مقال

التفسير الجزئي للدين وتأثيره في ظهور النزعات المتشددة

ظاهرة التشدد الديني متجاوزةٌ للقوميات والأعراق والبلدان والحقب التاريخية، فليست قصرًا على أتباع دين دون آخر ولا زمن دون غيره، بل إنها تتعدى إلى كل انتماء أيديولوجي أو وطني أو قومي في كل مكان أيضًا؛ إذ يميل فريق من الناس في كل تجمع بشري إلى الحَرْفية في التفسير والراديكالية في الأفعال. ولا يتحقق التجمع الإنساني إطلاقًا إلا حول فكرة ما؛ أي أن وجود التطرف في أي مجتمع بشري أقرب إلى أن يكون طبيعيًا ومستمرًا، إلا أن له مستويات عادية، وأخرى إذا تجاوزها فإنه يصبح دليلًا على وجود خلل في البيئة التي تكتنف الجماعة البشرية المعنية.

كذلك فإن التشدد وما ينشأ عنه ظاهرةٌ مركَّبة، وقد تصل إلى أن تكون معقَّدة وشديدة التداخل في بعض الحالات، وهذا يعني تعدُّد أسبابها النفسية والاجتماعية والثقافية؛ خاصة إذا تجاوزت الحدود المعتادة. وحين ندرس سببًا من أسباب هذه الظاهرة – كما نحاول أن نفعل هنا – فنحن لا ننفي غيره من الأسباب الداخلية والخارجية والحقيقية والمصطنعة له، ولكن ضرورة البحث الدقيق تدعو أحيانًا إلى تمييز بعض أسباب الظواهر بدراسات مفردة تخصها؛ أملاً في الوصول إلى تصور جزئي واضح لعنصر ما، ثم يتكامل هذا المجهود مع دراسات أخرى.

الكل والجزء الديني:

حصر الباحثون الاجتماعيون العناصر الأساسية للدين في: المعتقد، والطقس أو العبادة، والأسطورة، والعناصرَ الفرعية له في: الأخلاق، والشرائع أو القوانين. ولا يُشتَرط أن توجد هذه العناصر جميعها في كل دين، وإن كان هناك حدٌّ أدنى منها لابد من وجوده ليكون الدين دينًا، كما أن العنصر الواحد منها قد يأخذ صورًا مختلفة من دين إلى آخر، فالإسلام نفسه لا توجد فيه أسطورة مثلًا، وإن شاعت بين المسلمين بعض الأساطير الدينية وغير الدينية، وأحد مذاهب البوذيين لا يحتوي على فكرة الإله، وتصوُّر الإله والحجِّ والصلاة في الإسلام غيرُه في الأديان الأخرى، وهكذا.

وليست هذه الفكرة؛ أي اعتبار التركيب في بنيان الدين، وتفاوت قيمة الأجزاء المركِّبة له – وليدةَ عصرنا، بل إن نصوص الشريعة الإسلامية نفسها قد احتوت على ما يفيد هذا التركب، ففي حديث الشيخين قال النبي صلى الله عليه وسلم: “الإيمان بضع وستون شعبة؛ فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان”، وعند البخاري ومسلم في الصحيحين كذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان”.

وراعى علماء الشريعة هذا الأمر، فقسّموا مسائل الدين إلى أصول وفروع، وإلى أركان وواجبات وسنن؛ لذا فإن هذا ليس مجرد تقسيم نظري استدعته طبيعة العلم التحليلية، بل إنه راجع إلى الدين نفسه كما ترى؛ لذلك فإن لهذا التقسيم آثارًا عملية وأحكامًا شرعية تترتب عليه؛ إذ إن الفروع لا اعتبار لها بدون الأصول، والأصول النظرية تتقوَّى بممارسة الفروع العملية، وعند التزاحم بين الفرائض والنوافل، أو بين فرض وفرض آخر، فهناك سُلّم للأولويات لابد من اتباعه في التقديم والتأخير ينبني على قيمة كل تكليف، والوقتِ المتاح للأداء، وتعلّقِ التكليف بحق الله أو حقوق العباد. ومن آثار هذا التقسيم كذلك: اختلاف حكم المنكِر على من ترك ما ثبت ثبوتًا ظنيًا – وهذه حال أغلب الفروع – عما ثبت ثبوتًا يقينيًا – وهذا حال الأصول وكثير من الفروع -، وغير ذلك.

ولا شك أن الإسلام سيأخذ موضعًا مركزيًا بين الأديان في هذه السطور؛ لأنه أوضح الأديان بنية وتاريخًا، وأكملها عناصر، وأكثرها تآزرًا وتماسكًا، وقد تواتر نقله شفويًا ومكتوبًا ومطبقًا منذ صاحبِ الرسالة عليه الصلاة والسلام، وتواتر نقله مكتوبًا بصورة توافق المحفوظ في الصدور منذ جمع القرآن ثم ظهور العلوم الإسلامية التي دارت حول الشريعة ونصوصها المقدسة (القرآن والسنة)، كما أن كماله وتكامله العقدي والتشريعي لا يخفيان على ناظر يميز المعنى من المعنى.

ومن جهة أخرى فإن التدين سعيٌ من صاحبه إلى تحويل المنظومة النظرية للدين إلى ممارسة فعلية في الواقع، والعبورُ من النظر إلى التطبيق ليس مسألة يسيرة تتحرك في فراغ أو أرض معبَّدة، بل يكون الإنسان في أثنائها عرضة للتأثر بمزاجه الشخصي، وتقديراته للأمور، وبضغوط الواقع الذي يحياه، وغير ذلك. ومما يقع تحت تأثير هذه العوامل المتداخلة: النظرة المتكاملة والمستوعبة لعناصر الدين وأجزائه، وتحقيق الانسجام بين الظاهر والباطن، ومنح كل جزء من المنظومة الدينية حظَّه المناسب من الاهتمام والعناية.

وتأثير المزاج على فعل المتدين هنا يتعلق بالبحث النفسي؛ إذ قد يكون شخصيةً عملية فاعلة أو نظرية متأمِّلة، وقد يكون حادًا غليظًا أو رفيقًا رقيقًا، وقد يكون قويَّ البدن أو ضعيفًا واهنًا، مما يؤثر على اختياره، ومن ثَم فعله وسلوكه.

وأما النظر في تأثير البيئة وظروفها في التدين، فتنتمي إلى البحث الاجتماعي بصوره المختلفة؛ كما يظهر في علم الاجتماع الديني، وعلم الاجتماع السلوكي، وعلم اجتماع المعرفة. والإنسان في فعله عمومًا واقع بين أحوال نفسه وظروف محيطه، وفي النهاية تتجه إرادته نحو سلوك معَيَّن تبدو عليه آثار كل ما سبق.

مشكلة دين أو مشكلة تديُّن؟

سبقت الإشارة إلى تكامل الإسلام وكماله: في ذاته، وقياسًا إلى غيره من المنظومات الفكرية والعقدية الدينية وغير الدينية، وهي مسألة شواهدها أكثر من أن تُحصَى، ومع هذا فإن خلل التطبيق وعدم تحقيق طائفة من المتدينين في كل دين للتوازن بين مختلف عناصر الدين هو أمر عامٌّ يكاد يشمل كل الملل؛ وذلك أن الدين بطبيعته يحمل رؤية كونية تفسر الوجود والموجودين، وله نظام أخلاقي يكلف أتباعه به، ومجموعة من الأعمال العبادية التي يأمر بها، وعدمُ تحقيق التوازن بين هذه العناصر جملةً أمر وارد في كل دين.

ولتقديم مثال لهذا أكثرَ تفصيلًا نجد أن تجربة الأديان مع الأخلاق أعدّت لكل موقف خلقًا يناسبه؛ أي أن الإنسان لما كان يتقلب بين السلام والحرب، والمودة والبغض، والمعاملة الرفيقة والغليظة، والوفاق مع الناس والشقاق معهم، فإن الأديان تقدم لأتباعها في هذا الصدد وصايا متنوعة ومتقابلة؛ من قبيل الرحمة والرفق والعفو والسماحة والصبر؛ في مقابل الغضب للحق والتضحية في سبيله ورد العدوان وردع الظالم، وهكذا.

وبسبب العوامل السابقة المؤثرة في التدين يركّز بعض المتدينين على هذا العنصر الديني أو ذاك، ويغلّبونه على غيره، فمثلًا نقرأ في الأناجيل قولها: “سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: تُحِبُّ قَرِيبَكَ وَتُبْغِضُ عَدُوَّكَ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لَاعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ” (متى 5: 41-44)، وقولها: “لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلاَمًا عَلَى الأَرْضِ. مَا جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلاَمًا بَلْ سَيْفًا” (متى 10: 34-36).

ونقرأ في سنة النبي الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم قوله الشريف في حديث صحيح رواه الترمذي في سننه وآخرون: “الرَّاحمونَ يرحمُهُمُ الرَّحمنُ، ارحَموا من في الأرضِ يرحَمْكم من في السَّماءِ”، وقولَ الله تعالى الكريم: ﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ قَـٰتِلُوا۟ ٱلَّذِینَ یَلُونَكُم مِّنَ ٱلۡكُفَّارِ وَلۡیَجِدُوا۟ فِیكُمۡ غِلۡظَةࣰۚ…﴾ [التوبة: ١٢٣]، ولهذا وذاك أمثال كثيرة في الكتاب والسنة.

ويمكنك أن تجد هذا أو شبيهًا به في نصوص الأديان الأخرى، حتى البوذية التي اضطرت إلى تشريع العنف في بعض الحالات بعد أن كانت دعوة خالصة للسلام وترك العنف.

حين يتفاعل المتدينون مع هذه النصوص والمفاهيم الدينية تقع لدى بعضهم مشكلة نزعها من سياقها، أو تجزئتها وعزل بعضها عن بعض، أو تضخيم شيء منها على حساب الآخر، بل إلغاء بعضها لحساب بعضها الآخر، وهذا ما نرى شواهده كثيرة في اليمين المسيحي في أنحاء العالم، والصهيونية المسيحية بالولايات المتحدة الأمريكية، واليمين الصهيوني في إسرائيل، والهندوسي في الهند وجماعات الضغط التابعة له في الولايات المتحدة، وحتى البوذي في ميانمار مثلًا.

وتتجلى إشكالية تجزئة الدين أكثر عند التعامل مع الإسلام بمنهج خطأ؛ نظرًا للتماسك الشديد في منظومته الدينية؛ فثمة تبادل واضح للعلاقات والتأثير – كما سبق الإيماء إليه – بين أركانه العملية والنظرية، وكذلك بين ما هو نظري ونظري، وما هو عملي وعملي، ومن هنا فإن الانتقاص منه، أو الزيادة عليه في الفهم والإدراك، أو تضخيم صغير منه، أو تحقير عظيم؛ كل هذا يؤدي إلى إشكالية جليّة في التطبيق، وإلى الإخلال برُتَب الأعمال والاعتقادات. وتتمثل خطورة هذا الأمر في أن المطلوب من المتدين ليس مجرد الالتزام بالتكليف، بل يُطلَب منه كذلك أن يحافظ على ترتيب أجزاء المنظومة نفسها ومواقع بعضها من بعض حسب الرتب التي منحتها إياها الشريعة.

والتجزيء هنا يمثل أزمة مع النص والمفاهيم الكلية على السواء؛ فإنه يحصر الدين في بعض مفاهيمه ونصوصه، ويحجب الباقي، أصولًا أو فروعًا، فيكون هذا هو تصوره للدين وفهمه له، ومن خلاله ينظر إلى الحياة، وبه يزن الناس، وعلى أساسه يوالي ويعادي الخلق، ويصالحهم ويخاصمهم، فإذا ضاقت النظرة لدى أحد في تلقي المفاهيم، ضاقت كذلك دائرة سلوكه، ونظرته إلى الأتباع الآخرين لنفس المنظومة الدينية، فمن لم يؤمن كما يؤمن صاحب النظرة التجزيئية، أخرجه من اعتباره، وربما صيره عدوًا يقف خارج حدود الملة كلها.

من نماذج التشدد الديني التجزيئي:

يمكن أن نقول على العموم إن التجزيء خطأ منهجي في تفسير الدين، ويترتب عليه عادة لون أو آخر من التشدد، ويقابله التمييع، وهو قائم على نوع آخر من التجزيء كذلك، لكن ليس هذا سياق الحديث عنه.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعالج أي نزوع نحو الغلوّ يظهر فيمن حوله من الكرام الحريصين على بذل الوسع في طاعة الله والزيادة على ذلك، فكان يردهم في كل حال إلى الحدود المعقولة من التدين، وإن أصروا بلغ بهم الحدودَ القصوى التي لو زاد المرء عليها لم يكن تدينه منضبطًا بحدود الشريعة التي يرضاها الله تعالى، وقد قال عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما يحكي مثالًا على هذا في قصة له معروفة: دَخَلَ عليَّ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال: “ألَم أُخبَرْ أنَّكَ تَقومُ اللَّيلَ وتَصومُ النَّهارَ؟”، قُلتُ: بَلى، قال: “فلا تَفعَلْ، قُمْ ونَمْ، وصُمْ وأفطِرْ؛ فإنَّ لجَسَدِكَ عليك حَقًّا، وإنَّ لعَينِكَ عليك حَقًّا، وإنَّ لزَورِكَ عليك حَقًّا، وإنَّ لزَوجِكَ عليك حَقًّا، وإنَّكَ عَسى أن يَطولَ بكَ عُمُرٌ، وإنَّ مِن حَسبِكَ أن تَصومَ مِن كُلِّ شَهرٍ ثَلاثةَ أيَّامٍ؛ فإنَّ بكُلِّ حَسَنةٍ عَشرَ أمثالِها، فذلك الدَّهرُ كُلُّه”، قال: فشَدَّدتُ فشُدِّدَ عَلَيَّ، فقُلتُ: فإنِّي أُطيقُ غيرَ ذلك، قال: “فصُمْ مِن كُلِّ جُمُعةٍ ثَلاثةَ أيَّامٍ”، قال: فشَدَّدتُ فشُدِّدَ عليَّ، قُلتُ: أُطيقُ غيرَ ذلك، قال: “فصُمْ صَومَ نَبيِّ اللهِ داوُدَ”، قُلتُ: وما صَومُ نَبيِّ اللهِ داوُدَ؟ قال: “نِصفُ الدَّهرِ” (هذه رواية البخاري- 6134)؛ يعني صيام يوم وإفطار يوم.

ومثله حديث الثلاثة الذين كأنهم تقالُّوا عبادة النبي صلى الله عليه وسلم حين أُخبروا بها، فأرادوا أن يزيدوا عليها، ويحمِّلوا أنفسهم فوق ما تطيق، ويأخذ كل واحد منهم جانبًا من الدين يركز فيه جهده، إلا أنه عليه الصلاة والسلام ردهم إلى جادّة الصواب، وقال في الناس ما أذاعه الزمان في أجيال المسلمين: “أَمَا واللهِ إنِّي لَأخشاكُم للهِ وأتقاكُم له، لَكِنِّي أصومُ وأُفطِرُ، وأُصَلِّي وأرقُدُ، وأتَزَوَّجُ النِّساءَ، فمَن رَغِبَ عن سُنَّتي فليسَ مِنِّي” (البخاري – 5063)، وهذا كله جمع بين الصوم والصلاة والإفطار والرقاد والزواج، كما كان المتكلم المعلم الكريم يتلو عليهم الآيات، ويزكي ويربي ويجاهد ويعلّم، ويَزور الأصحاب ويصل الرحم؛ في صورة متناسقة متزنة للعمل بالدين.

ومن يدقّق في هذه النماذج التي وجدت الطبيب المداوي، يجدْ أنها وقعت في فخ تجزيء الدين، والنظر إليه على أنه تحنُّث يردّ الناس إلى مرحلة غار حراء، بعد أن صار الغار جزءًا من الدين، وصار الدين متسعًا اتساع النشاط البشري والكون الوسيع؛ فكل شخص يتسع تدينه بقدر ما يمارس من هذا النشاط؛ إذ عليه أن يلزم الشرع في كل ما يمارس من عمل، وما يقوم به من نشاط، فإن كان له أهل وولد فلهم عليه حق عليه أن يرعاه، وإن كان له أبوان حيان فكذلك، ولزائره حق عليه، بل لعينيه ونفسه حق، والمبالغة في شأن من هذه الشؤون كلها؛ أيًا كان هذا الشأن، من نتيجتها أن يجور المتدين على باقي التكاليف التي حمّلته الشريعة إياها كما يتضح جليًا من الحديثين المذكورين.

بقي أثر هذه التربية والعلاج النبوي حاضرًا في كل بقعة من دنيا المسلمين عامًّا لزمن ليس بالقصير، وتولى حراسته النفر الكريم من أصحابه الذين خلفوه على أمور المسلمين من الخلفاء الراشدين وغيرهم، إلى أن اتسعت الأمور مع اتساع الأمة والدولة، ولم يبق في الناس من أطباء الدين من يكفي لعلاج كل خلل، ويداوي كل مرض من أمراض التدين، فكانت الكارثة بظهور الخوارج المعروفين في التاريخ بدمويتهم، وضيق أفقهم، وضعف فهمهم، مع بطولتهم وشدة بأسهم في القتال. وليست كارثتهم الأولى في خروجهم على الأمة، وقتالهم وقتلهم لها تدينًا، فهذا عرض للمرض المنهجي الذي أصابهم، وهو المصيبة الحقيقية، ألا وهو تجزيء الدين، ورؤيته بعين واحدة، والسعي فيه سعي الجاهل المتحمس.

إن قيام الخوارج اعتمد على انتزاع نصوص بأعيانها من سياقها وموضوعات معينة من موضوعات الدين، وتنزيلها على غير نوازلها، وإقامة تديُّنهم عليها وحدها دون المنظومة الدينية في كمالها العقلي وجمالها القلبي، فتشوهت ممارستهم للتدين، فكفّروا الأمة، وقاتلوها بناء على تقطيع أوصال الدين، واختيار عناصر منه وتكبيرها على حساب بقية عناصره، فجاء فهمهم للدين شائهًا، وتطبيقهم له دمويًا حسب الجزء الذي ركزوا عليه، وأخضعوه لإعادة تفسير في ضوء قواعد ناقصة.

ولكي نخرج من التنظير إلى التطبيق، فقد تركز فهمهم للدين على مسألة الإمامة والسياسة العامة، واعتمدوا فيها على نص واحد وما في معناه، وهو قول الله تعالى: ﴿إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِۖ﴾ [الأنعام: ٥٧، ويوسف: 40، 67]، وفهموا منه أن تصدُّر الفقيه أو العالم أو أي إنسان للحكم في أمر ديني هو كفر وخروج على شريعة الله؛ لأن الله هو الحاكم. في حين أن الفهم الصحيح للآية هو أن قيام العبد في مقام يحكم فيه بهواه، نابذًا دين الله وشريعته، مفضلًا غيرها عليها، هو الكفر والخروج من الملة.

وعمّموا رؤيتهم تلك على كل فعل يفعله المكلَّف، حتى اعتبروا المعصية كفرًا، وأوَّلوا طائفة من الآيات التي لها سياقها بما يخدم هذه النظرة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلۡبَیۡتِ مَنِ ٱسۡتَطَاعَ إِلَیۡهِ سَبِیلࣰاۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِیٌّ عَنِ ٱلۡعَـٰلَمِینَ﴾ [آل عمران: ٩٧]، فزعموا أن الآية تفيد كفر تارك الحج، وتبعًا لذلك كفر مرتكب الكبيرة عمومًا، في حين أن الآية الكريمة واردة في سياق النعي على اليهود تركَهم طريق أنبيائهم الذي اكتمل برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وفي هذا السياق جاء الحديث عن ملة إبراهيم عليه السلام، والحج إلى البيت الحرام الذي بناه واحد من المعالم التي تركها بعده وظهرت في شريعة ولده محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم – جاء هذا الحديث ردًا لهم إلى الأصل، فلو عدلوا وأنصفوا لاتبعوا النبي محمدًا صلى الله عليه وسلم أتم اتباع.

إن التجزيء هنا يبدو واضحًا بتضخيم مسألة ما أُسيء فهمها، وأسيء تنزيلها، حتى حجبت رؤيتُهم لطريقة الحكم بالشريعة بقية الأحكام، فوقعوا في التناقض، واستحلوا الدماء بلا حجة مقبولة.

ولقد صادفتُ في حياتي أمثلة كثيرة من هذا في بعض آحاد الناس؛ لأنهم يظنون أن مجرد فهمهم للغة القرآن الفهمَ العامَّ يكفي لكي يحكموا في دين الله، ففرح أحدهم بقول الله تعالى: ﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ ٱرۡكَعُوا۟ وَٱسۡجُدُوا۟ وَٱعۡبُدُوا۟ رَبَّكُمۡ وَٱفۡعَلُوا۟ ٱلۡخَیۡرَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧]، وكان عنوانًا لجمعية خيرية أنشأها في مسجد جميل بناه، وقال لي: هذه تكفينا، فقلت له: وماذا عما تلاها من قوله تعالى: ﴿وَجَـٰهِدُوا۟ فِی ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِۦۚ هُوَ ٱجۡتَبَىٰكُمۡ وَمَا جَعَلَ عَلَیۡكُمۡ فِی ٱلدِّینِ مِنۡ حَرَجࣲۚ…﴾ [الحج: ٧٨]، فسكت، رحمه الله، وكان رجلًا صالحًا محسنًا (مع ملاحظة أن الآية مكية، وبهذا تعني بذل الوسع في كل ما شرعه الله من قبل ومن بعد).

وتمسَّك آخر بأن أسّ الدين هو العمل الاجتماعي فحسب، وهو الغاية من كل تكليف، والهدف وراء كل سعي للمسلم، وذلك استنادًا إلى قول الله تعالى: ﴿لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا بِٱلۡبَیِّنَـٰتِ وَأَنزَلۡنَا مَعَهُمُ ٱلۡكِتَـٰبَ وَٱلۡمِیزَانَ لِیَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلۡقِسۡطِۖ…﴾، فأكملت له الآية: ﴿وَأَنزَلۡنَا ٱلۡحَدِیدَ فِیهِ بَأۡسࣱ شَدِیدࣱ وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ وَلِیَعۡلَمَ ٱللَّهُ مَن یَنصُرُهُۥ وَرُسُلَهُۥ بِٱلۡغَیۡبِۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِیٌّ عَزِیزࣱ﴾ [الحديد: ٢٥]، لكنه بقي على رأيه، وأصر أنْ يعد ترجمة لمعاني القرآن الكريم إلى لغته بناء على هذا الفهم!

لم أسق هذه الأمثلة للتسلية، ولا لاتهام أصحابها بقلة التدين أو ضعف الورع، بل لأبين أن مشكلة الفهم التجزيئي للدين ساكنة في كثير من العقول، وإذا أتيح لها أن تظهر للعيان في صورة تنظيمات اجتماعية، فستكون تنظيمات ضارة كما هو الحال قديمًا وحديثًا.

وحين أشرت إلى الخوارج فيما سبق لا أعني أنهم وحدهم الذين أصيبوا بهذا الداء؛ أي نقص التدين والتشددُ في الدين بسبب تجزيء بنيانه والنظرة الناقصة إلى تشريعاته، بل إن له تجليات أخرى لدى المعتزلة والإمامية والقدرية والجبرية؛ كل في النقطة التي ركّز عليها، وجعلها أساس الدين، وحارب وسالم، ووالى وعادى على أساسها وحدها، فالإمامية مثلًا اعتبرت الإمامة قطب رحى الإسلام، حتى دارت حولها أغلب الأصول، وكل الفروع، ورفضوا على هذا الأساس الأمة وجمهور علمائها من الصحابة ومن بعدهم.

وحديثًا:

حين نذكر تجزيء الدين، فنعني به فهمه نظريًا على الطريقة المذكورة آنفًا، ولا نعني أن المسلم – فردًا كان أو جماعة – يلزمه أن يطبق الدين كله أصولًا وفروعًا، إنما يطبق منه ما يجب عليه في حاله التي هو عليها، وحسب طاقته، فمرجع أمر الفهم إلى العموم والشمول والكمال والتمام، وأما التطبيق فيرجع إلى المكلَّف نفسه وحاله وطاقته، فالفقير مثلًا لابد أن يعترف بفرضية الزكاة والحج، وإن كان ليس مكلفًا بهما، والمريض يجب أن يشهد بفرضية صوم رمضان، وإن لم يكن واجبًا عليه، والجماعة العاملة للإسلام تعمل في الحدود التي تثمر وتعطي فيها نتيجة إيجابية مراعية أولويات البيئة والزمان الذي تنشط فيه، مع اعترافها بأن هذا مجرد جزء من الإسلام والعمل له وبه، وهكذا.

وحديثًا يقفز اسم “تنظيم الدولة الإسلامية في الشام والعراق” في مسألة التشدد المرتبط بتجزيء النظرة الدينية، لكن الحقيقة أن التنظيم ليس وحده المصاب بهذا الداء، بل إن كل من ركّز على ناحية أنسته غيرها من فرد أو جماعة، أو غيَّرت اعتبارها الشرعي، هو نوع من التجزيء. وقد حكى لي أحد الدعاة قبل حوالي ثلث قرن أن بعض المتبنين للفكر التكفيري في مصر يسمع آيات الجنة والنار فلا يتأثر بها إلا قليلًا، فإذا سمع قول الله تعالى وما يشبهه من آيات الكتاب العزيز: ﴿وَمَن لَّمۡ یَحۡكُم بِمَاۤ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلۡكَـٰفِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، بكى حتى اخضلت لحيته بالدموع!

وهذا يكشف عن خلل عميق بعمق النفس ذاتها، وليس مجرد دعاوى فكرية يؤمن بها هؤلاء، فقد عاشوا في حالتهم تلك المعنى المركزي للدين – حسب نظرتهم واعتبارهم – بفكرهم ومشاعرهم، حتى ترسّخ فيهما، فتحكّم هذا كله في شعورهم وتفاعلهم مع ما يسمعون من الآيات، فجمدت مشاعرهم عند آيات الترغيب في حنوّها ورفقها وآيات الترهيب في شدتها وصكها للأسماع صكًا شديدًا، وفي المقابل تحركت هذه المشاعر بقوة لدى الآيات التي مسّت الوتر الذي جعلوه مركزًا وحيدًا لفهم الدين!

وكثرة الجماعات السياسية وشدتها في أيٍّ من مراحل تاريخنا تنم في الحقيقة عن أزمة في هذا المجال؛ أي أن كثرة الجماعات العاملة بالسياسة تشي بوجود أزمة ما في الحكم ونظامه والسلطة وقواعد تسييرها، وهذا ليس أمرًا سيئًا في ذاته، لكن الاستجابة للواقع في كل حال يجب أن تكون مستقيمة على جادة الدين، ولا ينبغي أن تنتج الأزمة اعوجاجًا في الفهم، أو تشويهًا في إدراك منظومة الدين الحنيف.

وإذا عاد بنا الحديث إلى بيان التجزيء الذي وقع فيه “تنظيم الدولة”، وأن هذا كان مدخلهم إلى التشدد، فسنجد أنهم ضخّموا فريضة الجهاد في سبيل الله، وهي فريضة جليلة محكَّمة من فرائض هذا الدين، وهمّشوا غيرها من أركان الدين وفرائضه وسننه، وشوَّهوا فهمهم لها؛ وذلك أنهم اعتبروا الجهاد بديلًا للسُّنّة العامة التي عذّب الله بها الأقوام السابقين، وتحوَّل الجهاد بهذا إلى طوفان مهلك وبحر مغرق كطوفان قوم نوح وبحر فرعون وجنوده، وإلى ريحٍ باردة قاتلة كتلك التي أهلك الله بها عادًا قوم هود عليه السلام، وحصى كثيف شديد كحصى قوم لوط عليه السلام، وهكذا، وسوّوا في هذا بين المسلم العاصي في نظرهم والكافر المحارب، بل جاء نكالهم بالمسلمين وقتلهم للموحدين أكثر من غيرهم، وربما دون غيرهم!

مقترحات للعلاج:

يبدو أن مسؤولي البلاد الإسلامية؛ خاصة القائمين على الشأن التربوي والثقافي، في حاجة إلى مقترحات لعلاج قضية التشدد للحيلولة دون تحولها إلى داء وبيل على الناس، مع الثقة بأننا لن نمنع التجزيء والتشدد تمامًا؛ لأن جزءًا منهما يرجع إلى طبيعة بعض الشخصيات البشرية التي لا يخلو منها مجتمع، ولعل من أهم ما يمكن التركيز عليه في هذا الباب يتمثل فيما يلي:

  • توازن مناهج التعليم الرسمي والأهلي في البلاد الإسلامية بالمحافظة على الفهم الصحيح للدين والحياةِ والعلاقة بينهما، ولا يحتاج هذا إلى اختراع جديد نخترعه، فهذا الفهم، في صورته العامة، هو الفهم الذي توارثته الأجيال المسلمة بعضها عن بعض جيلًا بعد جيل منذ بدأ الإسلام، ويقوم في الاستمداد على مصدرية الكتاب والسنة وما تفرع عنهما، وتأسيس العمل الصحيح على العلم الصحيح، وإقامة الفروع العملية على الأصول العقدية النقية، وإقامة العبادة على الاتباع والإخلاص لله تعالى، وألا يتكلم في دين الله إلا المؤهل له الذي شهد له العدول بذلك، وما يتبعه من ضرورة إعداد المعلم بعناية فائقة في شتى مراحل التعليم.
  • تقوية الأدوات الثقافية المعبِّرة عن شخصية الفرد والمجتمع المسلم، مع إكساب الشخصية المسلمة القدرة على تمييز الأفكار بعضها من بعض؛ لأننا في عالم مفتوح تمامًا، ويمكن الانتفاع بما فيه من تنوع، ويمكن كذلك أن يصيب الشخص ومجتمعه بالتيه، وقوةُ الشخصية المعرفية والسلوكية هي التي تحوّل هذا التنوع – بإذن الله تعالى – إلى عامل إيجابي في حياة المتلقي الذي سيتحول مع الوقت إلى فاعل مؤثر، وموجِّه مغير لاتجاه الريح.
  • تعزيز الدور الأهلي في نشر المعرفة الصحيحة وإعداد الشخصية المتوازنة؛ وذلك بتقوية أعمال الأوقاف وغير الأوقاف من العمل الطوعي والخيري بشتى أنواعه، شاملًا هذا بخيره ومعوناته المسلمين ومن يشاركهم المواطنة من أهل الملل الأخرى.
  • العناية بالثقافة التربوية وتعزيز وجودها، مع التوسل فيها بما يتاح من وسائل قديمة وحديثة.

خاتمة:

من المؤكد أن هذه السطور ليست كافية لبيان أبعاد قضية التوجه المتشدد للتدين نتيجة للفهم الجزئي للدين، إلا أنها لعلها تمثل ورقة أوليّة تطرح القضية في بعض أبعادها، على أن يكمل النقد البنّاء ما فيها ما نقص، ويصحّح ما فيها من خطأ، ويفصّل ما حوته من إجمال.

ولعله قد وضح مما سبق أمور أهمها ما يلي:

أن التربية الصحيحة والتعليم المتكامل عليهما معوَّل كبير في علاج أدواء التجزيء والتشدد الديني عامة.

أن إنتاج التشدد الديني نتيجةً لتجزيء فهم الدين؛ ظاهرة عابرة للقومية والأديان والأزمان، فليست خاصة بدين دون آخر، ولا قومية ولا أيديولوجية بعينها دون غيرها، بل ولا زمان دون غيره.

أن التجزيء في فهم الدين يكون عادة بتغليب عنصر منه دون غيره تغليبًا يُنسِي هذا الغير أو ينزله عن مكانته، أو نزع النص من سياقه، أو قطع علاقته بأسباب نزوله، أو عدم فهم قدر التشريع ومقداره الذي منحته إياه الشريعة.

جميع الحقوق محفوظة لدى برق للسياسات والاستشارات©2026

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى