تقدير موقف

نتنياهو وإسرائيل الجديدة

تشهد إسرائيل منذ عامين وبشكل متصاعد تحولًا شبه جذري في سلوكها كدولة، فتتبلور فيها دولة جديدة تتبنى سياسات القوة المفرطة عقيدةً أمنية ثابتة، في حين يحاول المجتمع الدولي والفاعلون الإقليميون الفصل بين رفض سياسات حكومة نتنياهو والإبقاء على علاقاتها بالكيان نفسه. وتشير التحليلات إلى أن هذه السياسات لم تعد مجرد انعكاس لشخص نتنياهو، بل أصبحت جزءًا من الهوية الأمنية الإسرائيلية في المدى المنظور، حتى مع رحيله.

تدفع الضغوط الداخلية والخارجية نحو مرحلة ما بعد نتنياهو، حيث سيكون التحدي الرئيس لأي خليفة له هو الموازنة بين الحفاظ على هذا المنحى الأمني المتشدد من جهة، وإصلاح صورة إسرائيل خارج الإقليم وعلاقاتها الإقليمية بالجيران المطبعين من قبل والمستعدين للتطبيع فيما يأتي وفقًا لشروط – من جهة أخرى.

طبيعة التحول:

أدت صدمة السابع من أكتوبر 2023 إلى تحول جوهري في التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي، كما يتجلى في الخطاب الرسمي وشبه الرسمي؛ فلم يعد الرد على التهديدات مقيدًا بالاعتبارات الدبلوماسية أو سيادة الدول، بل يعتمد على الضرب الاستباقي بقبضة من حديد في أي مكان، مستندًا إلى القوة العسكرية والمساندة الأمريكية المطلقة.

وعلى مستوى الدوافع يُعدّ العنف الإسرائيلي القياسي في غزة وضدها -عسكريًا وإعلاميًا وفكريًا- انعكاسًا للرعب العميق الذي خلفته أحداث أكتوبر في العقلية الإسرائيلية الجماعية، مما يولد ردود فعل عنيفة لكن فاقدة للرؤية الاستراتيجية طويلة المدى، والتصرف في ظل هذا الافتقاد للتوازن لا يعطي الكلمة الأخيرة للقوة الباطشة، بل لعوامل تفاعل معقدة تتعلق بالطرف المقاوم، ومدى قدرته على تجديد ذاته، والمحافظة على سلاحه، والتوصل إلى ظهير مؤثر تكون له يد واضحة في توفير الدعم الكافي وتعويض خسائر المواجهات الصفرية.

ويروج أيديولوجيو إسرائيل الجديدة، مثل مائير بن شابات وأشر فريدمان في مقال لهما بـ “فورين أفيرز” لفكرة أن السياسات الحالية ليست “جنونًا” مرحليًا، بل هي الاختيار الاستراتيجي الثابت للدولة، أو هكذا ينبغي أن يكون الأمر على الأقل- في رأيهما، وبالتالي فإن معارضة نتنياهو لا ينبغي أن تكون معارضة لنهجه في التعامل مع المخاطر التي تهدد، أو يحتمل أن تهدد الدولة. وهذا إيمان واضح بأن هذه السياسات ليست مرحلية، بل استراتيجية وثابتة، وإلا فإن وجود الدولة العبرية لن يستمر بمعايشة المخاطر، ولا بهدهدة الخصوم، بل بالقضاء عليهم وعليها في مهدها أولا بأول.

رفض السياسات وقبول الدولة

يُظهر الموقف الرسمي العربي -في أغلبه- وكذلك أغلب دول العالم المتفاعلة مع الأحداث في غزة، رفضاً واضحاً لسياسات الحكومة الإسرائيلية الحالية؛ لتجاوزها كل الحدود والمعايير الدولية، وتسبُّبها في اضطرابات واحتجاجات واسعة في العديد من دول العالم، وتململ عميق في الشارع العربي والإسلامي قد يكون له ما بعده. إلا أن هذا الرفض لا يمتد إلى رفض وجود إسرائيل نفسها كيانًا سياسيًا له حق الوجود، بل ينبع من قناعة بأن هذه السياسات لن تؤدي إلى النتائج التي يتوقعها حكام تل أبيب من وأد العنف المسلح ضدها، بل تهدد أمن واستقرار إسرائيل نفسه والنظام الإقليمي برمته.

فمثلا أسهمت سياسات نتنياهو في تقويض السلطة الفلسطينية في رام الله، حيث جعلتها تتماهى كليًا مع سياساته المتطرفة، دون أن تحظى السلطة برضا الطرف الإسرائيلي إلى الآن، مما أفقدها أي شرعية أو فائدة في عيون المواطن الفلسطيني، وألغى الحاجز الذي كان يفصل بين المشروع الاستيطاني وقوى التحرير الشعبي الفلسطيني؛ أي أن المواجهة صارت مباشرة أو شبه مباشرة بين دولة الاحتلال والشعب الفلسطيني الذي يحفر بأظافره في الصخر للحصول على حقوقه.

وأما الموقف الأمريكي من نتنياهو وإسرائيل فهو موقف هجين؛ لأنه مؤيد لتل أبيب تأييدًا مطلقًا كالعادة، إلا أنه ليس قائمًا على رؤية، ولا منطلقًا من إدراك للوظيفة ولا الموقع الأمريكي من إسرائيل؛ إذ إن واشنطن كانت دائمًا صاحبة دور في تحديد السياسات الكبرى لتل أبيب، أو على الأقل تكون حاضرة فيها بحيث توجهها، وتعدل ما تراه في حاجة إلى تعديل حسب المصلحة المشتركة، لكن صارت المواقف الشخصية وتأثيرات المحيطين بالرئيس الأمريكي هي التي تحدد كل شيء في هذا الصدد.

والآنيَّة، وإهمال توظيف الأدوات الناعمة، والتركيز على ما هو قريب وعاجل من المكاسب، هو شيء مشترك بين الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء الإسرائيلي إلى الآن، وكذلك اعتبار بطش القوة هو الضامن الأكبر، وربما الوحيد لتحقيق الأهداف؛ لذا يغيب التفكير في المستقبل بشكل جدي وواقعي عن كلا الرجلين.

توقعات ما بعد نتنياهو

من المتوقع أن تستمر أي حكومة إسرائيلية قادمة، بقطع النظر عن هوية قيادتها، في استخدام القوة المفرطة ضد الفلسطينيين في غزة والضفة، بل قد تتجه نحو توسيع نطاق الاستهداف ليشمل أعداء خارجيين، مثل إيران وحزب الله من جديد، إلا أن هناك تحديات أخرى ستفرض نفسها في مرحلة ما بعد نتنياهو، وفيها سيُرغَم أي خليفة محتمل على معالجة تحديين رئيسيين يمثلان مشكلة لإسرائيل مع الأطراف الإقليمية والدولية، بل مع الداخل الإسرائيلي نفسه، وهما:

داخليًا: مداواة الشروخ الاجتماعية والسياسية العميقة التي خلفتها سياسات حكومة نتنياهو، وإصلاح مؤسسات الدولة التي تقف على شفا أخطار قد لا تقبل العلاج.

خارجيًا: إعادة تسويق صورة إسرائيل ورأب الصدع في علاقاتها الدولية، مع مواصلة العمل على تحييد المشروع التحرري الفلسطيني بوسائل متعددة.

الخلاصة

رحيل نتنياهو وحكومته سيغير أسلوب السياسات الإسرائيلية الحالية لا جوهرها؛ وذلك في المدى المنظور، وستحاول الحكومات القادمة الجمع بين استمرار هذا المنحى الأمني المتشدد وبين معالجة الآثار الداخلية والخارجية المدمرة لسياساته، وهذا يدل في جانب منه على أن نتنياهو قد استجاب للمخاطر التي تحيط بمشروع الدولة بعنف متفق عليه بين جميع الأطراف، إلا أنه فشل في الإدارة المتوازنة للعوامل المختلفة والمتداخلة مع هذا النهج.

جميع الحقوق محفوظة لدى برق للسياسات والاستشارات©2025

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى