
موجز سياسي – إقليم بلاد الشام
قضايا الإقليم تغلب عليها الثنائية والتداخل مع أطراف دولية كبيرة، وتتعدد فيها البؤر الساخنة من قُطر إلى آخر، لكن مجمل الواقع يقول بوحدة الساحات سياسيًا واقتصاديًا، بل بارتباطها بشرايين ممتدة نحو الأقاليم الأخرى وباتجاه العواصم الكبرى والمنظمات الدولية.
قسد ودمشق.. ثنائية متعثرة:
في خبر ذي دلالة أقدمت قوات قسد على رفع العلم السوري فوق معبر سيمالكا الرابط بين سوريا والعراق إلى جانب علم قسد ذاتها، وقُرئ هذا على أنه محاولة رمزية لتثبيت بعض الخطوات التي تبيّن تمسك قسد بإرساء حل تسوية مشابه لحالة كردستان العراق؛ أي حكم فيدرالي لامركزي.
يأتي هذا في ظل ما يشهده مسار التفاوض بين الحكومة المركزية وقسد من تعثر واستمرار لتبادل الأفكار دون الانتقال إلى انعقاد اجتماعات اللجان التقنية لمناقشة الأمور الفنية أو التقنية على نحوٍ يُمهد لمصالحة حقيقية.
في الميدان اتجهت قسد صوب حفر مزيد من الأنفاق، وتجهيز ذاتها عسكريًا عبر رفع مستوى التسليح والتجنيد لسكان المنطقة، وهذه مؤشرات إضافية تؤكد إصرارها على الرغبة في تطبيق نظام الحكم اللامركزي في سوريا، وأنها استغلت مهلة التسعة أشهر الممنوحة من قبل واشنطن في تحصين أماكن سيطرتها، في إشارةٍ للتأكيد على التمسك بموقفها المذكور حتى لو كان الثمن الاشتباك العسكري مع الدولة.
في ضوء الطرح المذكور، يُشار إلى أن واشنطن هي القوة السياسية الوحيدة التي تملك قدرة للضغط على قسد لتقبل بالاندماج ضمن الجيش والحكومة السوريين، وقد أكدت وسائل إعلام تركية أن الرئيس أردوغان الذي زار واشنطن مؤخرًا، لم يحصل على موافقة من الإدارة الأمريكية لحسم الأمر عسكريًا؛ بحسبان أن أي عمل عسكري يُحبط الجهود الدبلوماسية بحسب التوجه الأمريكي.
وبموازاة الموقف الأمريكي لا بد من الإشارة إلى أن الرئيس أردوغان أيضًا يولي أهميةً فعليةً للتوافق السياسي لأمرين؛ الأول: ضمان عدم تأثير أي عمل عسكري ضد قسد على مسار المصالحة بين أنقرة وحزب العمال الكردستاني، الثاني: إدراك أن الحاجة لحل توافقي يؤدي إلى استقرار مُستديم أفضل من حل عسكري يولّد زعزعةً أمنيةً لا تُدرَك نهايتها.
ولكن على الرغم من إيلاء الجانب التركي أهميةً لمسألة الحل الدبلوماسي، إلا أنه لا يُستبعد في ذات الوقت ميله بالتنسيق مع الجانب السوري إلى تنفيذ بعض التحركات العسكرية ذات الطابع الاستخباراتي؛ أي اشتباكات على مستوى منخفض في أماكن محددة، في سبيل تحقيق ضغط على قيادات قسد للقبول بحل تسوية، ولكن مع الحرص على عدم الانجرار صوب الحل العسكري الحاسم والشامل لكافة مناطق سيطرة قسد في ظل عدم وجود توافق كامل مع الجانب الأمريكي.
خط نفط عربي بخبرة روسية:
انطلقت مفاوضات سورية عراقية لإعادة تشغيل خط نقل النفط الذي كان نشطًا بينهما حتى احتلال الولايات المتحدة للعراق عام 2003؛ وذلك على خلفية تنسيق تقوم به وزارة الطاقة الروسية منذ أيار/ مايو الماضي مع بغداد لإعادة تشغيل الخط في إطار يكون فيه لشركة لوك أويل دور مهم في هذا التشغيل.
ولا يخفى المنحى الاستراتيجي لدور موسكو في مجال نقل الطاقة عبر سوريا، فمع التطورات الكبيرة التي جرت في سوريا منذ حوالي عشرة أشهر لم تتراجع موسكو عن استراتيجية “الأوراسيانية” التي ترمي منها إلى التحكم، أو على الأقل لعب دور حيوي في عمليات النقل اللوجستي ما بين الدول المنتجة للطاقة والدول المستهلكة لها.
قام تفاوُض وزارة الطاقة الروسية مع العراقيين على تشغيل الخط من الجانب العراقي لا السوري، في محاولةٍ لتجاوز الصدام مع الجانب الأمريكي الذي يمكن أن يتحرك لإحباط النفوذ الروسي في سوريا بسهولة.
بالفعل تشغّل الشركات الروسية عدة حقول في وسط وجنوب العراق تحديدًا؛ حقول بدرة وغرب قرنة 2 وسلمان، وكذلك 80٪ من حقول النفط في كردستان العراق، متفوقة بذلك بنسبة كبيرة على الشركات الغربية، كما أبرم الجانب الروسي عام2017 اتفاقًا مع حكومة كردستان العراق يقضي بتمديد شركة “روس نفت” خطًا لنقل طاقة كردستان إلى الوجهة التي تريدها. وبما أن موسكو كان لها النفوذ الأكبر في سوريا قبل التغييرات الأخيرة، فبطبيعة الحال كانت الجغرافية السورية هي الهدف لمد هذا الخط الذي سيكون تحت نفوذ روسي كامل.
ولا بد من جمع فكرة تشغيل هذا الخط مع التمسك الروسي بحق التنقيب عن الطاقة في الساحل السوري بموجب اتفاقيات مبرمة مع النظام السوري المخلوع عام 2017، وبالنظر إلى مسار الخط الذي يصل إلى بانياس؛ يُلاحظ تمسك موسكو بهذه المنطقة باعتبارها منطقة نفوذ جيوسياسي وجيواقتصادي وعسكري لها.
وبإعادة تشغيل الخط النفطي العراقي السوري، تظفر الحكومة السورية بكميات من النفط وفرص اقتصادية كبيرة، تتمثل في تشغيل مصفاة بانياس ومن ثم تصدير النفط العراقي إلى الخارج، إلى جانب إبراز أهمية الموقع الجغرافي لسوريا في مسعى لجذب مزيد من الدول للاستفادة من هذا الموقع على نحوٍ يجعله مركزًا مهمًا لتوزيع الطاقة في العالم.
بطبيعة الحال، يؤثر ذلك سلبًا في استراتيجية “الوطن الأزرق بمركزية نقل الطاقة” التي تتبناها أنقرة من ناحية تشكيل الجغرافيا السورية منافسًا لموقعها الجغرافي، لكن ذلك لا ينفي إمكان العمل المشترك بين البلدين في إطار تكاملي في حال كان هناك اتفاق أوروبي تركي سوري خليجي على نقل الطاقة عبر البرين السوري والتركي. وبطبيعة الحال، فإن الاتفاق التكاملي المذكور في وارد الحصول على الدعم الأمريكي المفتوح ليكون واقعًا ينافس النفوذ الروسي في مجال الطاقة.
وفي الحقيقة، نما اهتمام الحكومة السورية المعتدل والمتوازن بالدور الروسي بعد الميل الأمريكي الصارخ للمصلحة الإسرائيلية، بالإضافة إلى نجاح موسكو الملموس في إقناع بطريرك الروم الأرثوذكس يوحنا العاشر بفتح باب العلاقات مع الحكومة السورية، حيث زار البطريرك القصر في وقتٍ تحتاج فيه الحكومة لتصدير صورة احتضانها لكافة مكونات الشعب السوري.
ولا تكمُن أهمية الدور الروسي في تحقيق توازن قوى أمام واشنطن والجهات الغربية فحسب، بل أيضًا أمام النفوذ الإيراني القائم على توجيه الدعم إلى الفلول في سبيل الإبقاء على الاستقرار مزعزعًا لإجبار الحكومة السورية على فتح خط تفاوض مع طهران حول الديون الموجهة للنظام السابق، وأيضًا حول نقل الغاز الإيراني عبر الأراضي السورية خلال الخط “الفارسي” أو “الإسلامي” المبرمة اتفاقيته بين الجانبين السوري والإيراني عام 2013.
لبنان.. بحثًا عن مسارات:
حل أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني علي لاريجاني ضيفًا على بيروت للمرة الثانية خلال فترةٍ زمنيةٍ قصيرة؛ في منحى يؤكد تمسك طهران بسياسة إثبات الحضور للحفاظ على وكلائها في العراق ولبنان واليمن. وعلى هامش زيارة لاريجاني لبيروت، بُثت الروح مجددًا في خطابات زعيم الحزب نعيم قاسم، الذي جدد تمسك الحزب بسلاحه. وكان لافتًا إعلانه الرغبة في الانفتاح بالكامل على الرياض. بطبيعة الحال، تتقاطع رغبتا حزب الله والحوثي في الانفتاح على الرياض مع المشاورات الجارية بين طهران والرياض.
مؤخرًا أظهرت الرياض عمليًا أنها لا تقبل الخضوع الكامل لتوجه إدارة ترامب حيال المنطقة، ومن هذا الهامش الذي تحاول الرياض توظيفه في صالحها، تحاول طهران الاستفادة في إعادة بث روح الحياة في وكلائها عبر الانخراط في مشاورات مباشرة مع الرياض.
وتأتي رسالة حزب الله إلى الرياض لفتح صفحة جديدة ضمن المشاورات السعودية الإيرانية، حيث إن مسعى طهران وحزب الله غاية في الوضوح من ناحية رغبتهما المشتركة في شق مسار إقليمي بديل لعملية التفاوض التي يقودها المبعوث الأمريكي توم براك.
ومن الواضح كذلك أن حزب الله لا يرفض تسليم بعض سلاحه الثقيل -على الأقل- مقابل ضمان الانخراط في مبادرة إقليمية توازي تلك الأمريكية، سعياً منه للاستفادة من هامش التعارض الدبلوماسي بين هاتين المبادرتين، ولا يُستبعد أن تطرح الرياض مبادرة إقليمية إن كان هناك تشاور إيراني متواصل معها حول هذه النقطة. وفي هذا الإطار؛ تجدر الإشارة إلى تجاوب حزب الله نسبيًا مع الدولة اللبنانية في مسألة تسليم السلاح، حيث غض طرفه عن بعض عمليات مصادرة السلاح كما أن وزرائه لم ينسحبوا من اجتماع الحكومة الأخير الذي ناقش خطة الجيش لاستكمال عملية حصر السلاح في يد الدولة.
خطة ترامب حول غزة:
فلسطينيًا يدور النقاش بشكلٍ أساسي حول خطة ترامب التي طُرحت لوقف إطلاق النار في غزة. لم ترفض حماس الخطة ولم تقبلها بالكامل بما فيها من نقاط حساسة وتهدر الحق الفلسطيني، مثل: تسليم سلاح المقاومة، واستمرار الاحتلال الإسرائيلي لمحيط قطاع غزة، وتعيين هيئة انتقالية دولية بإشراف ترامب ورئاسة مباشرة من توني بلير، وهو ما من شأنه أن يرسخ فصل الضفة عن غزة لإحباط مسار الاعتراف بفلسطين، مع عدم وضوح الخط الزمني لتنفيذ الخطة، وعدم وجود ضامن واضح لاستكمال الصفقة. بموازاة ذلك، ثمة نظرة إيجابية لتعهد الخطة بوقف التهجير، ووقف إطلاق النار، وتبادل الأسرى، وإعادة الإعمار، وغيرها.
إلى جانب الدعم الدولي للخطة من باريس ولندن وروما وأوسلو وجاكارتا وإسلام آباد وأبو ظبي وعمّان والرياض وحتى السلطة الفلسطينية، هناك ضغط من بعض الأطراف على قيادة المقاومة للقبول بالخطة. لكن بقراءة التشكيل البنيوي لحماس فيتوقَّع -بعد إدراك تعقُّد الواقع- استكمال التعاطي مع المطروح بشرط الدخول في تفاوض حول النقاط السلبية السابقة.
في نهاية المطاف، جاء قبول حماس ضمن سياق “نعم ولكن” ليكون هناك فرصة لإبرام صفقة مؤقتة على الأقل وسط تصور داخل الطرفين؛ تل أبيب وحماس، بأن مسار المفاوضات قصير المدى وقابل للانهيار بعد إنهاء عملية تبادل الأسرى.
الأردن.. صدام متجدد مع الإخوان:
بالوصول إلى الساحة الأردنية، يُلاحظ تركيز الحكومة على تجفيف منابع ونشاطات الإخوان المسلمين بالكامل، لا سيّما تلك المتعلقة بالأعمال الخيرية والأنشطة السياسية. يتكشف تحرك السلطات الأردنية الصارم حيال الأنشطة المذكورة خلال إغلاق عدة جمعيات؛ إذ تم فعلاً استدعاء النائب عن كتلة العمل الإسلامي “إخوان مسلمين” وسام الربيحات، الأسبوع الماضي، بتهمة غسيل أموال، واعتُقل ستة أشخاص آخرين من حي الطفايلة بعمّان بذات التهمة عبر جمع تبرعات من خلال محفظة إلكترونية غير مرخصة، مع الإشارة ضمن ملف الادعاء إلى أن هذه التبرعات وُجهت لمصلحة تمويل الخلية الأردنية التي كانت تسعى لإنتاج صواريخ وإطلاقها نحو دولة جارة.
يتبين من هذا الاستعراض تعدد بؤر الصراع وتشعب القضايا الداخلية في كل دولة بالإقليم، وإن كانت هناك اجتهادات ومقاربات مهمة متعددة بين الأطراف لحل المشكلات الداخلية المعقدة لكل قُطر، وتقديم حلول من خارج الحدود تعين أطرافها داخل الإقليم وخارجه على نوع من تبادل المنافع. ومع هذا يبدو التماهي تامًا بين ما هو سياسي وما هو اقتصادي، وكذلك بين ما هو داخلي وما هو إقليمي وما هو عالمي؛ على أنه طبيعة إقليم وطبيعة عصر كذلك.
جميع الحقوق محفوظة لدى برق للسياسات والاستشارات©2025



