتفاقية مع نيقوسيا، ولم يمضِ الكثير من الوقت حتى أعلنت أنقرة عن اعتراضها الكامل على الاتفاقية؛ بدعوى أنها تمس بشكلٍ وثيق حقوق جمهورية قبرص التركية التي لا يعترف بها أي طرف دولي بما فيها لبنان.

خريطة تقديرية لتداخل الحدود البحرية بين بيروت ونيقوسيا مع المياه الاقتصادية الخالصة لقبرص التركية من جهة البلوك رقم 3

الجدير بالذكر أن الاتفاقية المذكورة سبقها تداول للأمر داخل مجلس الوزراء اللبناني، ومن ثم تم إيداعها لدى الرئاسة اللبنانية، وثمة اعتراضات قانونية على طريقة التوقيع على الاتفاق، حيث تُلزم المادة 52 من الدستور اللبناني بمصادقة البرلمان اللبناني على الاتفاقية قبل توقيعها من قبل الرئاسة، لا سيّما وأنها اتفاقية سيادية وليست فنية عادية محددة بالتجديد سنة فسنة، وهنا إشارة إلى أن الاتفاقية لا تزال قابلة للطعن فيها من قبل البرلمان.

ولوحظ في هذا الصدد اختلاف الخريطة المعتمدة في الاتفاقية عن تلك المعتمدة لدى الجيش اللبناني على نحوٍ يصب في مصلحة توسيع الحدود البحرية القبرصية على حساب تلك اللبنانية، وهذا ما يرجح اعتراض البرلمان اللبناني مطالبًا بتعديلها في حين عُرضت عليه. كما يمكن أن يُحدث اعتراض أنقرة على الاتفاقية صدى لدى بعض النواب اللبنانيين غير الراغبين في الصدام مع تركيا، على أن يكون الطعن دافعًا لتعديل الخرائط، والنظر إلى التوافق مع أنقرة ليكون هناك تنقيب عن الثروات دون الدخول في أتون صدام دولي.

غزة ومحاولات اللبننة والتضفيف:

في سياق محاولات الانتقال إلى المرحلة الثانية لخطة ترامب في غزة، بدأت تظهر للسطح صعوبات ميدانية جمة؛ خاصًة بعد تلميح إسرائيلي إلى أن الخط الأصفر المرسوم حاليًا في غزة يشكّل الحدود الجديدة بين الأراضي الإسرائيلية وغزة، بالإضافة إلى إعلان تل أبيب موافقتها على فتح معبر رفح باتجاه الخروج فقط، وهو ما يعد خرقًا صارخًا لخطة ترامب التي تضمنت التدرج في الانسحاب الإسرائيلي وصولًا إلى منطقة عازلة ضيقة المساحة على أطراف القطاع، وكذلك السماح بدخول وخروج الفلسطينيين من معبر رفح دون عراقيل.

خريطة الانسحاب الإسرائيلي وفق خطة ترامب

تميل تل أبيب إلى ترسيخ سيناريو اللبننة والتضفيف في غزة، فتسعى لإبقاء قواتها منتشرةً في مساحات متقدمة داخل القطاع من شماله إلى شرقه وجنوبه، على أن تحافظ على منطقة الوسط “منطقة نتساريم” منطقة رخوة يَسهُل الدخول إليها عند الحاجة، وهذا ما يشبه ما أصبحت عليه لبنان بعد احتلالها من قبل إسرائيل عام 1982.

في الماضي قوةٌ سورية تولت الإدارة الكاملة للبنان بعد احتلال القوات الإسرائيلية المنطقة الجنوبية في حينها، واليوم يحاول الاحتلال التدخل بشكلٍ مباشر في رسم الخطوط الأساسية للمرحلة الثانية من خطة ترامب بموافقته على وجود نشاط لقوات مصرية وأذربيجانية وإندونيسية وكذلك جهات فلسطينية محسوبة على الإمارات، لكن يعترض بشكلٍ كبير على وجود قوات تركية، في مسعى منه لتصفير أي احتمال لوجود طرف يحول دون إجرائه أي نشاط أمني بري أو جوي على غزة حينما يرى حاجةً لذلك. وهنا يتضح أن تل أبيب تتمسك بتطبيق سيناريو اللبننة على القطاع بشكلٍ يشابه تمامًا ما أقدمت عليه سابقًا في لبنان، غير أن نقطة الخلاف التي تمنعها من الانتقال بسلاسة إلى المرحلة الثانية من خطة ترامب، تكمُّن في تحديد ماهية وجنسيات القوات التي ستنتشر في المناطق الواقعة خارج سيطرتها في قطاع غزة. ولا بد من الإشارة إلى أن خطة ترامب تؤيد في مضمونها لبننة القطاع وفق المذكور أعلاه دون أي اعتراض.

أما السيناريو الثاني، فهو التضفيف المتداخل مع اللبننة، والتضفيف يعني تحويل قطاع غزة إلى ما يشبه حال الضفة الغربية؛ لا سيّما في جانب سهولة تحرك الآليات العسكرية داخل القطاع والوصول للهدف برًا عند الحاجة، فضلًا عن التدخل الجوي بين الفينة والأخرى، على نحوٍ يُبقي حالة الإرباك الأمني حائلةً دون أي حراك مقاوم يشكّل تهديدًا حقيقيًا للاحتلال.

على أرض الواقع، وفي سياق دبلوماسي، ثمة تحديات إقليمية تلوح في الأفق أمام التعنت الإسرائيلي، وتتمثل أولًا في الموقف المصري، حيث إن القاهرة أكدت في أكثر من سياق أنها تتمسك بالانتقال إلى المرحلة الثانية رافضةً استمرار احتلال غزة، مع مطالبتها بفتح معبر رفح ذهابًا وإيابًا، فضلًا عن إطلاق عملية إعادة إعمار شاملة لكافة أنحاء القطاع. وفي هذا السياق، تبذل القاهرة جهودًا حثيثةً في تنسيق موقفها مع واشنطن عبر لقاءات متكررة تؤكد فيها أن الجمود لا يصب في مصلحة أي طرف؛ إذ يمكن أن يظهر للسطح فوضى وغموضًا يبقيان حكم حماس مستمرًا بفعل الأمر الواقع على نحوٍ يعيق أي تقدم في إرساء استقرار طويل الأمد. وتحت وطأة هذه النقطة تحاول الإدارة الأمريكية الضغط على تل أبيب للانتقال إلى المرحلة الثانية، لكن كما ذُكر أعلاه لا تعترض خطة ترامب بشكلٍ واضح سواء على لبننة القطاع أو تضفيفه، وفي ضوء الضغوط الأمريكية المذكورة يمكن أن تتجه تل أبيب نسبيًا نحو تقليص مساحات سيطرتها، لكن دون التخلي الكامل عن فكرة إنشاء منطقة آمنة متقدمة داخل القطاع.

ومهما يكن، فإن مجمل الأحداث يظهر أن تل أبيب تدفع بثبات نحو خلق واقع توسعي عسكري وأمني جديد عند الحدود مع دول الجوار، وساعدها على هذا أنها فتَّتت الصراع مع العرب إلى جبهات لا يصل بينها شيء، بل لا تنتبه أي جبهة منها إلى فرص التعاطي العربي المشترك مع هذا العدو الواحد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى