
موجز سياسي – إقليم بلاد الشام – صراع الاستقرار والفوضى
لا تزال المنطقة تشهد تفاعلات عارمة بين أطرافها، ثم بينها وبين القوى العالمية ذات النفوذ فيها، وقد برز الشأن السوري من خلال نتائج الاشتباك العسكري المنخفض نسبيًا الذي وقع بين الحكومة وتنظيم قسد وما نجم عنه من تطورات دبلوماسية تحوليّة، كما برز الشأن الغزي في الموقف الإسرائيلي المتعنت في تنفيذ بنود المرحلة الثانية.
الاتفاق مع قسد:
فرضت الحكومة السورية سيطرتها على ما يقارب 80% من مساحة المناطق التي كانت تخضع لسيطرة مليشيا قسد، وهو ما يمثل تحولًا نوعيًا في موازين القوى الداخلية. لم يكن هذا التحول مجرد استعادة عسكرية للأرض، بل كان إعلانًا عن ميلاد معادلة جغرافية سياسية جديدة، ليس في شمال شرق سوريا فحسب، بل في عموم الجغرافية السورية.
تكمّن أهمية هذه المعادلة في أنها تدفع بكفة الميزان والحوكمة في الداخل السوري، رويدًا رويدًا، نحو سيناريو الدولة القابضة أمنيًا على معظم الجغرافيا السورية مما يعزز تثبيت سيناريو حكم مناطقي يحمل استقلالًا مجتمعيًا وثقافيًا موسعًا، بل وأمنيًا أيضًا، لكن بصلاحيات محدودة جدًا، وبتبعية مباشرة وكاملة للحكومة السورية في مناطق الأقليات. وهذا بالضبط ما كشفته طيات الاتفاق المسمى بـ “الاتفاق الشامل” الذي أُبرم مؤخرًا بين دمشق وقسد، والذي يرسم ملامح المرحلة القادمة بوضوح.
ركز هذا الاتفاق على عملية دمج متسلسلة للقوات العسكرية والإدارية التابعة لقسد ضمن أجهزة الدولة، مع ضمانات لمسار تسوية الحقوق المدنية والثقافية للمجتمع الكردي. إن بنود الانسحاب المحدود للقوات السورية من نقاط التماس، ودخول قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية إلى مركزي المدينتين الرئيستين الحسكة والقامشلي، وتشكيل فرقة عسكرية من ثلاثة ألوية من قوات قسد مع لواء رابع في عين العرب، كلها إجراءات تشير إلى اندثار مشروع قسد القائم على الانفصال أو اللامركزية لمصلحة هيمنة الدولة ومنحها بإرادتها لا عنوةً حكماً محدود الخصوصية لمناطق الأقليات. وهذا يعني توحيد لعُرى الجغرافية السورية تحت حكم مركزي موحد، لكن مع إقرار ضمني بخصوصية نسبية، هي أقرب إلى “امتياز إداري مقيد” منه إلى حق دستوري.
وإذا نجح تطبيق هذا النموذج في الشمال الشرقي، فإنه يصبح قابلًا للتعميم، ليس فقط في منطقة شمال شرق سوريا، بل ربما في المناطق ذات الأكثرية العلوية في البداية، ومن ثم في السويداء، سواء بنفس النمط أو بشكل قريب منه. إن تشكيل ألوية أمنية من عناصر محلية تنتشر في مناطقها، ولكن بتبعية لقائد أمن داخلي ترسله الحكومة المركزية، يكشف عن نهاية حلم الاستقلال الذاتي الكامل.
ولا يمكن فهم نجاح دمشق في فرض هذه المعادلة دون النظر إلى البيئة الإقليمية والدولية المتغيرة. فالموقف الأمريكي، على سبيل المثال، غاية في الوضوح. لقد تغاضت واشنطن عن تحرك الحكومة السورية، بل عبر مبعوثها عن ارتياحها لـ”الاتفاق الشامل” باعتباره محطة تاريخية نحو المصالحة الداخلية. هذا الموقف لم يأت من فراغ، بل هو نتاج عدة عوامل متداخلة؛ فقد أظهرت الحكومة السورية كفاءة ملحوظة في التجاوب الجدي مع ملف منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وتعاونت في مكافحة الإرهاب ضد داعش، وشاركت وحدات أمنية سورية فعليًا في عمليات مراقبة الحدود والتصدي لتهريب السلاح، لقد قدمت دمشق من نفسها شريكًا وظيفيًا قادرًا على تلبية الطموحات الأمنية الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة، متجاوزة أي التزام أيديولوجي متصلب.
كما أن نجاح غرفة الاستخبارات المشتركة التي تضم دمشق مع أنقرة وبيروت وبغداد وعمان، بدعم سعودي، أوجد أداة فعالة خاطبت طموح الإدارة الأمريكية الحالية في بناء تحالفات إقليمية تشاركية تخفض التكاليف على واشنطن. هذا التعاون الإقليمي غير المسبوق، برعاية أمريكية، عزل المشروع الانفصالي، وجعله يبدو كعقبة أمام الاستقرار المنشود.
وفي الوقت نفسه لعبت تركيا دورًا محوريًا في إقناع واشنطن، فالدور التركي الإيجابي في إقناع حماس، وفي الملف الليبي، وأهم من ذلك في دعم مشروع ممر “زنغزور” النقلِي الذي يطوِّق النفوذ الإيراني ويقلص أهميته اللوجستية؛ كلها أوراق رابحة استخدمتها أنقرة في مقايضة واضحة؛ خدمات تركيا لواشنطن في ملفات مختلفة، مقابل خدمة واشنطن لأنقرة في الملف السوري عبر إجهاض المشروع الكردي المنفصل الذي تراه تركيا تهديدًا وجوديًا لأمنها القومي.
صرخة قاسم:
أما على المسرح اللبناني المجاور، فتتعرض معادلة الردع الإيرانية التي اعتمدت عليها طهران عبر حزب الله، لهزة وجودية، فتهديدات زعيم الحزب نعيم قاسم بنصرة طهران تبدو اليوم “صرخة في واد”، في ظل قدرة إسرائيل المتواصلة على استهداف قيادات الحزب دون ردع فعال، وسط معاناة الحزب من ضائقة مالية وعجز في العتاد بعد خسائره الكبيرة.
لقد شهدت الحرب الإسرائيلية الإيرانية المباشرة في حزيران/ يونيو 2025 إجهاضًا واضحًا لمعادلة “توازن التهديد” الإيرانية. لذلك، يتحول تهديد حزب الله إلى الداخل اللبناني، برفضه تسليم السلاح ومواجهة الجيش اللبناني إذا حاول نزعها.
في هذا السياق، يصبح تعطيل إسرائيل للجنة “الميكانيزم” الدبلوماسية لترتيب وقف إطلاق النار في لبنان أمرًا مفهومًا. إن رفض إسرائيل لعودة النازحين، وانسحابها من التلال المحتلة، وتعزيز سيادة الجيش اللبناني، ينبع من تقييمٍ أمني صرف يعيش على وقع صدمة 7 أكتوبر 2023. تل أبيب تريد إقامة مناطق عازلة آمنة وتنكب في الوقت الحالي على تصفير أي تهديدٍ ضدها لفترة طويلة، وتنظر إلى أي مسار دبلوماسي فقط على أنه أداة لتجريد الحزب من سلاحه دون تقديم تنازلات جغرافية. والموقف الأمريكي، في ظل التصعيد ضد إيران، يتماهى مع هذا النهج، متخليًا عن اللجنة مؤقتًا حتى يتحدد مصير المواجهة مع طهران. النتيجة المتوقعة هي تصعيد إسرائيلي مستهدف في لبنان لـ”قص أظافر” الحزب استباقيًا لأي مواجهة مستقبلية.
تكتيك “قص العشب”:
وفي غزة، يبدو المشهد أكثر قتامة، فالهجمات الإسرائيلية المستمرة، حتى قبل فتح معبر رفح بشكل محدود، تؤكد على نية إسرائيلية راسخة برفض أي عودة للحياة الطبيعية أو أي نشاط لحماس بأي شكل. إن تكتيك “قص العشب” والتهجير التدريجي لا يزالان قائمين، ففتح معبر رفح بشرط أن يكون عدد المغادرين أكبر من الداخلين ثلاث مرات، ورفض عودة من غادر قبل 7 أكتوبر، كلها سياسات تهدف إلى إفراغ القطاع سكانيًا وتثبيت واقع الهيمنة الأمنية الإسرائيلية الكاملة.
إن التعنت الإسرائيلي في غزة، المتمثل في السيطرة المباشرة وصوملة الأوضاع الأمنية الداخلية، يشي بأن الانسحاب الكامل غير مطروح. واشنطن، في إطار توزيع الأدوار، قد تقبل بسيطرة إسرائيلية على أجزاء من القطاع، وسيصبح التفاوض حول انسحاب جزئي فقط. هنا يبرز الدور المصري المحوري، الذي يحتاج إلى تحالف إقليمي أوسع مع أنقرة والدوحة والرياض لمواكبة هذا الضغط، وإن كان من المرجح أن تبقى الهيمنة الإسرائيلية، بشكل أو بآخر، هي السمة الأبرز.
خطوط النقل:
وتأتي في خلفية هذه التحولات الأمنية والسياسية الكبرى، معادلة اقتصادية لوجستية جديدة تتبلور، فاتفاقية توريد الغاز بين عمان ودمشق ليست مجرد صفقة تجارية، بل هي مؤشر حيوي على استراتيجية أردنية واضحة لإحياء خطوط نقل الطاقة والسلع، مما يخلق تشابكًا معقدًا للمصالح يحفز الاستقرار في الجنوب السوري. إن إعادة إحياء “خط غاز العرب” يحمل وعودًا مستقبلية بربط مصر والأردن وسوريا وتركيا وأوروبا، مما يخلق ممرًا تنافسيًا بعيدًا عن الهيمنة الروسية الأوراسية الكبيرة وعن المشروع الإيراني.
وهذا الموقع الجيواقتصادي الجديد يجذب القوى العالمية، فزيارة رئيس وزراء الهند إلى عمان، وزيارة وفد الاتحاد الاقتصادي الأوراسي (بقيادة روسيا) لنفس الهدف، والتداخل مع المشروع الصيني “الحزام والطريق”، كلها إشارات إلى أن سوريا والأردن وتركيا أصبحوا مقصدًا للمشاريع الدولية الكبرى.
الفرصة سانحة لهم للانضمام إلى هذه المشاريع على أنهم مكونات جغرافية محايدة، تعزز من أهميتها الاقتصادية دون الانخراط الكامل في الصراعات الجيوسياسية المصاحبة لها، على غرار النموذج التركي الذي يتقاطع ويتنافس مع الصين في آن واحد.
***
تبدو كل الأطراف النشطة في المنطقة حريصة على ضمان نوع من الاستقرار أو السيطرة الداخلية في بلادها، وحفظ شيء من التوازن في الإقليم، إلا أن تل أبيب تعمل على امتلاك التفوق المطلق لنفسها، وتساندها في هذا رغبة أمريكية تحرص على صداقة الstability and chaosجميع ممن يتوافق معها، ولكن في الوقت نفسه تعطي الأفضلية الكاملة للطرف الإسرائيلي، وهو ما تحاول دول الإقليم الفاعلة بدرجات متفاوتة مواجهته قدر طاقتها.
جميع الحقوق محفوظة لدى برق للسياسات والاستشارات©2026




