تقدير موقف

تقدير موقف – مستقبل الأمم المتحدة في ظل هجمة ترامب عليها

لم تعد تخلو تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الكثيرة من هجوم على هذه الدولة أو الهيئة الدولية، أو هذا الشخص أو ذاك، وممن اتجه إليه الهجوم الترامبي أكثر من مرة خلال الفترة الأخيرة: هيئة الأمم المتحدة، متهمًا إياها في كلمةٍ ألقاها أمام الجمعية العامة بالفساد، مضيفًا أنها لم تعدّ تشارك في مساعيه لوقف الحروب، ثم عاد ليقول إن المنظمة ستبقى لكن فائدتها ليست كبيرة، وكرر الهجوم أخيرًا خلال كلمته في مؤتمر دافوس متهمًا الأمم المتحدة بالفشل في تحقيق السلام في غزة والعالم.

الخلفية والسياق العام:

الولايات المتحدة ليست فقط عضوًا مؤسِّسًا للمنظمة، بل إن إنشاء الأمم المتحدة يرجع إلى فكرة الرئيس الأمريكي الأسبق فرانكلين روزفلت بإقامة منظمة دولية لحفظ السلام في العالم في أربعينيات القرن الماضي، ووقفت واشنطن وراء عقد سلسلة من الاجتماعات التحضيرية لتأسيسها، وأسهمت بشكل رئيس وفعال في صياغة مبادئ المنظمة وتحديد هيكلها المؤسسي والإداري، وفي تقديم أكبر حصة من الدعم المالي للأمم المتحدة، بل واحتضنت مقر المنظمة وبعض هيئاتها.

والموقف الواضح هو أن ترامب ليس مطمئنًا لدور منظمة الأمم المتحدة في العالم، لكن لا يظهر بوضوح هل يسعى إلى تفكيكها تمامًا، أو إضعاف تـأثيرها فقط؟ وهو أمر يمكن تبيّنه من خلال فهم الدافع وراء موقفه هذا.

تعد الولايات المتحدة أكبر مساهم في ميزانية الأمم المتحدة، فتبلغ حصتها فيها 22%، وفي الغالب كانت الإدارات الأمريكية المتتابعة حريصة على أداء هذه النسبة بانتظام، إلا في أحوال قليلة كانت ترجع غالبًا إلى أمور سياسية، فإدارة الرئيس رونالد ريغان ومن بعده بوش الأب مثلًا تأخرتا في دفع التزاماتها المالية تجاه المنظمة بسبب انتقادات وُجهت إلى إسرائيل، وفَعَل مثل هذا ترامب في فترة حكمه الأولى للسبب نفسه، واتهم أداء المنظمة بعدم الكفاية.

ويمكن لترامب حاليًا التملص من المسؤولية المالية الأمريكية تجاه الأمم المتحدة بسهولة وبدون هجوم عليها، لكنه يجمع بين الهجوم الذي يكسوه شيء من التهكم أحيانًا وتقليص المشاركة المالية الأمريكية في عمليات الإغاثة وحفظ السلام، كما انسحب من منظمة الصحة العالمية ومن مجلس حقوق الإنسان ومن منظمة اليونسكو واتفاق المناخ الذي وُقِّع في باريس، وهاجم محكمة العدل الدولية، وفرض عقوبات على بعض قضاتها، وهاجم وعاقب كل موظف أممي انتقد السلوك الأمريكي أو الإسرائيلي مهما تكن طبيعة الأفعال المنتقدة؛ كما هو الحال مع فرانشيسكا ألبانيزي مقررة الأمم المتحدة الخاصة بشؤون الأراضي الفلسطينية التي وصفت أفعال إسرائيل في غزة بأنها ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية، وهاجمت خطة ترامب للسلام في القطاع.

ويمكن تفسير تقليص المشاركة المالية الأمريكية باستهانة ترامب بالأدوار المؤسسية، والوظائف الناعمة للأجهزة، وعدم إيمانه بالغطاء الدبلوماسي والحقوقي الدولي الذي يتوفر للإدارات الأمريكية من خلال الأمم المتحدة في كثير من الملفات الخارجية التي تكون فاصلة أحيانًا، كما هو الحال في حرب الخليج الأولى. إلا أن شيئًا من هذا لا يصلح مسوِّغًا للنبرة الهجومية على الأمم المتحدة ومؤسساتها.

الأمم المتحدة وحرب غزة وحل الدولتين:

مشاعر ترامب تجاه الأمم المتحدة كانت باردة وسلبية قبل حرب غزة الأخيرة وتداعياتها الكثيرة، وسلوكه المالي تجاه المنظمة لا يختلف عن سلوكه المالي عمومًا، والذي يحدد فيه مجالات الإنفاق حسب رؤية تقوم على أن المال لا يوضَع إلا حيث يحصد مالًا، ومن هنا يمكن القول إن حرب غزة طوّرت موقف ترامب تجاه الأمم المتحدة في اتجاه أكثر سلبية؛ إذ لم يتوقف مسؤولو الأمم المتحدة ومؤسساتها عن توجيه النقد الحاد لتل أبيب وتصرفاتها الوحشية تجاه السكان في غزة، وظهر ذلك في كثير من تصريحات الأمين العام أنطونيو غوتيريش، والمقررة الأممية للأراضي الفلسطينية، وفي قبول محكمة العدل الدولية الدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزيره السابق يؤاف جالانت بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية في غزة.

إن انضمام مسؤولي الأمم المتحدة إلى المنتقدين للسياسة الإسرائيلية تجاه غزة إلى الآن؛ أمر له ثقل في صناعة جفوة دولية تجاه إسرائيل، وهو أمر تشعر به وبخطورته تل أبيب وواشنطن معًا، ويواجهان هذا وأيَّ نقد آخر بعنف بالغ باستعمال القبضة الأمنية ضد المتظاهرين، واستبعاد من ينتقد إسرائيل أو يشجع على التظاهر ضدها من الأراضي الأمريكية، ومعاقبة المؤسسات التي تسمح بمعارضة إسرائيل بين جدرانها، ومهاجمة الشخصيات المؤيدة لنوع من الحق الفلسطيني مهما يكن حجمها بألفاظ تصل إلى حد البذاءة أحيانًا.

يضاف إلى هذا أن ثمة شيئًا آنيًا وآخر تاريخيًا يؤجج من كراهية ترامب للأمم المتحدة، أما الآني فهو ما سبق من تفاعل أممي مع أحداث الحرب في غزة، وأما التاريخي فهو أن الأمم المتحدة تمثل الشرعية الدولية، وهذه الشرعية هي التي تقر فكرة الدولتين في فلسطين، وهي مسألة مؤرقة لترامب مهما كان لديه من الشجاعة لإنكارها وتخطيها؛ لأنه سيتحرك وحده أو مع عدد قليل من الدول في حال مخالفة ثوابت المنظمة الدولية.

مع خطورة سياسة ترامب تجاه الأمم المتحدة، وتمنيه – كما يبدو من سلوكه – إقامة نظام جديد تهيمن عليه القوة المطلقة بدون الإطار الدولي الحالي؛ إلا أنه موقن بأنه يندر أن يجد دولة عادية، فضلًا عن الدول ذات الثقل السياسي أو الاقتصادي في العالم، يمكن أن تتوافق معه في هذه المسألة.

وقد تجلّى هذا بوضوح في مواقف كثيرة؛ مثل: رفض الاتحاد الأوروبي أي مساس بدور محكمة العدل الدولية، وتمسّك الصين وروسيا بالإطار الأممي ضامنًا لمكانتهما برغم خلافاتهما معها، وأغلب الدول بعد هذا لا تجد أمامها بديلا مؤسسيًا يمكن أن ينوب عن الأمم المتحدة.

لكن الكيان الأممي بدون هذا الهجوم الأمريكي ليس بعافية أصلًا، ولهذا فمن المنتظر أن تتحول الانتقادات الموجهة إلى الأمريكيين وشركائهم؛ خاصةً إسرائيل، إلى مواقف شخصية لبعص المنتسبين إلى الأمم المتحدة، والترهيبُ الممارَس ضد من رفعوا أصواتهم في وجه الإبادة في غزة، أو اتخذوا إجراء ضد مرتكبي الجرائم، من شأنه أن يدفع الباقين إلى شراء أنفسهم بالصمت.

لا تشير سياسات ترامب إلى مشروع لتفكيك الأمم المتحدة، لكنها تعبّر عن استراتيجية إضعاف منهجي لأدواتها القانونية والحقوقية، خصوصًا حين تتقاطع مع المساءلة الدولية لإسرائيل، وربما الأمريكيين فيما بعد. ومع وجود إجماع أو شبه إجماع دولي على عدم تجاوز المنظمة، فإن النتيجة الراجحة هي أمم متحدة أضعف، وأشد خضوعًا لإرادة القوى الكبرى، بما يعمّق أزمة الشرعية الدولية بدون أن ينهيها.

جميع الحقوق محفوظة لدى برق للسياسات والاستشارات©2026

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى