
تقدير موقف : توقعات الانتخابات الإسرائيلية القادمة
الموعد المقرر لـ الانتخابات الإسرائيلية العامة هو شهر تشرين الثاني/ نوفمبر من العام القادم 2026، إلا أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يناور من أجل الوصول إلى لحظة مبكرة مناسبة له ولحزبه أو تكتله الانتخابي لتقديم الموعد حوالي 6 أشهر، وهذا ما يشتغل عليه الآن في أغلب الملفات الداخلية والخارجية؛ فما حقيقة الفرص المتاحة له للوصول إلى هدف الفوز في الانتخابات القادمة؟
عوامل داعمة :
توجد عوامل متحققة بالفعل مساعدة لنتنياهو في تحقيق هدفه، وأخرى يسعى إليها، مع مراعاة أن استطلاعات الرأي في إسرائيل متذبذبة بسبب التغيّر السريع الذي يطرأ على الساحة من وقت إلى آخر.
وما يبحث عنه نتنياهو عمومًا هو ساحة مشتعلة مع المحيط والتفوق الإسرائيلي فيها ساحق، وأهمية الساحة المشتعلة في هذه الحالة هي أنها تتيح الفرصة لسحق الوعي الجماهيري، وإعطاء فرصة للإجراءات الاستثنائية، وتحقيق التفوق يوصل رسالة بالقدرة المطلقة للحكومة على حماية الشعب من الأخطار المحيطة. إلا أنه لا يمانع من الميل إلى شيء من التهدئة النسبية مقابل “تطبيع مع طرف ما”!
تتمثل أهم العوامل التي تعمل لصالح نتنياهو داخل حزب الليكود وخارجه في الأمور التالية:
- الزَّخْم الإعلامي لا يزال مركَّزًا لتطويع الرأي العام الإسرائيلي لرؤية الحكومة، وهو أمر كان ملحوظًا بوضوح خلال الحرب على غزة، ومع المقاومة الشديدة التي أبدتها المعارضة السياسية والمعارضون لسياسة نتنياهو وحكومته أثناء الحرب مع الحساسية الشديدة التي أحاطت بموضوع الأسرى، إلا أنهم لم يقدروا على كسر شوكة الإعلام القوي المؤيد للحكومة. والذي كانت أغلب القنوات العربية تكتفي بنشر جانبه الآخر المرضي للجماهير العربية فقط.؟
- عودة الأسرى خففت الاحتقان بين الحكومة والسكان، وكانت هذه القضية أخطر الأمور المثيرة للخلافات بين نتنياهو وقطاع كبير من السكان من ذوي الأسرى والمتعاطفين معهم. وقد حاول بعض الأصوات التركيز على قضية أن الأسرى الإسرائيليين الذين عادوا في الأكفان كان يمكن أن يعودوا أحياء لو عُقد هذا الاتفاق قبل سنة من موعده، إلا أن الإعلام المؤيد للحكومة قتل هذه الفكرة في مهدها، واستعان للتغطية عليها بملفات أخرى مفتوحة تنشر الحكومة أنها تحقق فيها إنجازات، وتروج لهذا ترويجًا واسعًا أمام جماهير تدرك اللحظة ومتطلباتها، لكن لا تبصر استراتيجيًا.
- إنجازات الحكومة في الجبهات اللبنانية والسورية ونسبيًا الغزية تبدو في المدى القصير محقِّقة لنوع من الأمن، وهذه حقيقة نسبية، فيد الجيش الآن أقوى، لكن يضخم هذا المعنى إعلام نتنياهو، ويغطي على حقيقة أن المستقبل موحش جدًا ومخيف.
- لعل أهم العوامل التي تعمل في مصلحة نتنياهو؛ ضمانه المساندة الكاملة من واشنطن رغم خلافاته معها؛ إذ يمثل هذا أهم قناعة لدى جزء مؤثر من المواطنين الإسرائيليين بإعادة انتخاب نتنياهو، فقد أرغم حكومة بايدن على مساندته تمامًا وعدم التأثير النوعي في سياساته بغزة، وكان هذا سببًا رئيسًا في هزيمة الديمقراطيين في الانتخابات أمام ترامب الذي سيَّره نتنياهو في فلكه فترة، إلى أن ضغط عليه ترامب لإيقاف الحرب، غير أن نتنياهو لا يزال يتدخل للتأثير في شروط تسيير الأمور الخاصة بمرحلة ما بعد وقف إطلاق النار.
- كذلك شكّلت الحرب من نتنياهو وأنصاره كتلة انتخابية صُلبة، في حين أن المعارضة لا يبدو أنها تحمل رؤية أخرى؛ إذ لم تستطع المعارضة الإسرائيلية إلى الآن تقديم رؤية متماسكة أو تحالف جديد يقنع الناخب الإسرائيلي الذي بات لا يرى مجالًا للسلام مع الجيران إلا بحكومات قمعية في المحيط الجغرافي تنسق مع تل أبيب، وتتبادل الحماية معها تحت مظلة أمريكية. وهذه نقطة حساسة جدًا؛ أي إدراك عداوة المحيط الجغرافي على أنه أمر لا علاج له؛ إذ تحوّل الوعي الجماهيري إلى يقين بأنه لا فرصة لبقاء الدولة إلا بالعسكرة الدائمة، ووضع اليد على الزناد باستمرار. وليس هذا الأمر الخطير وليد “طوفان الأقصى” ومفاجأته المدوية فحسب، بل هو أمر دعمته الحكومة وإعلامها بإصرار واستماتة منذ الهجوم الأشهَر للمقاومة الفلسطينية على الدولة العبرية في السابع من أكتوبر 2023.
ثمة أمور أخرى يسعى رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى تحقيقها لدعم موقفه في الانتخابات الإسرائيلية؛ أهمها التطبيع مع بعض الدول العربية والإسلامية، والهدف الأقرب في نظره هو السعودية، والأبعد هو إندونيسيا، ويستعين في هذا بالإدارة الأمريكية. في المقابل، يُدرك نتنياهو جيدًا أن الوصول إلى هذا الهدف أمر صعب في ظل سياساته القائمة؛ خاصة معارضته المطلقة لقيام دولة فلسطينية؛ لذا يحاول أن يحقق نوعًا من التطبيع الجزئي في ملفات وقضايا تقنع الناخب بأن التطبيع الكامل في الطريق.
المتوقع في الانتخابات الإسرائيلية :
تشير الدلائل والعوامل السابقة إلى الآن أن فوز حزب نتنياهو من جديد بالانتخابات الإسرائيلية العامة القادمة هو الراجح، لكن بدون أغلبية مطلقة أيضًا، فيشكل حكومة ائتلافية، وربما يسعى إلى تغيير حلفائه إلى آخرين لا يمثلون ضغطًا كبيرًا عليه.
والحقيقة أن نتنياهو قد أُنهك من التحالف مع اليمين المتطرف خلال السنوات الأخيرة، واندفع إلى سياسات أشد عنفًا مما سيختاره لو كان حليفًا لتيار آخر أكثر قدرة على استعمال السياسة الناعمة إلى جانب العنف القياسي في مقارعة خصمه اللدود في غزة، وهي المقاومة، فاضطر إلى التضحية بالمصالح الاستراتيجية لأجل الحفاظ على حكومته وحماية شخصه سياسيًا ومدنيًا.
وليست هذه تبرئة لنتنياهو من جريمته التاريخية في غزة، بل محاولة لفهم اللعبة السياسية الإسرائيلية الحالية، والتي تعبر عن أزمة هذا الكيان السياسي المأزوم، مهما بدا من مظهره الخارجي.




