موجز سياسي

موجز السياسة – مصر ودول شمال أفريقيا

تشهد مصر ومنطقة شمال أفريقيا تفاعلات سياسية وأمنية واقتصادية متشابكة ومتسارعة، فمصر تسعى إلى أن تكون لاعبًا مهمًا في ترتيبات قطاع غزة، في حين تُظهر الجزائر توجهًا حذرًا نحو طي صفحة التوتر مع فرنسا. وفيما ينكب المغرب على تعزيز تحالفاته الاستراتيجية، تحاول ليبيا تحقيق توازن دقيق بين أطرافها.

مصر وترتيبات غزة:

على الرغم من التباس المواقف في ترتيبات غزة، إلا أن القاهرة تحاول استغلال حالة الاهتمام الإقليمي والعالمي باتفاق وقف إطلاق النار؛ من أجل تثبيت نقاط تعبر عن موقفها وموقعها في مستقبل القطاع في ضوء تبادل الرؤى والتشاور حولها والتلاقي عند ما هو ممكن منها.

وقد عبّر وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي عن رؤية بلاده للوضع في قطاع غزة وفق محدِّدات تبدأ من تيسير تدفق المساعدات الإنسانية على صورة لا تتحكم فيها تل أبيب وحدها، وتحديد مهمة القوة الدولية في مراقبة وقف إطلاق النار، بالإضافة إلى تهيئة الظروف لبدء عملية إعادة الإعمار، وتشكيل لجنة فلسطينية لإدارة القطاع في إطار مجلس السلام أو لجنة الإشراف الدولي، وأخيرًا بلورة أفق سياسي جاد يقود إلى إقامة دولة فلسطينية على حدود عام 1967.

وإن كانت النقطة الأخيرة تتعارض مع التوجهين الإسرائيلي والأمريكي أكثر من غيرها، إلا أن باقي النقاط باتت تشكّل عقيدة الدور المصري حيال القطاع. وتحاول القاهرة تثبيت ما هو ممكن من النقاط المذكورة أعلاه لتكون نقاط ارتكاز تنطلق منها صوب استكمال مشاركتها ودول أخرى في رعاية وقف إطلاق النار وتسيير شؤون قطاع غزة.

وقد رُصدت محاولات القاهرة لتحويل هذه القواعد إلى أمر واقع في مساعيها لتوحيد الرؤية الفلسطينية، وخلال اجتماعاتها المتكررة مع الجانب الأمريكي، وهنا تعكس القاهرة تمسكها بالقيام بوساطة تقييمية تُبرز فيها رأيها وحلولها لبعض الأمور، وكذلك وساطة تحويلية تشترك فيها مع أنقرة لتعزيز وجهات نظر الأطراف الراعية بعضها لبعض؛ لا سيّما في مسألة ترتيب لقاءات بين ويتكوف وخليل الحية في شرم الشيخ.

في بنية مشروع القرار الأمريكي الذي تمت المصادقة عليه بقرار مجلس الأمن رقم 2803، وردت نقاط تتعلق بنزع سلاح المجموعات المسلحة غير الحكومية، وتدريب شرطة فلسطينية، لكن من دون تحديد إن كانت تتبع للسلطة الفلسطينية أم لا، كذلك ذُكر أن دور القوة الدولية يشمل مراقبة عملية نزع سلاح الفصائل، ولكن لم يتناول القرار تفاصيل حول تركيبة القوة الدولية المذكورة.

وعند مقارنة محددات القاهرة لملف القطاع بما ورد في طيات قرار مجلس الأمن 2803، يُلاحظ وجود تعارض في تحديد مهمة القوة الدولية، حيث إن القاهرة تسعى لإبقاء المهمة في إطار مراقبة وقف إطلاق النار، في حين حدد قرار مجلس الأمن المذكور وظيفة هذه القوة بنزع السلاح غير الحكومي.

ورغم عدم تحديد قرار مجلس الأمن لخلفية القوات الفلسطينية، إلا أنه أسهم في الاستجابة للطموح المصري بتهيئة المجال لبدء عملية إعادة الإعمار على نحوٍ نسبي وتيسير تدفق المساعدات الإنسانية دون تحكم إسرائيلي وعلى نحوٍ يمكنه إبقاء دور الأونروا حياً بعكس الطموح الإسرائيلي.

وفي الخلاصة، يُلاحظ وجود توافق مصري أمريكي نسبي في ملف غزة، ويُستدل على ذلك باجتماع الطرفين لأكثر من مرة بهدف مناقشة مسألة الانتقال إلى المرحلة الثانية بما يشمل البدء في فتح معبر رفح وإطلاق عملية إعادة الإعمار التي ستشمل في البداية مدينة رفح بشكلٍ خاص، على أن يكون دور القوات المصرية بشكلٍ أساسي في مدينة رفح المحاذية للحدود المصرية.

الغاز المصري:

أعلنت وزارة البترول والثروة المعدنية في مصر اكتشاف حقل غاز جديد في الصحراء الغربية، مع تقدير لإنتاجه الأوّلي بنحو 36 مليون قدم مكعب من الغاز يوميًا.

أعمال التنقيب كانت تجري بالتعاون بين شركتي الخالدة المصرية وأباتشي الأمريكية، وهنا يتضح مدى التشابك الوطيد بين الشركات المصرية والأمريكية في مجال الغاز تحديدًا، حيث إن ثمة تعاونًا آخر بين الطرفين في استيراد مصر الغاز الإسرائيلي عبر شركة شيفرون الأمريكية. وبذلك يُشار إلى الدور الأمريكي على أنه عنصر ضغط مؤثر في صفقة الغاز بين تل أبيب والقاهرة.

وفي سياق متصل، أشارت وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية إلى بدء إنتاج الغاز الطبيعي في حقل غرب البرلس الواقع في حوض البحر المتوسط. ينتج الحقل في الوقت الحالي 45 مليون قدم مكعب يوميًا. وتبلغ الحاجة المصرية من الغاز 6 مليارات قدم مكعب يوميًا بحسب بيانات عام 2024، في حين يصل الإنتاج المصري إلى 5.8 مليار قدم مكعب يوميًا. وبعد احتساب حصة الشركات المشاركة في عملية الإنتاج وحقها في تصدير هذه الحصة، يُلاحظ أن القاهرة لا تزال مضطرةً لاستيراد مزيد من الغاز من الخارج.

تقارب جزائري فرنسي:

استجاب الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون لطلب الرئيس الألماني فرانك شتاينماير إطلاق سراح الكاتب الجزائري الفرنسي بوعلام صنصال الذي أُدين سابقًا بتهمة المساس بالوحدة الوطنية.

 الجانب الفرنسي وجدها فرصةً لإطلاق تصريحات إيجابية تؤكد على الرغبة في فتح صفحة جديدة مع الجزائر، وشكر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الرئيس تبون على المبادرة مما يعبر عن وجود نية فرنسية فعلية لإعادة ترتيب العلاقات مع الجزائر.

عودة العلاقات مهمة بالنسبة للطرفين في الوقت الحالي لعدة أسباب؛ أهمها: تدهور الوضع الأمني في مالي على نحوٍ يشكّل خطرًا على الأمن الوطني الجزائري والمصالح الفرنسية على السواء، وبلوغ التعاون المغربي الأمريكي أعلى المستويات العسكرية والتكنولوجية، والرغبة الجزائرية في إنجاح مبادرتها لنقل الغاز عبر أراضيها نحو أوروبا، فضلًا عن الحاجة الجزائرية للاستعانة بقوى أوروبية في فتح مسار مفاوضات حول مسألة الصحراء الغربية للحيلولة دون تفرد المغرب بمسار الأمور فيها.

ولإنجاح مسار تحسين العلاقات بين باريس والجزائر، من المنتظر أن تستكمل برلين وساطتها بينهما انطلاقًا من مصلحتها هي أيضًا في إيجاد موطئ قدم جغرافي لها وشريك سياسي للحفاظ على مصالحها في الساحل الأفريقي.

هيمنة سعيِّد:

شهدت تونس إضرابًا لبعض السجناء السياسيين، لكن لم تتفاعل معها أي أصوات داخلية أو خارجية، لتعود التساؤلات عن مدى هيمنة الرئيس قيس سعيّد على شؤون الدولة التونسية في إطارٍ تتفرد فيه رؤيته بتسيير الشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية والنقابية والإعلامية للدولة.

يبقى الأسلوب الشعبوي لسعيّد، والذي من خلاله يرفع الشرعية عن أي طرفٍ يعارضه، دافعًا أساسيًا لكثير من رجال الأعمال ووسائل الإعلام والمسؤولين والنقابيين لتجنب الاصطدام معه، ما يحول الكثير من المذكورين لعناصر نخبة وظيفية خاملة تتماشى مع توجهات سعيّد طوعًا أو عنوةً ما يحبط عملية الكشف عن مواطن الخلل في شؤون البلاد ومعالجتها.

إقصاء سعيد للنخب السياسية، ودفاعه الدائم بأسلوب خطابي عن الفئات الأكثر ضعفًا؛ لا يزالان يشكّلان عاملي غياب الحراك الشعبي الفعلي الذي يمكن أن يحدث تغييرًا في الوضع السياسي لتونس.

الرباط وتل أبيب:

برغم ما تعانيه تل أبيب من عزلة دولية عقب مجازرها في غزة، فإن التكتيك البراغماتي ألقى بظلاله على السياسة المغربية معها بإعلان الرباط استئناف رحلاتها الجوية إلى تل أبيب لتكون أول دولة إسلامية تعيد إحياء هذا النشاط.

مؤخرًا استفادت الرباط من العلاقات مع تل أبيب بتعزيز قدراتها العسكرية التكنولوجية في قطاع المسيَّرات وأنظمة المراقبة الاستخبارية المرتبطة بأقمار مراقبة، وصولًا إلى صفقة استيراد طائرات أف 35 من الولايات المتحدة بدعم إسرائيليٍ يكفل صيانة وتطوير هذه الطائرات على مدار 47 عامًا. وكل هذه القدرات رفعت المستويين العسكري والدبلوماسي للرباط لتكون الأكثر قوةً وتأثيرًا في محيطها، ما يجعلها متمسكةً به ومتغاضيةً عن الظروف أو العوامل الأخرى.

حكومة طرابلس وأنقرة:

بالتزامن مع رفض حكومة طرابلس طلب الحكومة اليونانية التنقيبَ عن الغاز بالقرب من جنوب جزيرة كريت، أجرى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان اتصالًا هاتفيًا مع رئيس حكومة طرابلس عبد الحميد الدبيبة، شكره فيه على هذا الموقف.

على الصعيد التركي، زاد اقتناع الرئيس أردوغان وعموم الدولة التركية رسوخًا بنجاعة الإبقاء على توازن العلاقات بين الشقين الشرقي والغربي في ليبيا قائمًا على نحوٍ مستمر.

تجلّى مؤخرًا تحركٌ تركي باتجاه الانفتاح على الشرق الليبي بعقد لقاءات دبلوماسية وأمنية متتابعة مع خليفة حفتر وابنه صدام، وبالتوازي مع هذا التحرك، حرصت أنقرة على تلبية حاجة حكومة طرابلس لإبراز ذاتها على أنها الأساس في تنسيق الجهود الدولية لأي مسار حل أو تعاون، فكان هناك لقاء على مستوى رفيع جمع الدبيبة بأردوغان ورئيسة وزراء إيطاليا جورجا ميلوني في إسطنبول مطلع آب/ أغسطس 2025، وقبلها بأسابيع وُقِّعت اتفاقية عسكرية بين أنقرة وحكومة طرابلس، وصولًا لوساطة أنقرة المباشرة بين الحكومة المذكورة وقوات الردع لخروج الأخيرة من طرابلس في منتصف أيلول/ سبتمبر 2025. هذا وكثير من المؤشرات أكدت سير أنقرة على حبل دقيق في بناء العلاقات ما بين الغرب الليبي وشرقه.

أما اتصال أردوغان بالدبيبة فكان الهدف منه تأكيد الطرفين على رغبتهما في تطوير التعاون الفعلي بينهما في مجال الطاقة وفق مذكرة التفاهم المبرمة بين الطرفين برسم الحدود البحرية.

ويندرج التحرك التركي المذكور في إطار السعي لترسيخ مفاعيل التصدي المضاد للحراك اليوناني في حوض المتوسط، حيث استضافت أثينا قمة الطاقة في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري، بمشاركةٍ إسرائيلية وقبرصية وأمريكية؛ على مستوى وزير الداخلية، لمناقشة إعادة تفعيل مشاريع نقل الطاقة في المتوسط.

مخاوف موريتانيا:

في الوقت الذي تنزلق فيه مالي رويدًا رويدًا نحو أتون فوضى عارمة مع التقدم الواضح لجماعة نصرة الإسلام والمسلمين؛ المبايعة للقاعدة باتجاه العاصمة باماكو، يلوح في الأفق احتمال قويّ بارتداد أزمة مالي على الداخل الموريتاني؛ نظرًا لوجود ارتباطات قبلية بين موريتانيين وماليين متعاونين مع جماعة نصرة الإسلام والمسلمين.

سابقًا كان ذلك الارتداد واضحًا باقتحام قوات من الجيش المالي ومرتزقة فاغنر حدود موريتانيا الشرقية عام 2022 لملاحقة أفراد من جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، ما أسفر عن مقتل عدد من المواطنين الموريتانيين، وتكرر ذات الأمر في نيسان/ أبريل 2024.

ومنعًا لوقوع هذه الحوادث، انتشرت القوات الموريتانية على طول الحدود مع مالي، غير أن نقص الخبرة العملياتية وضعف القدرات التكنولوجية، إلى جانب توجه عدد كبير من الرعاة إلى التعاون مع جماعة نصرة الإسلام والمسلمين بعد انقطاع مصدر دخلهم نتيجة إغلاق الحدود، وغيرها من العوامل؛ تؤثر سلبًا في الأمن الداخلي لموريتانيا.

ولرأب الصدع، وتجنب الأزمات تحاول نواكشوط فتح خط تنسيق مباشر ومستمر مع السلطات المالية. لكن انطلاقًا من حاجتها لقدرات استخباراتية وعسكرية متطورة، فلا يُستبعد استعانتها في هذا الأمر بدول من الإقليم، إما الجزائر أو المغرب، وكذلك أخرى دولية؛ لا سيّما باريس.

تُظهر تحركات دول شمال أفريقيا تفاعلًا معقّدًا بين الأولويات الداخلية والضغوط الإقليمية والدولية. وفي حين تسعى كل دولة لتعزيز أمنها ومصالحها، تبقى المنطقة ساحة لتقاطعات مصالح القوى الدولية، مما يضع مستقبل الاستقرار الإقليمي على محك التوازنات الهشة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى