
موجز سياسي عن بلاد الشام.. إقليم مشتعل
مقدمة:
رغم تنوع الأحداث وتعددها وصعوبة الإحاطة بالجوانب الأساسية للأحداث الكثيرة التي تجري في كل من سوريا ولبنان وفلسطين والأردن في تقرير واحد فضلاً عن بيان التفاصيل، يقدم برق للاستشارات وبشكل دوري تقريرًا تحليليًّا شبكيًّا بالتركيز على تداخل الملفات بين دول الإقليم نفسه وبين دول العالم الخارجي؛ خاصة القوى العالمية والإقليمية الفاعلة في المنطقة.
أحداث السويداء:
اقتحم مسلحون دروز يتبعون حكمت الهجري منتصف الشهر الماضي بعض أحياء ريف السويداء الشمالي بذريعة وجود تهديد من البدو لمركز المحافظة والطريق الدولي بين السويداء ودمشق، وفي غضون ساعات تدخلت قوات الجيش السوري والأمن الداخلي، حتى فرضت سيطرتها على مركز المحافظة مع عدة مقرات حكومية حيوية، لكنها سُرعان ما تعرضت لقصف إسرائيلي طال دمشق نفسها، لتنسحب وتعود للانتشار في الريف الشمالي للمحافظة لفض النزاع بين العشائر والمليشيات الدرزية المناوئة للدولة.
كان هناك تأكيد إسرائيلي على وجود تنسيق مع واشنطن في مسألة استهداف الأسلحة السورية الثقيلة بالسويداء، إلا أن دمشق لم تتعرض من الغرب مباشرة إلا لانتقادات تُظهر التعاطف مع الموقف الإسرائيلي المساند لـ “حقوق الأقلية الدرزية في سوريا”، ومساندة الموقف الإسرائيلي حول إبقاء الجنوب السوري منزوع السلاح، لكن دون التوجه إلى أي إجراءات ضد دمشق.
ومع أن العامل الإسرائيلي حاضر في الحيلولة دون سيطرة سورية على كامل السويداء، إلا أن تحريضات داخلية وخارجية هدفها إخافة الأقليات بشكل حقيقي من ادعاءات استخدام الدولة العنف ضدها اليوم أو غدًا، باتت تؤجج فكرة الانشقاق لدى بعض الأقليات، أو على الأقل تُستغَل في تحقيق بعض الأهداف.
اتفاق الموانئ وسياسة التوازن:
في سياقٍ آخر، لُوحظ توجه الحكومة السورية صوب تحويل مذكرة التفاهم المبرمة في أيار/ مايو الماضي مع شركة “دي بي وورلد” الإماراتية التابعة لشركة موانئ دبي إلى اتفاقية نهائية، ويشير التوقيع إلى وجود تطوّر وتقدم في العلاقات الثنائية بين دمشق وأبو ظبي التي تقود وساطة بين دمشق وتل أبيب فيما يتعلق بإمكان العودة إلى العمل باتفاق 1974، ويبدو أن الحكومة السورية ترغب في التوصل لهذا الهدف فعلاً، والاستجابة لرغبة أبو ظبي في الإبقاء على نفوذٍ كبير في موانئ المنطقة أمرٌ يدعم جهود الوساطة ويدفعها نحو العمل بجدية، كما أن احتواء أبو ظبي أفضل من القطيعة معها، حيث إنها أبدت توجهًا مسبقًا لدعم الدروز وقسد.
ويلاحظ أن الحكومة السورية لم تمنح الشركة الإماراتية امتياز تشغيل ميناء أو محطة برية بأكملها، بل أبرمت معها اتفاقيات تشمل أجزاء من الموانئ والطرق اللوجستية في تحركٍ يُبطن الحرص على إبقاء حالة التوازن قائمةً على نحوٍ دائمٍ يحول دون ميل كفة الميزان لمصلحة طرف على حساب آخر، وهو ما يخاطب الود التركي إلى حدٍ ما؛ إذ إن ميناء طرطوس على مقربة من الموانئ التركية، وبالتالي عمل شركة موانئ إماراتية هناك أمر يُنظر له بعين القلق الجيوسياسي من قبل أنقرة.
وفي طور السعي للحفاظ على حالة التوازن هذه، تميل الحكومة السورية للإبقاء على اتفاقات تعاون مع موسكو في مسألة استخراج الغاز وفق شروط جديدة مغايرة لما كان عليه الأمر في عهد النظام المخلوع، ولا يخفى أن تصفير النفوذ الروسي الاقتصادي أو العسكري في سوريا قد يؤدي إلى اندفاع موسكو نحو زيادة تنسيقها مع تل أبيب التي تحمل مشروع إضعاف سوريا على كافة المستويات.
قسد ودمشق:
في نهاية الاجتماع الأخير بين الحكومة السورية وقسد، لم يتوصل الطرفان إلى صيغة توافقية حول تطبيق اتفاق 10 آذار/ مارس، ولا يعني هذا غلق الباب بينهما، بل يشير إلى اجتماعات متتالية تكون فيها واشنطن حاضرة بدفعٍ منها لإتمام الاتفاق. ولا يُغفَل هنا الدور التركي الذي يربط كثيرًا من تنسيقاته مع واشنطن حيال دوره الميداني في سوريا بضرورة تحقيق اتفاق بين قسد ودمشق، ويُرجح أن يلقي التفاوض القائم بين أنقرة وحزب العمال الكردستاني بظلاله الإيجابية على هذا الاتفاق.
لبنان وحصر السلاح:
حل المبعوث الأمريكي توماس باراك ضيفًا على لبنان ملتقيًا رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء وأيضًا رئيس البرلمان، وناقش العمل باتفاق الطائف، لكن وفق التزام مؤكد بسيادة الدولة اللبنانية دون جهات أخرى تحمل السلاح، مقابل انسحاب إسرائيلي تدريجي يتم خلال 5 أشهر.
الرد اللبناني الرسمي جاء غير موافق على هذه الورقة بحجة أنها تركّز على نزع سلاح حزب الله، وهو شأن داخلي، دون إشارة واضحة إلى ضمانات تنتهي بانسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي اللبنانية، فضلاً عن اعتراض الحكومة اللبنانية على فكرة ترسيم الحدود اللبنانية الإسرائيلية وفق مسار يعتبر مزارع شبعا أرضًا سورية.
لكن رغم ذلك، لم تُظهر الحكومة اللبنانية توجهًا صارمًا في هذا الأمر، واتجهت إلى تحرك حذر وموازن ما بين التباطؤ في مسألة سحب السلاح والإبقاء على باب التفاوض مفتوحًا عبر اتخاذ إجراءات لا تُحدث حالة عدم استقرار داخلي عبر إغلاق مقرات جمعية القرض الحسن التابعة لحزب الله.
ويشي تباطؤ الحكومة اللبنانية في تنفيذ مسألة سحب السلاح برغبتها في أن تكون هناك آلية تحكيم دولية فاعلة في حال تنصلت تل أبيب من التزاماتها، ولا ترتبط الآلية بواشنطن فحسب، بل لا بد أن تتضمن أطرافًا أخرى؛ مثل باريس والرياض، وكذلك جهة منبثقة عن مجلس الأمن بتوافق كافة أعضائه الدائمين، لا سيّما في ظل ما يلوح في الأفق من توجه واشنطن نحو استخدام حق الفيتو ضد تمديد عمل قوات اليونيفيل؛ إذ يُنذر ذلك بتسليم جنوب لبنان للنفوذ الإسرائيلي بالكامل.
في المقابل، يظهر جليًا أنه لا يمكن أن ينصاع حزب الله لأمرٍ واقع يفرض عليه الاستسلامَ السياسي والعسكري والاقتصادي المطلق؛ إذ يعني ذلك تعرضه لأزمة مالية خانقة تنتهي به إلى الاندثار إن استسلم للشروط التي تُمليها واشنطن تحت ضغط السلاح والاستهداف المستمرين.
أيضاً، في هذا الإطار لا يزال مجلس الوزراء بالتعاون مع الجيش يدرسان آليات محددة لسحب السلاح الثقيل من المخيمات الفلسطينية، ويكتنف هذا الملف حالة غموض في ظل اعتماد الرئيس الفلسطيني محمود عباس قرار تأسيس لجنة سحب سلاح المخيمات مع الجانب اللبناني دون تشاور مع الفصائل الفلسطينية.
غزة:
في قطاع غزة، يُنادي قائد كتائب القسام الجديد عز الدين الحداد بتطبيق النموذج الشيشاني الذي يعني تمديد الحرب إلى 10 سنوات على الأقل؛ مشيرًا إلى أن الاحتلال لن ينسحب من قطاع غزة بالكامل، وبهذا التوجه لُمس ارتفاع وتيرة عمليات المقاومة ضد القوات الإسرائيلية في سبيل تشكيل حالة ضغط إلى جانب مسار المفاوضات المستمر.
توجه الحداد لا ينفصل كثيرًا عن مجالس حماس السياسية التي ترى أن موافقتها على المطروح على طاولة المفاوضات يعني تنازلها عن مساحات كبيرة من قطاع غزة، والرفض الصريح سيعرضها لحرج دولي يتهمها بالتنصل من اتفاقات وقف إطلاق النار. بين هاتين النارين بات واضحًا أن حماس تُبدي موافقتها على فكرة المفاوضات، لكن في الوقت ذاته تتمسك بالانسحاب الإسرائيلي وكذلك البروتوكول الإنساني، وهذا الأمر يُنبئ بأن موافقتها على المطروح في المفاوضات الحالية من صفقات جزئية غير ممكن.
من جهته، يُصر نتنياهو على تطبيق سيناريو الاحتلال الجزئي للقطاع وفق تقسيم جغرافي يؤدي إلى تسهيل هجرة بعض سكان القطاع وتولية خدمات الباقين لأطراف دولية، وهو يُجري المفاوضات في سبيل تسلّم الرهائن والعودة إلى الحرب فيما بعد، ويوحي توجه بأمد طويل فعلاً لحالة عدم الاستقرار في قطاع غزة.
عطش الأردن:
في ظل تفاقم أزمة الماء في الأردن جراء التغيرات المناخية وتراجع كميات الأمطار، وفي ضوء الاعتماد الكبير على المياه القادمة من فلسطين المحتلة، يجد الأردن نفسه على أبواب أزمة أمن مائي. هذا الأمر يزيد من حيوية المحادثات بين الجانبين الأردني والسوري حول بناء علاقات متبادلة الفائدة قوامها استخدام الموقع الجغرافي لضخ غاز قطري وكذلك التيار الكهربائي نحو سوريا مقابل النظر في آلية عملية وسريعة لتقاسم المياه. الجانب السوري أبدى تحركًا عمليًا ميدانيًا بطرحه إمكان حفر بعض الآبار في حوض اليرموك وإيصالها للأردن.
خلاصة:
لا تزال أحداث الإقليم مشتعلة من غزة إلى سوريا إلى لبنان، وهذا يؤثر على المجموع، فالقرار الصادر من هذه العاصمة أو تلك صارت له آثاره في غيرها، ويبدو أن هذا صار منسجمًا مع سهولة الوصول للأهداف، فبعد ثورة المواصلات الحديثة خلال قرن ونصف، صرنا أمام ثورة “الوصول” إلى الأهداف من خلال شبكات ثورة المعلومات، والتطورات الحاصلة في السلاح.
ويبدو للمتابع أن كثيرًا من الأحداث المذكورة، وإن غلب عليها التوتر والحساسية العالية، فإنها تحمل عناصر الاستمرار والنمو؛ أي أنها مع كونها -في أغلبها على الأقل- تطورًا لأحداث سابقة، فهي ممتدة وقابلة للتطور إلى صور مختلفة، والذي يدرك جيدًا تداخل ملفات المنطقة بدقة، ويعرف كيف يفككها ويركبها، أو يتعامل معها واحدًا واحدًا بما يسوق إلى أن يصب مجموع تفاعلاتها معا في صالحه؛ هو الذي يحمل له المستقبل فرصًا للبقاء الأفضل.
جميع الحقوق محفوظة لدى برق للسياسات والاستشارات©2025




