مقال

تمييع الرؤية الدينية والتوظيف السياسي

نبيل الفولي

إن التأثير المتبادل بين الرؤية الدينية والموقف السياسي أمرٌ لا يخفى في تاريخ التديّن البشري، حتى بالنسبة لتلك الأديان التي لم تأتِ على أمور الحياة وأحكامها أصلاً؛ لأن المتدين ما لم يترهبن ويعتزل في الأديرة والصوامع بعيدًا عن العمران وبحيث لا يكون له تعاط مع الحياة والأحياء إلا في أضيق حد؛ فإنه يبقى عُرضةً لموافقة الناس ومخالفتهم في آرائهم ومواقفهم حسب الدائرة التي يخالطهم فيها.

وقد حكى لنا النبي صلى الله عليه وسلم قصة الراهب الإسرائيلي جريج (برواية البخاري 3436 ومسلم 2550) الذي هدم الناس صومعته بتهمة باطلة، فلما عرفوا خطأهم قالوا له: “نبني لك صومعتك من ذهب، قال: لا، أعيدوها من طين كما كانت، ففعلوا”، فلم تزده هذه المسألة إلا مفارقةً لقومه وبُعدًا عنهم، ومن هنا لم يشاركهم حياتهم، بل بقي على هامش الحياة البشرية، فلم يختلف معهم – فيما يخوضون فيه من أمور الحياة والعيش – في كبير ولا صغير.

التمييع.. تحرير المصطلح:

النص الديني يمثل المادة الخام التي يشتغل عليها العقل القانوني والفقهي في استنباط الأحكام، وهذا العقل لا يعمل في فراغ تام غيرَ متأثر بما تمور به الحياة من أحداث وتبدلات، كما أنه لا يملك أن يصير محايدًا حيدة كاملة، بل لابد له أن يقع في انحيازات كثيرة؛ منها انحيازه إلى ثقافته وذاته برغباتها وأهوائها وميولها، وهو الذي ينشأ عنه انحيازه إلى قويّ أو ضعيف، قريب أو بعيد، ظالم أو مظلوم.

هذا من جهة، ومن جهةٍ أخرى فإن أي سلطة سياسية أو اجتماعية تملك شيئًا من العقل تعرف قوة تأثير الدين في الجماعات البشرية، فتعمد إلى توظيفه لمصلحته؛ لأنه غالبًا سيُوظَّف ضدها بدرجة أو أخرى، رضيت أم أبت، استقامت أو انحرفت، فتصنع لنفسها حائطَ صد قويًا ضد هذا الخطر، أو تستبق إلى توظيفه في صالحها قبل أن تجد طرفًا مستقلاً عنها يمثله ويوظفه.

وغالبًا ما يكون توظيف السلطة السياسية أو الاجتماعية للدين غير مباشر؛ أي من خلال الوسيط الديني أو رجل الدين الذي يثق فيه الناس وفي ثوبه الخاص ولهجته وربما تاريخه الممتد، مع أنه قد يتبرع من تلقاء نفسه بتقديم خطاب ديني خادم للسلطة، ويحتاج أحيانًا تنازلات أخرى إلى أن تستنزله السلطة عن مقام التوجيه إلى مقام التبرير والتسويغ.

وبين هذا وهذا؛ أي رجل السلطة المحتاج إلى تسويغ ديني ورجل الدين المتبع لهواه، أو الغافل عن موقعه الاجتماعي الحقيقي، يظهر الخطاب الديني المائع.

وفي المعنى اللغوي للجذر (م ي ع) جاء في معجم (العين) قوله: “ماع الماء يميع ميعًا: إذا جرى على وجه الأرض جريًا منبسطًا في هيئته، وكذلك الدمُ. وأَمَعْته إماعة… والسرابُ يميع. وميعة الشباب: أوله ونشاطه. والميعة والمائعة: من العطر. والميعة: اللُّبْنَى” (4/ 176 – طبعة هنداوي)، فالمائع هو ما ليس له قوام متماسك من السوائل وغيرها، فإذا أخرجته عن إنائه سال وتدفق في الأنحاء، أو انتشر في الجو.

ويكثر أن يستعمل المترجمون في قريب من هذا المعنى لفظ “السيولة” ترجمة لكلمة Liquid ، فيقولون: Liquid Modernity أي “الحداثة السائلة” الذي صكّه المفكر المعروف زيجمونت باومان، ولا يقولون Fluid Modernity أي الحداثة المائعة، وقد أفادني أكثرُ من تطبيق للذكاء الصناعي في خصوص الفرق اللغوي الدقيق بين اللفظين بأن “السيولة” – مقابل “الصلابة” – تعبر عن تحطم الأطر القديمة مع بقاء انضباط نسبي وعدم الفوضى المطلقة، وأما “الميوعة” فتعني في جانبها الإيجابي المرونة، كما تعبر عن ديناميكية الحداثة وحركيتها أكثر من تعبيرها عن عدم تماسك شكلها وصورتها، وفي جانب سلبي تعبر اللفظة Fluid  عن فقدان الشكل تمامًا.

وفي سياقنا هذا فإن تمييع الدين هو: لون من التحريف يميل بالمعنى الشرعي عن سويّته؛ بالزيادة عليه، أو النقص منه، استجابة لمؤثر خارجي، أو ميلاً مع هوى داخلي، بحيث يتم تنزيل هذا المعنى على واقع بعينه، تضييقًا أو توسيعًا.

فالتمييع بهذا التعريف خاص بالمعنى، ولا تعلق له باللفظ من حيث هو لفظ، وقد يكون بالزيادة أو النقصان، ويخالف صاحبُه المعنى الشرعي الأصلي (الذي قد يكون نصًا، أو رأيًا مجمعًا عليه، أو اجتهادًا أغلبيًا)، ويستجيب فيه لرغبة شخص أو جهة ذات مكانة أو سلطة، أو حتى استجابة لهوى نفسه، أو هما معًا، ويحدوه إلى ذلك حرصه على أن ينطبق الرأي الشرعي الذي يزعمه على حالة بعينها أو وضع بذاته.

وربما يُظَن أن مصطلح “التحريف” أوجه من هذا المصطلح في التعبير عن المعنى المراد؛ خاصة أن الأول مصطلح قرآني شهير ورد بصيغة الفعل في عدة آيات قرآنية؛ منها قوله تعالى: ﴿أَفَتَطۡمَعُونَ أَن یُؤۡمِنُوا۟ لَكُمۡ وَقَدۡ كَانَ فَرِیقࣱ مِّنۡهُمۡ یَسۡمَعُونَ كَلَـٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ یُحَرِّفُونَهُۥ مِنۢ بَعۡدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمۡ یَعۡلَمُونَ﴾ [البقرة ٧٥]. إلا أن التحريف أوسع معنى من الميوعة، وهو الخروج بالشريعة لفظًا أو معنى إلى لفظ أو معنى آخر، وكأن تمييع الرأي الديني نوع من أنواع التحريف، فبينهما خصوص وعموم مطلق كما يقول المنطقيون.

ومن أمثلة التمييع الذي يتبع صاحبه هواه، ويزيد في الدين ما ليس منه؛ كي يأتي كلامه على مقياس ما يعجب صاحب السلطان، وإن لم يكن هذا الأخير راغبًا فيه؛ ما جاء في القصة الشهيرة من أن غيَّاث بن إبراهيم الوضّاع دخل على الخليفة المهدي بن المنصور العباسي، “وكان يعجبه الحمام الطيارة التي تجيء من البُعد، فروى [غيّاث] حديثًا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لا سَبْق إلا في خف أو حافر أو نصل أو جناح”… فأمر له [الخليفة] بعشرة آلاف درهم، فلما قام وخرج، قال: أشهد أن قفاك قفا كذاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “جناح”، ولكن هذا أراد أن يتقرب إلينا، يا غلام؛ اذبح الحمام، فذُبح الحمام في الحال”. ويبدو أن الخليفة لم يعاقبه، واكتفى ببيان حقارة الدنيا إذا كان الإنسان يبيع دينه لأجلها، فمنحه المال، ثم ذبح الحمام الذي أدى إلى وضع الكلام على الدين ونبيه عليه الصلاة والسلام.

وبهذا يكون التمييع إفقادًا للمعنى أو النص الشرعي انضباطَه لصالح موقف أو حالة، بدون اعتماد على أصول الاستنباط الشرعي المعتاد الذي يُحكم فيه للمرء من أهل العلم والاختصاص الشرعي بأنه أصاب، أو يُحكَم عليه بأنه أخطأ.

وبهذا يتحدد الفرق بين الاجتهاد والتمييع؛ إذ إن الأول يكون من أهله من العلماء، ويساير فيه العالم أصول الاجتهاد وقواعده، ويتجنب اتباع الهوى، والمميِّع عادة يُعرَف بكثرة شذوذه، وقلة تورعه، وبرود وجهه تجاه العظائم التي يقولها في دين الله مجاملة أو تزلفًا إلى أصحاب المكانة والسلطان.

محاولة لفهم نفسية المميِّع:

المميِّع عادة ما يسوِّغ لغيره فعلاً ما، ويعمل على تقديم تخريج شرعي له، فيضيِّق في المفهوم الشرعي ويوسع، ويعمم ويخصص حسب مصلحة من يسوِّغ له، حتى يصبح الحكم والفتوى الشرعية على مقاسه، وتنبع هذه المواقف من نظره إلى نفسه على أنه الطرف الأضعف في هذه المعادلة، مع أن الحقيقة ليست هكذا.

وصورة العالم الذي يسوِّغ للسلطان الجائر فعله وسياسته هي أظهر هذه الصور، فالعالم حين لا يدرك قيمة المعرفة الشرعية التي يحملها، يعتبر السلطان فوقه، وأن مقامه دونه، فيرجف فؤاده عند لقائه، ويحمرّ وجهه عند مجالسته، وهذا الضعف في تقدير الأمور ووزن المقامات يؤدي بالتالي إلى خضوع العالم للسلطان..

نعم لامتلاك السلطة هيبة، ولكون القوة في يد الساسة تأثير، ولرهبة الناس منهم ضغطها على العالم وغيره؛ إلا أن هذا كله لا ينبغي أن يخفي عن العالم حقيقة أنه تابع للسلطان في شيء، وأن السلطان – في مقابل هذا – تابع له في شيء آخر أهم، فهو يتبع السلطان في أمور الدنيا، والسلطان يتبعه في أمور الدين.

ولأجل هذا فمن العجب العجاب ما صدر عن عالم كان له منصب ديني كبير جدًا في بلد إسلامي من قوله حين لامه بعض الناس على بعض فتاويه ومقالاته الدينية: “أنا موظف عند الدولة”؛ يعني أنه لا ينبغي أن يقول إلا ما يقوله الحاكم، ولا يتوجه إلا حيث وجّهته “الدولة”، مع أن الأصل هو أن الدولة هي التي ينبغي أن تقول ما يقوله العلم والعلماء في الأمور ذات الصلة بالدين وأحكامه مما يتعلق بالحلال والحرام.

ويكشف موقف الدولة المختل من عالِم الدين وموقفها من عالم البحوث الطبيعية – مثلًا – عن مفارقةٍ مؤلمة، في حين يبدو الانسجام في هذه المسألة دليل رشد وتوفيق؛ إذ يرى السياسي الرشيد أنه كما لا ينبغي أن يخالف خبراءَ الطب والفيزياء والكيمياء والزراعة والاقتصاد وغيرها من علوم الحياة والكون، فإنه لا ينبغي له كذلك أن يتنكب طريق الثقات المأمونين من علماء الدين، وأما السياسي الذي يحوِّل الدين إلى أداة لأغراضه، ويلتزم بدقة بوصايا الأطباء والصيادلة في طعامه وشرابه، فيبدو سلوكه صورة مشوهة للإنسان المسلم.

وقد يكون المدخل الخفي إلى شخصية المميِّع شيئًا آخر، وهو المحافظة على الدين ومصالح الناس من الزوال التام، فإذا كان لا يمكن الحفاظ عليها تامة، فليكن هذا الموقف المائع للحفاظ على ما بقي، وهو أمر مقبول في المصائب العظيمة إن لم يتحوّل إلى استراتيجية للتعامل بين العالم والسلطان، أو بين الوطنيين والاحتلال، بل هو موقف مؤقت وطارئ لدفع عاصفة هابّة، أو رعاية مصلحة أو دفع مضرة كبرى.

ولا يخفى كذلك تدخُّل لقمة العيش في هذه القضية، فقد ينزع العالم أو المفكر إلى موقف مجامل للسلطان على حساب الدين لأسباب تتعلق بالمعايش والأرزاق؛ إذ يخشى إن قال كلمة الحق أن يُفصَل من وظيفته إن كان موظفًا، أو يضيَّق عليه في تجارته إن كان تاجرًا، أو يُحرم أسباب عيشه مهما تكن. وهي علامة ضعف في اليقين يحتاج المرء معه إلى مراجعة نفسه ودعاواه الأساسية كلها، دون أن نظن أن البديل عن التمييع هو أن يندفع بحماقة إلى الهجوم والتجريح، بل هي الحكمة في كل حال، ووزن الأمور بميزان المعاملة الحسنة والرسالة العلمية التي ينبغي القيام بها بأحسن صورة: ﴿فَقُولَا لَهُۥ قَوۡلࣰا لَّیِّنࣰا لَّعَلَّهُۥ یَتَذَكَّرُ أَوۡ یَخۡشَىٰ﴾ [طه: ٤٤].

الدين أداةً:

الدين في أصله مصدر للقيم والأحكام؛ أي أن المؤمن به يستمد منه ما ينبغي أن يتبعه في جانب الاعتقاد والعمل، وهنا تتحقق السيادة للدين، ويبقى مصونًا عن الخضوع والاستجابة للميول والرغبات، بل وظيفته أن يصنع الرأي فيما يختص به، ويقدم الموقف غير خاضع للمقاييس الخاصة والمواقف الجزئية، وإن لم يكن في هذا كله بعيدًا عن الواقع، ولا منفصلًا عن مسار الحياة كما هو واضح في المنظومة الدينية الإسلامية بجلاء تام؛ إذ تبدو – مع تجاوزها لقدرات البشر – ذات تعلق مباشر وظاهر بحياتهم ونشاطهم، بل تناقش هواجسهم والقلق الذي يتردد في نفوسهم، وتقدم لها ما يلائمها من فتوح وحلول؛ كإيقاف النفس على حقائق الحياة والأحياء ومصير الخلائق، وحكاية تاريخ أهل المعاناة من البشر وأن كثيرًا منهم كانوا من الأكابر، وهكذا.

والذي يفعله منهج التمييع في الدين – بدلًا من هذا الذي سبق تقريره – هو أنه يحوله إلى أداة – كالسيف والبندقية والتُّرس والخُوذة والقلم والصحيفة والقناة الفضائية وموقع الإنترنت – في صراعات المادة والحياة والسلطة، وبدلًا من أن يكون الدين هو الضابط لهذه الصراعات والحاكم الأمين عليها؛ يصبح مسوِّغًا لمواقف أصحابها وآرائهم، وهذه خطيئة مزدوجة؛ لأنها تلغي – أولًا – وظيفة الدين الحقيقية، ثم تعيِّن له – ثانيًا – وظيفة أخرى ليست وظيفته في الحقيقة.

والحق أنه كثيرًا ما يُرجع الخلل في معايش الناس إلى تغيير وظائف الأشياء التي خُلقت لها، أو تعطيل هذه الوظائف، فلا تحسن – نتيجة لهذا – القيام بوظيفتها البديلة، وتُعزَل عن وظيفتها الأصلية.

وكذلك جعل الله سياسة الدول لضبط أمور العباد، ورعاية مصالحهم، وجمعهم على ما يفيد المجموع، ويحفظ كيانهم المادي والمعنوي، فإذا تحوَّل السياسي إلى تاجر يشارك الناس أرزاقهم، والجيوش إلى مصانع وهيئات إنتاج للسلع ومنافسة على أسواق التجارة المدنية، وإذا تحول العالم إلى مسوِّغ لتصرفات الناس وانحرافاتهم باسم الدين؛ فهذا وذاك أسوأ حالًا بكثير ممن يوظفون الخيل في الحرث، ويركبون ظهور البقر في السفر، ويستعملون المدافع للإعلان عن دخول وقت الإفطار فقط!

التمييع والسياسة:

إن تمييع الموقف الديني ليس خاصًا بمجالٍ بعينه من مجالات الحياة دون آخر، بل إنه قد يتسرب إلى أخص المواقف، وفي هذا حكى لي أحد الناس قبل حوالي ثلث قرن أنه كان يتعاطى المخدرات في شبابه المبكر مع أشخاص أعلى منه سنًا قبل أن يقلع عنها ويتوب، فقال له أحد رفقائه في هذا الأمر مرة: يا فلان، طبعًا هذه الحشيشة التي نتعاطاها حلال! ويبدو أنها لم تكن مجرد نوبة غياب للوعي من هذا المتكلم، بل هي محاولة لتسويغ الانحراف، إلا أن الراوي انتفض – كما روى لي – وأنه قال للرجل: لا ينبغي أن يتحول فعلنا للحرام إلى استحلاله، بل هو حرام قطعًا، وإن كنا نفعله!

ولعل من العجيب أن نلاحظ أن عامة الناس كثيرًا ما يميلون إلى تمييع الدين هكذا، كما في بحثهم عن فتاوى أكثر اتفاقًا مع أهوائهم ومصالحهم، وتحميلهم ذنب الفتاوى الشاذة لمن أطلقها، والعمل بها مع علمهم بأنها خطأ؛ كما هو الحال مع فتاوى استحلال فوائد البنوك بصورتها الربوية المعروفة، فقد اقتنع كثير من العامة بهذا الرأي، وقالوا بصراحة: ما دام العالم الفلاني يقول هذا، فنحن لا مسؤولية علينا! وتركوا في هذا قناعتهم السابقة الثابتة بحرمتها، ثم خالفوا ما يقتضيه ورع المسلم من اتقاء الشبهات.

ويقع التمييع أحيانًا بدون شعور من الرجل الفاضل، فقد صعد شيخ مصري شهير المنبر في نهاية السبعينيات من القرن الماضي يدعو مراقبي امتحانات الثانوية العامة في بلاده إلى “الفتح على الطلاب” قاصدًا التسهيل والتيسير، وحقيقًة أنه لم يدع إلى الغش الصريح، ودعا إلى إجراء هذه الاختبارات في أجواء بعيدة عن الضغط النفسي الهائل الذي يحيط بها وبالطلاب. إلا أن هذا كان يكفيه بدون فكرة “الفتح على الطلاب” التي تفتح المجال لما هو أكبر، وتعني تنازل المراقب عن جزءٍ من أمانته، وتضييعَ جانب من واجبه في عدم اعتماد الطالب في إجاباته إلا على ما استوعبته ذاكرته ووعاه فهمه من المقررات الدراسية.

ومع هذا كله، فإن مجال السياسة وإدارة الدول هو الأوسع شهودًا لظاهرة تمييع الرؤية الدينية، فهو أمر تُنشأ لأجله الهيئات، وتقام المؤسسات، ويُستدعَى العلماء، ويخضع للاهتمام والرعاية المباشرة من الحكام (في كتاب مدافع آيات الله لمحمد حسنين هيكل يذكر أن الأمريكيين نصحوا شاه إيران محمد رضا بهلوي إبان الثورة عليه بأن يحافظ على الظهور المنتظم في الصلوات بالمساجد والاهتمام بالاحتفال بالمناسبات الدينية حتى ينزع من الحوزة احتكارها لتمثيل الدين)، وهو في الوقت نفسه الأكثر جاذبية للشخصيات المهترئة والمستعدة لتسويغ أفعال الحاكم مهما كانت مجافية للعقل والنقل.

ولم يدرك السياسي الوطني وحده هذا البعد للدين ورجاله، بل حتى القوى الغازية والاستعمارية حرصت في كل بلد غزته على استتباع طائفة من أبنائه تسوغ لها تصرفاتها، وتعمل على تثبيت سلطانها في البلاد التي اغتصبتها وقتلت أهلها، والأمثلة على هذا لا تُحصَى، ونستدعي منها على سبيل التمثيل نموذج الهند الإسلامية التي غزاها البريطانيون، وقلبوا موازينها بسياستهم الماكرة، حتى تركوها عظمًا بلا لحم بعد أن كانت بلادًا زاهرة جدًا، ورفعوا الهندوس على حساب المسلمين في تحول تاريخي لموازين القوة في شبه القارة؛ ففي هذا النموذج ظهر في الهند نفر من المسلمين – وهم المتضرر الأكبر وربما الأوحد بالاحتلال البريطاني للهند – يسوِّغون للمحتلين سياستهم، ويقولون بأنهم ما داموا يسمحون لنا بإقام الصلاة وأداء شعائر الدين، فيحرم قتالهم والجهاد ضدهم.

لم يكن الأمر مجرد رأي فردي، بل كان أشبه بتيار سَرَى في الجسد الإسلامي الهندي، ومثلته مؤسسات تعليمية، وصحف ومؤلفات، ونال كثيرٌ من أعلامه تكريم الملوك في لندن، وحصلوا منها على النياشين والألقاب، بل نشأت حول هذا الأمر النحلة القاديانية المعروفة.

تمييع “الجماعات”:

وقعت الجماعات العاملة للإسلام كذلك في تمييع المفاهيم الدينية في بعض اختياراتها ومواقفها؛ وذلك أنها أسست نظرتها إلى نفسها في الأصل على قاعدة تسويغ مواقفها وتحولاتها تسويغًا دينيًا؛ مهما تكن جذرية هذه التحولات وتناقض هذه المواقف بعضها مع بعض، وكان الأولى بها أن تقول بأنها اجتهدت في كل مرحلة حسب ما تبين لها وأُتيح من خيارات.

ويجب أن يُفهم هنا أن الاجتهاد التنظيمي لا يخضع في حقيقته للنص والاستنباط الديني، إلا إذا تماس مع أمر فيه أحكام شرعية بالحل والحُرمة؛ لذا فإن هذا الاجتهاد لا يحتاج – أولاً – إلى شيوخ وعلماء شريعة، إلا أن تكون لهم خبرة في الأمور التنظيمية، وثانيًا: ليس حكمه من جهة النوع حكم الاجتهاد الشرعي، بل هو أشبه بالاجتهاد في كسب لقمة العيش وترتيب الإنسان لحياته، وإن كان لهذا الاجتهاد التنظيمي المذكور أهمية فائقة ومتعدية النفع ما دام قائمًا على وعي جيد وضمائر حية.

وبسبب غياب هذا البُعد ناقش أهل الرأي والكُتّابُ قضايا كثيرة من زوايا فيها نظر؛ لأنها قامت على حكمي الحلال والحرام بدون أن تكون من بابهما، على اعتبار أن هذه القضايا لابد أن تخضع لأحد هذين الحكمين كخضوع الأشياء للونين الأبيض والأسود فقط؛ ومن أمثلة هذه القضايا: فصل العمل الديني عن السياسي، والاشتراك مع العلمانيين في بعض الجهود الاجتماعية، والمشاركة في الانتخابات، وغيرها. ولو سألنا هذا السؤال: هل كانت الخطة التي اتبعها النبي صلى الله عليه وسلم حلالًا أو حرامًا؟ فربما تبين أنه حتى ما يقوم به النبي صلى الله عليه وسلم، وهو من هو مقامًا ومنزلة، لا يدور كله بين حكمي الحل والحرمة، بل منه اجتهادات تنظيمية أو إدارية؛ فما بالنا بما يقوم به غيره من الأفراد والجماعات؟!

ومن تجليات هذه الظاهرة في سلوك بعض الجماعات: حرصها على إثبات اعتدالها بالتنازل عن بعض الأمور الشرعية، وتقديم مسوِّغات دينية مزعومة في هذا الجانب، وتوجيه النقد اللاذع إلى مكوِّنات تنظيمية أخرى لا ترى رأيها؛ حتى يصدِّق المتربصون أنهم صادقون في سيرهم في عملهم سيرة منتظمة.

ومثلها كل التلفيقات التي قامت على الجمع بين أيديولوجيات أجنبية وغريبة عن ثقافتنا وبين الإسلام هي من التمييع كذلك؛ سواء كنا نتكلم عن ليبرالية إسلامية (من ممثليها: جمال البنا  وطارق حجي وأحمد صبحي منصور)، أو يسار إسلامي (من رموزه البارزة حسن حنفي)، أو صوفية عالمية تستوعب الجميع (من ممثليها: الدعاة إلى الإبراهيمية من العرب)، وأمثال هذا.

واقع يحتاج إلى علاج:

وتهلهل الصورة السابقة لا يعني أنها غير قابلة للعلاج، وإن كان الأمر يحتاج إلى وسائل متعددة، وعمل مستمر لزمن غير قصير، ولعل أهم ما يمكن الحديث عنه في هذا الجانب يتمثل في الأمور التالية:

  • الاهتمام بالاستقلال النسبي على الأقل للمؤسسات الدينية وللعالِم وإن كان موظفًا في الدولة (خطيبًا في مساجد الأوقاف الرسمية كان، أو أستاذًا بالجامعة، أو كاتبًا في صحيفة رسمية)، بحيث لا تمثل هذه المؤسسات بؤرة توتر في الدولة بصراعها مع الحكومات وإهدارها للطاقات، ولا تكون تابعة لها تبعية تامة، بل يكون لهها استقلال نسبي يضمن نزاهتها في القيام بمهامها وواجباتها. إن العالِم عمومًا وعالم الشريعة خصوصًا ينبغي أن يتحلى بالشجاعة الرفيقة التي تجسر على مواجهة الخطأ والمنكر بألطف طريقة.
  • الاهتمام عند تلقين العلم الشرعي بغرس الثقة والمعرفة العميقة بقيمة هذا العلم في نفوس دارسيه، وأن السياسي مسخَّر في مجاله، والغني مسخَّر في مجاله، وعالم الشريعة خادم للشرع من موقعه، ولكل أهميته ووظيفته التي تتكامل مع وظائف الآخرين، إلا أن عالم الدين أحقهم بالإجلال وأَولاهم بالاستقامة واحترام النفس والشعور بالعزة وخصوصية المنزلة بدون تحقير لوظائف الآخرين.
  • الاهتمام بزيادة وتحسين الجرعة الدينية في المدارس، وفي كليات التعليم غير الديني؛ خاصة كليات الشرطة والحربية، والتركيز من خلال هذه المناهج على غرس الإجلال للدين وفضلاء رجاله في نفوس الطلاب والباحثين.

جميع الحقوق محفوظة لدى برق للاستشارات©2026

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى