
موجز سياسي – مصر ودول شمال أفريقيا – نشاط متعدد ومواقف فاعلة
يشهد الشمال الأفريقي؛ خاصة مصر وليبيا، تطورات مهمة تعكس سعيًا لتعزيز النفوذ الإقليمي عبر أدوار وساطة نشطة وتحالفات استراتيجية، مع التركيز على ملفات الأمن والاستقرار وإعمار غزة.
مصر ومرحلة اتفاق غزة الثانية:
بعد إعلان الإدارة الأمريكية الانتقال إلى المرحلة الثانية في حل أزمة قطاع غزة، سارعت القاهرة الخطى باحتضان اجتماعات تضم ممثلين عن الفصائل الفلسطينية التي توافقت على هامش هذه الاجتماعات على أعضاء لجنة التكنوقراط التي كان لواشنطن دور أساس في تعيينها، ووافقت عليها تل أبيب أمنيًا.
حضور حماس كان الأهم في ظل ضرورة تسليمها ما تبقى من مؤسسات حكم في غزة للجنة التي يُعوّل عليها في تولي زمام الأمور. وهنا لا بد من التأكيد على أن التعنت الإسرائيلي لا يزال قائمًا بحجة ضرورة تسليم جثة الأسير الأخير، بالإضافة إلى المراوغة في الانسحاب إلى ما بعد الخط الأصفر حسب خطة ترامب، وهذا ما يعرقل تطبيق الانتقال إلى المرحلة الثانية بسلاسة.
أهم الأسماء المرشحة لعضوية لجنة التكنوقراط المذكورة هم: علي شعث وعائد أبو رمضان وعبد الكريم عاشور وعمر شمالي وعائد ياغي وجبر الداعور وبشير الريس وعلي برهوم ومحمد نسمان. عند التعمن في خلفيات أصحاب هذه الأسماء، يُلاحظ أن معظمهم من خلفية تقنية، وتُلامس استعانة غير مباشرة بالسلطة الفلسطينية؛ إذ إن بعض أو أغلب الأسماء المذكورة متقاعدة من السلطة، أو تعمل تحت مظلتها في الوقت الحالي، وأكثرهم من أصل غزي، ولا يمثل اللاجئين – المُهجَرين من الداخل المحتل – سوى اسمان. وبهذا تُعاد مسألة إدارة القطاع إلى ما كانت عليه الأمور في ظل وجود الاحتلال الإسرائيلي المباشر لقطاع غزة ما بين عامي 1967 و1994، حيث كان وجهاء من أصل غزي أكثر نشاطًا في إدارة شؤون القطاع.
تحركات الجانب الأمريكي توحي بوجود نية فعلية للدفع نحو تنفيذ الخطة، ويبقى الجهد المصري غايةً في الأهمية للضغط في اتجاه التمسك بحل دائم ومجدٍ لسكان غزة، لا سيّما فيما يخص إطلاق عملية إعادة الإعمار مع توفير الخدمات الأساسية، فضلًا عن نزول لجنة التكنوقراط إلى غزة لمباشرة عملها. وبالركون إلى حيوية الدور المصري في هذا الصدد، فإن انتقال لجنة التكنوقراط إلى غزة ليس بالبعيد من ناحية زمنية، خاصةً وأنه قد ذُكر سابقًا أن ترامب يسعى لتغيير شكل النظام الدولي من خلال تحييد مؤسساته، والدفع بواشنطن لكي تكون عاصمة العالم بالكامل عبر فرض السلام وقرارات أخرى بالقوة في حالةٍ أشبه ما تكون بالحكم الإمبراطوري للعالم في سياقٍ يتجاوز فكرة حكم القانون والسيادة وغيرها من المبادئ.
القاهرة ودمشق.. تعاون اقتصادي:
قُرئت زيارة وفد اقتصادي مصري لسوريا مؤخرًا على أنها مقدمة لزيادة تحسين العلاقات بين الطرفين، كما أن التوقيت يدلل على تبني القاهرة سياسات جديدة حيال المنطقة تعكس توجهها إلى الحركة والمناورة في سياقٍ يتناغم إلى حدٍ كبير مع سياسات الرياض وأنقرة. الدليل على حيوية المناورة السياسية المصرية لا ينحصر في زيارة الوفد المصري الاقتصادي إلى دمشق، بل يمتد ليشمل تحرك القاهرة الحيوي في جيبوتي وإريتريا، وكذلك التنسيق المضطرد مع الرياض وأنقرة في الملف السوداني لدعم الجيش السوداني بالسلاح وبالشرعية الدبلوماسية، فضلًا عن التحرك الأحادي في الملف السوداني من خلال استهداف قافلة أسلحة تتبع قوات الدعم السريع في مثلث الحدود الواقع بين مصر والسودان وليبيا وذلك في 12 من كانون الثاني/ يناير 2026، عوضًا عن حيوية التنسيق الحثيث مع أنقرة والرياض في الملف الصومالي بعد اعتراف تل أبيب بأرض الصومال.
بالعودة إلى زيارة الوفد الاقتصادي المصري لدمشق، فقد أبدت الحكومة السورية اهتمامها البالغ بفتح بوابة التعاون مع الجانب المصري من خلال حرص الرئيس السوري أحمد الشرع على الاجتماع بالوفد المصري. كما أن تأكيد الشرع للوفد بأن بلاده حريصة على التعاون في مجالات المقاولات والطاقة والزراعة، يوحي بدراسة حكومة دمشق الميزات التي يتمتع بها الاقتصاد المصري جيدًا، ليعكس ذلك جدية الاهتمام السوري بجذب الشركات المصرية إلى السوق السورية.
الوفد المصري زار سوريا تحت عنوان “دبلوماسية الإعمار”، كذلك تم توقيع اتفاق غاز تمد بموجبه القاهرة دمشق بالغاز، وهذان مؤشران فعليان على توجه القاهرة نحو فتح صفحة جديدة في علاقاتها مع دمشق بعدما ظهر لفترة زمنية توجسها من فتح هذه الصفحة انطلاقًا من خلفية الإسلام السياسي للرئيس أحمد الشرع وحكومته.
الخطوة المقبلة في العلاقات المصرية السورية هي الترتيب لزيارة يقوم بها أحمد الشرع إلى القاهرة ليكون هناك تحسين كامل للعلاقات، غير أن هذه الخطوة مرتبطة بمدى قدرة الحكومة السورية على إظهار كفاءتها في التفاعل اقتصاديًا ودبلوماسيًا وأمنيًا مع توجهات القاهرة.
مواقف مصرية فاعلة:
في ملفات عديدة لم تكتفِ القاهرة بإصدار البيانات الإعلامية، بل أظهرت تحركاتٍ عمليةً تجسدت في توثيق تعاونها مع أنقرة في ملفات غزة والسودان والصومال، بمشاركة أنقرة دبلوماسيًا في اجتماعات تشكيل لجنة التكنوقراط الخاص بغزة، وإطلاق مسار تشاور دبلوماسي ساخن بين أنقرة والقاهرة لحماية المؤسسات الوطنية السودانية ودعم انتقالها إلى الخرطوم، كما توافق الطرفان على التعاون الأمني المشترك داخل الصومال ومياهها الإقليمية في قادم الأيام.
تُدرك القاهرة أن محاولة تل أبيب – بتعاون غير مباشر مع أبو ظبي وأديس أبابا وكذلك نيودلهي- هندسةَ معادلة البحر الأحمر، يشكّل تهديدًا استراتيجيًا لأمنها القومي ونفوذها الإقليمي، حيث إنها مشاطئة لحوض البحر الأحمر الذي يرتبط بقناة السويس، وتحرك تل أبيب في هذه النقطة يعني ميلاد جغرافيا تصدر التوتر الدائم، وفي ذات الوقت تزيد من مستوى النفوذ الإسرائيلي السلبي ضد الدور المصري ومصالحه في المنطقة؛ لا سيّما وأن هناك إرهاصات لتطبيق استراتيجية أو نظرية “المحيط” التي تتبانها تل أبيب منذ الخمسينيات، وتقوم على تطويق المنطقة العربية لرفع مستوى التحكم بشؤونها والإضرار بمصالحها، ولذلك كان تعبير القاهرة عن رفض هذه الخطوة صريحًا، وعكست تحركاتها العملية للرد عليه بزيادة معدل الدوريات البحرية المشتركة مع دول مجلس الدول المطلة على مضيق باب المندب وخليج عدن، فضلًا عن تعميق التعاون الفني في مجالات النقل اللوجستي وتشغيل الموانئ والتداول المالي مع جيبوتي، والتشاور حول ذات الأمر مع أسمرا، فضلًا عن تنسيقها لموقف الدعم العسكري لمصلحة الجيش السوداني، وأخيرًا والأهم توجهها لتأسيس تحالف أمني عسكري مُشترك مع الرياض ينشط في الصومال.
نشاط متعدد في بنغازي:
على هامش زيارة قائد الجيش الباكستاني عاصم منير لبنغازي التقى نائب قائد قوات شرق ليبيا صدام حفتر، ووقع معه اتفاق تعاون عسكري. ووفق وكالة الأناضول، فإن الزيارة جاءت بمبادرة من قبل منير الذي من الواضح أنه يجتهد لمنح بلاده دور الفاعل العسكري المهم في المنطقة؛ إذ سبق زيارته لبنغازي توقيع إسلام آباد اتفاق دفاع عسكري مشترك مع الرياض، وبعد الزيارة المذكورة أشارت عدة مصادر متطابقة، وتحديدًا رويترز، إلى وجود صفقة أسلحة باكستانية وشيكة تدعمها الرياض لمصلحة الجيش السوداني.
وعلى الرغم من عدم وجود مؤشرات واضحة، إلا أن الحسابات العقلانية وتحركات الرياض النشطة بالتعاون مع الجانبين المصري والتركي، توحي بأن الدور الباكستاني إزاء قوات حفتر يُقرأ في سياق الحرص السعودي على تحقيق تعاون قوي مع قوات حفتر عبر الطرف الباكستاني.
جاء لقاء منير وصدّام بعد زيارة الأخير ووالده خليفة حفتر للقاهرة، وهنا يُستنبط وجود مسار تسعى الرياض والقاهرة لإنشائه عبر توجيه دعم عسكري وأمني ومالي لقوات حفتر تدفعها للتمسك بتحقيق توازن في علاقاتها ما بين المحور السعودي المصري والمحور الإماراتي لأعلى مستوى من الحساسية. أبو ظبي هي أكبر داعم عسكري وأمني ومالي لقوات حفتر، وتتفوق في ذلك على الدعم المصري والفرنسي والروسي، لذلك يبدو أن الرياض تحاول نسج خط دعم لقوات حفتر لتخفيف تبعيّتها لأبو ظبي وبالتالي الأخذ بقوات حفتر نحو تخفيف دعمها لقوات الدعم السريع سواء في الوقود أو في خطوط تهريب الأسلحة.
في ظل التحرك السعودي الدبلوماسي والعسكري المستجد في المنطقة، فإن تضييق الخناق على أبو ظبي في اليمن وحوض البحر الأحمر ومجال النقل اللوجستي، من شأنه أن يكشف لحفتر أهمية تخفيف توجيه دعم لقوات الدعم السريع؛ لا سيّما وأن ثمة مؤشرًا آخر يُظهر نسج المخابرات التركية خيوط تعاون مع بعض الحركات التشادية المتمردة، إذ إن هذه التحركات من شأنها إثارة الخوف لدى قوات حفتر على مستقبلها واستقرار المنطقة الشرقية الليبية التي تُسيطر عليها.
وفي حال فتح محور الرياض القاهرة أنقرة أفق تعاون واسع مع حكومة الوحدة الوطنية، وأيضًا في حال تبنيه مبادرة مشتركة لقطع خطوات عملية لعقد مصالحة سياسية في ليبيا وطرح مبادرات حل، فإن قوات حفتر يمكن أن تشعر بوجود مهددات تؤثر في شكل المعادلة القائمة ونفوذها في ليبيا، وبالتالي تنخرط أكثر في سياق مبادرات المحور المذكور الهادفة لتخفيف عمليات تهريب الأسلحة لقوات الدعم السريع عبر الأراضي الليبية.
ومهما يكن، فإن التحركات المصرية المتعددة في شمال أفريقيا تؤكد على اتباع القاهرة نهجًا يوازن بين التعاون الاقتصادي والأمني، سعيًا لحماية مصالحها القومية، وتعزيز دورها الفاعل في تشكيل التوازنات الإقليمية الجديدة. القادم هو لعب أطراف المعادلة في المنطقة على صفيحٍ ساخن عبر أساليبٍ متعددة.
جميع الحقوق محفوظة لدى برق للسياسات والاستشارات©2026



