
موجز سياسي – مصر ودول الاتحاد المغاربي
التنافس المحموم على حجز مقعد بارز وسط صراع صامت هو عنوان الأحداث في الشمال الأفريقي، مع وضع كل طرفٍ الآخرَ المنافسَ في الاعتبار الأول؛ سواء جاء هذا التنافس بالتعاطي مع أعضاء من نفس الإقليم المذكور أو من خارجه؛ خاصة عن طريق التمدد في العمق الأفريقي، وإشراك القوى الكبرى في مشروعات استراتيجية.
مصر وموازنة النفوذ مع إسرائيل:
في خضم ما تمر به المنطقة من تغيّرات في الخريطة الجيوسياسية ومعادلة الهيمنة في الإقليم؛ على نحوٍ يعلي من شأن الدور الإسرائيلي على حساب القوى الإقليمية الأخرى؛ خاصة: القاهرة والرياض وأنقرة وحتى إسلام آباد، تُسارع القاهرة الخُطى لتحقيق توازن قوى -ولو نسبي- مع التحرك الإسرائيلي.
أهم التكتيكات التي اتبعتها القاهرة في هذا السبيل تمثل في فتح صفحات تعاون عسكري وأمني مع القوى الكبرى، وذلك من خلال الاستفادة من السلاح الجوي ومنظومات الدفاع الجوي الصينية، مع الاعتماد على أسلحة غربية غير أمريكية؛ فرنسية وإيطالية، والتكاتف الأمني مع الجانب الإيطالي في ملفي ليبيا والصومال.
كما عملت القاهرة على استغلال القوة الكامنة لها بإبراز وزنها الإقليمي، وفي هذا الإطار يأتي التعاون الروسي المصري لإنشاء منطقة صناعية مشتركة عند شريان قناة السويس، وترمي منه القاهرة إلى إبراز أهمية موقعها الجغرافي وأهمية القناة وما حولها لجذب مزيد من الدول ليصبح لديها مصالح اقتصادية مهمة تدفعها لمعارضة تحركات تل أبيب الضارة. كما أن التعاون الروسي المصري المذكور يندرج ضمن التوجه الساعي لتحقيق تطور صناعي ذاتي يوفر تنويعًا لدخل العملة الصعبة؛ إذ يهدف المشروع الروسي المصري أيضًا لإنشاء منطقة صناعية حرة.
رغبة القاهرة في تسريع إنجاز مشروعات التعاون مع موسكو، ووصف السيسي لتل أبيب بـ “العدو”، ونشر الجيش المصري مضادات للدفاعات الجوية في سيناء؛ كلها مؤشرات على مسعى القاهرة لإبراز دورها الإقليمي المؤثر في معادلات المنطقة، لا سيّما بعد العدوان الإسرائيلي على قطر ضمن عربدة تل أبيب في المنطقة.
ولكن تبقى تحركات القاهرة؛ بما فيها ما يتم خارج الحدود، ضمن المسعى الدفاعي الذي يرمي لحماية الحدود والأمن الوطني والمصالح الحيوية، دون اشتباك مباشر مع تل أبيب؛ خاصة مع التطورات الخطرة على مصر داخل الحدود التاريخية لفلسطين؛ مثل الاحتلال الإسرائيلي لمعبر رفح رغم بروتوكول 2005 الذي كان بمثابة إعلان مصري فلسطيني أوروبي لإنهاء السيطرة الإسرائيلية الأحادية على المعبر.
أيضاً، تُظهر القاهرة تحركها في إطار تدريجي تصاعدي، وليس فوريًا؛ تجنبًا لأي هزة داخلية أو ضغط خارجي – أمريكي – صارم. ويُستدل على التوجه التدريجي للقاهرة من مُضيها في اتفاق استيراد الغاز من تل أبيب برغم تهديدات نتنياهو وتحكماته.
الهيدروجين الأخضر:
أعلنت الجزائر انضمامها إلى التحالف الأفريقي للهيدروجين الأخضر على هامش القمة العالمية المنعقدة في العاصمة الناميبية ويندهوك، يأتي هذا في سياق خدمة الجزائر لاستراتيجيتها بالانخراط في أطر تعاون إقليمية دولية، تنتهي بتحقيق تشابك اقتصادي وظيفي يعزز حضورها وقدراتها الدبلوماسية والاقتصادية في المحيط الجغرافي.
جاءت مبادرة التحالف الأفريقي للهيدروجين الأخضر بطرح وترتيب من جنوب أفريقيا التي تشارك الجزائر معترك التنافس مع الرباط منذ تسعينيات القرن الماضي، ومؤخرًا بعد إطلاق الرباط “المبادرة الأطلسية” لتعزيز دورها الإقليمي في ربط شبكات طرق النقل اللوجستي لكثير من دول أفريقيا بذاتها، اتجه الطرفان الجزائري والجنوب أفريقي معًا وبشكلٍ منفرد كلٌّ على حدة نحو إطلاق مبادرات موازية في سبيل تحقيق توازن مع نفوذ الرباط المتصاعد.
وترمي الجزائر من الانضمام إلى هذه المبادرة إلى تعزيز دورها في التعاون الأفريقي، وكذلك البقاء على اتصال دائم مع الدول الأفريقية لاقتناص فرص استثمارية مختلفة، وصولاً لإظهار هويتها التي تسعى لإنشائها، بصفتها دولة تدعم مبادرات الاستثمارات المحورية في أفريقيا.
في المقابل، تنظم الرباط ندوةً رفيعةَ المستوى حول مستقبل العلاقات الأورو-متوسطية، تضم عددًا من الممثلين التقنيين رفيعي المستوى عن دولٍ أفريقية وأوروبية. هذه الندوة تؤكد مسعى الرباط إلى مأسسة دورها دولةً تمثل حلقة الوصل في النقل اللوجستي بين قارات أوروبا وأفريقيا والأمريكيتين.
ويتوقع في الفترة القادمة المحددة على الأقل بخمس سنوات، أن تصب الرباط كافة جهودها على ما يخدم مبادرتها الأطلسية من خلال التعاون في النقل اللوجستي والمناطق الصناعية الحرة، في مسعى منها لتوقيع عدة اتفاقيات تجارة حرة يتم مأسستها في إطارٍ يحقق فائدة مشتركة مترابطة لكثير من الدول، في سياقٍ منفتح على التشاور الدائم، وصولاً لدمج هذه الدول في كنف منظمات إقليمية وأخرى دولية لإعلاء شأن الدور المغربي على أبعاد مختلفة.
ليبيا ومحاولات لمّ الشمل:
في الشأن الليبي، توسط المجلس الرئاسي في عقد اتفاق تهدئة بين جهاز الردع وحكومة الوحدة الوطنية، شمل الاتفاق انسحاب قوة الردع من مطار معتيقية وتسليمه إلى كتيبة أمن المطار التابعة لرئاسة الأركان العامة، وتسليم إدارة السجن الموجودة داخل مطار معيتيقة للادعاء العام ووزارة العدل، وانسحاب كافة التشكيلات التي دخلت مدينة طرابلس مؤخرًا مقابل انتشار قوات أمن تتبع وزارة الداخلية فيها.
بطبيعة الحال لا يمكن الحديث عن انتهاء هيمنة المليشيات أو انتهاء الخلاف بين حكومة الوحدة الوطنية والمجلس الرئاسي حول مساحات السيطرة في العاصمة طرابلس؛ إذ لم يتم تفكيك جهاز الردع بالكامل، ولكن دُفع به نحو الانسحاب بعيدًا عن المطار فقط، كما أن المجلس الرئاسي فرض بقاء قوة محايدة بالقرب من المطار.
وفي ذات السياق، تُجري واشنطن وساطة أولية بين صدّام حفتر وحكومة الوحدة الوطنية؛ للنظر في إمكان تحقيق اندماج جغرافي وأمني وسياسي أعمق بين غرب ليبيا وشرقها. الملمح الأوَّلي للوساطة المذكورة برز بعقد اجتماع سري في روما في 13 أيلول/ سبتمبر الجاري حضره صدام حفتر ومستشار الأمن القومي في حكومة الوحدة الوطنية إبراهيم الدبيبة، ما يشي بأن صبغة الاجتماع كانت أمنية تهدف إلى وضع أرضية لتنسيق عمل المؤسسات الأمنية والعسكرية في الشرق والغرب أكثر منه الحديث عن توحيد كامل مؤسسات الدولة وإجراء انتخابات.
وبالتزامن مع هذا الاجتماع، حطت لجنة اقتصادية تمثل حكومة الوحدة الوطنية في واشنطن ملتقيةً مبعوث الرئيس الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط مسعد بولس، حيث ظهرت الرغبة في تحقيق تعاون مشترك في مجالات الاستثمار في الطاقة والنقل اللوجستي. توقيت الزيارة يؤكد رغبة الدبيبة في تثبيت أوراقه الشخصية في حلول التسوية المستقبلية، لا سيّما بعد أن ظهرت ملامح توجه أمريكي تركي للانفتاح على الشرق الليبي تمهيدًا لتوحيد عمل المؤسسات الأمنية أولاً والاقتصادية من بعدها، وذلك سعيًا لمواجهة تمدد النفوذ الروسي في شرق وجنوب ليبيا، وكذلك في الدول المجاورة لها.
وتظل الوساطة التركية حاضرةً في لبيبا لإرساء استقرار أوسع في طرابلس في المرحلة الأولى، ومن ثم تحقيق دمج مؤسسي موحِّد للقوات والمؤسسات الليبية؛ من خلال عقد اجتماعات على مستويات عدة بين الفرقاء الليبيين، من شأنه أن يحقق نجاحًا ملموسًا في إرساء الاستقرار والاندماج المؤسسي بشكلٍ نسبي. لكن يبقى التوجه الشخصي المتفوق على المصلحة الوطنية لدى معظم الساسة الفاعلين في الساحة الليبية عائقًا أمام إنجاز الهدف المنشود في وقتٍ قريب.
نشاط اقتصادي موريتاني سعودي:
استقبل الوزير الأول الموريتاني المختار اجاي وفدًا اقتصاديًا سعوديًا، وتتسق زيارة الوفد السعودي لنواكشوط مع الانفتاح السعودي حيال جيبوتي والصومال وتشاد وبوركينا فاسو ودول أفريقية أخرى. ولا ينفصل هذا الانفتاح عن السعي إلى موازنة التحرك الإماراتي ضمن “المبادرة الأطلسية”، حيث كان هناك توجه إماراتي للانفتاح على كونفدرالية دول الساحل: بوركينا فاسو ومالي والنيجر؛ سعيًا لضخ استثمارات في مشروعات لإنشاء طرق لوجستية تربط عدة دول أفريقية بموانئ المغرب؛ تمهيدًا لتعزيز التبادل التجاري بين قارات أفريقيا وأوروبا والأمريكيتين.
وفي ظل توجه نواكشوط نحو إظهار حيوية موقعها الجغرافي وما تحتضنه من معادن، سيكون هناك ولوج إقليمي ودولي إليها للظفر بفائدة اقتصادية، وكذلك نفوذ سياسي يوازن النفوذ المتنامي للخصوم أو المنافسين، لا سيّما وأن نواكشوط تُصنَّف سياسيًا في إطار الدول الصغيرة التي يسهل الانخراط معها في مشاريع حيوية دون شروط معقدة، أو من دون وجود توجه سياسي لدى نواكشوط الآن في تطويع هذه المشاريع لتحقيق نفوذ إقليمي.
خلاصة القول:
إن ديناميات شمال أفريقيا تُشكّلها صراعات نفوذ متعددة المستويات؛ فتسعى مصر لموازنة القوى الإقليمية عبر تحالفات عسكرية واقتصادية استراتيجية، وفي الوقت نفسه يتجلى التنافس الجزائري-المغربي في سباق محموم على المشاريع الاقتصادية والطاقية لتعزيز النفوذ في أفريقيا، أما ليبيا فتبقى ساحة لصراعات بالوكالة ومحاولات لم الشمل التي تقودها قوى دولية وإقليمية. وتظل هذه التفاعلات، مدفوعة بالمصالح الحيوية والموقع الجيوستراتيجي، العامل الأبرز في تشكيل مستقبل الإقليم وتوازناته في السنوات القادمة.
جميع الحقوق محفوظة لدى برق للاستشارات©2025




