موجز سياسي

موجز السياسة – السودان والقرن الأفريقي

يتناول هذا الموجز تطورات الأوضاع في السودان والقرن الأفريقي، وفي مقدمتها سقوط الفاشر في يد مليشيا الدعم السريع، وأسباب ذلك وتداعياته، والتعاون العسكري بين الصومال وتركيا التي تُعِد العدة لإنشاء قاعدة عسكرية في شمال مقديشو لإحراز توازن مع الخصوم الإقليميين، ومساعي رئيس الوزراء الإثيوبي للخروج من أزماته بفتح طرق تعاون مع روسيا دوليًًا بالإضافة إلى تهدئة الوضع مع إريتريا إقليميًا.

السودان ما بعد سقوط الفاشر:

تقسيم السودان إلى شمال شرق وجنوب غرب بات واقعًا قائمًا بعد سقوط الفاشر بيد مليشيا الدعم السريع، إلا في حال تهيأت ظروف إرادة دولية وإقليمية لدعم مؤسسات الدولة السودانية، وقد أدت إلى ذلك عوامل جغرافية تتمثل في: البيئة الصحراوية المكشوفة من شمال دارفور حتى الفاشر، والتي تمتد 300 كم لا تغطيها مضادات الطيران. وثمة أسباب عسكرية لسقوط الفاشر تتعلق بأولويات الجيش السوداني حاليًّا؛ منها: تركيزه على مثلث الحدود بين مصر وليبيا والسودان، حيث إن نجاح المليشيات المدعومة إماراتيًّا في التقدم منه سيُحدث خللًا أمنيًّا بالغ التأثير على مكتسبات السيطرة على الخرطوم.

وزاد من صعوبة موقف الجيش السوداني في معركة الفاشر فقده للدعم الصيني بتكنولوجيا التصدي للمسيرات الصينية التي تمتلكها مليشيا الدعم السريع، بسبب مواصلة مجلس السيادة إيقاف عمل خط نقل النفط من جنوب السودان إلى ميناء بورتسودان الذي تشغله شركة الطاقة الصينية، حيث لم يتوصل الطرفان لصياغة تكاملية في إعادة فتح مجلس السيادة الخط مقابل الحصول على العتاد العسكري المنشود.

ومن جهة قانونية يتخوّف مجلس السيادة من إثارة ردود فعل دولية في حال أقدم على عملية عسكرية شاملة باتجاه ولايات دارفور في ظل وجود قرار رقم 1591 الصادر عن مجلس الأمن عام 2005، ويضع بشكلٍ غير مباشر قيودًا على العمليات العسكرية في دارفور. كما أن مجلس السيادة ينظر إلى إمكان الاستعانة مستقبلًا بقرار مجلس الأمن رقم 1556 لعام 2004 الذي يفرض على مليشيا الجنجاويد؛ الدعم السريع حاليًّا، تسليم أسلحتها، وكذلك قرار رقم 1564 الصادر عام 2004 أيضًا، ويفرض نزع سلاح كافة المليشيات النشطة في دارفور.

القرارات المذكورة تتعرض لانتهاك واضح من أبو ظبي (عضو اللجنة الرباعية الدولية المختصة بالسودان)، فيبدو أن مجلس السيادة يرى إمكان مواجهة النفوذ الإماراتي بتوظيف هذه الانتهاكات ضده. لكن في المقابل، الواقع يشي بأن سقوط الفاشر يعني ميلاد سيناريو وجود قوة أمر واقع تؤدي إلى تثبيت التقسيم الجغرافي للسودان إلى شمال شرق وجنوب غرب السودان إن لم يتم حسم الأمر عسكريًّا، فالمفاوضات تجري بحضور عدة لاعبين إقليميين ودوليين متناقضي الرؤية فلا تبشري يا سودان بوحدة حال جغرافية لمدى طويل.

قاعدة عسكرية تركية في الصومال:

في مواكبة لإنشاء تل أبيب قاعدة عسكرية لها في جنوب الصومال بالتعاون مع أبو ظبي وأديس أبابا، وتأييدٍ ملموس لها من واشنطن، أقدمت أنقرة هي الأخرى على إنشاء قاعدة عسكرية لها في الصومال تحقق لها توازن قوى أمنيًّا وعسكريًّا ودبلوماسيًّا مع الأطراف المناوئة على المدى الطويل.

بالاستناد إلى اتفاقية الدفاع المُشترك المبرمة مؤخرًا بين أنقرة ومقديشو، تستعد أنقرة لإنشاء قاعدتها العسكرية الجديدة في شمال العاصمة مقديشو، لتحتضن قوات تركية جوية وتُنصَب فيها صواريخ باليستية.

وبطبيعة الحال هذا التطور تراه تل أبيب تحديدًا خطرًا جسيمًا على سعيها لتأسيس نفوذ لها واسع النطاق في حوض البحر الأحمر؛ إذ من شأن القاعدة التركية المذكورة أن تشكّل ورقة توازن تهديد وقوى في آنٍ واحد ضد مناورات وتجاوزات تل أبيب في المنطقة، إذ إن مضايقة تل أبيب لأنقرة في سوريا يعني رفع أنقرة مستوى انتشارها في مناطق على مقربة من مناطق نفوذ تل أبيب؛ والبحر الأحمر يعتبر منطقة جغرافية قريبة نسبيًا من تل أبيب.

أنقرة تجد المجال متاحًا أمامها لرفع مستوى نفوذها في حوض البحر الأحمر؛ خاصًة بعد استعداد روما لنشر قوات بحرية في ساحلي جيبوتي والصومال وأخرى برية في الصومال، بالإضافة إلى إحراز قوات البعثة الأفريقية التي تتصدرها القاهرة وكامبالا وجيبوتي تقدمًا في إقليم شيبيلي جنوب الصومال على نحوٍ قلص نفوذ نيروبي هناك، وتسيير الرياض والقاهرة وجيبوتي وأسمرا دوريات بحرية مشتركة.

وأمام هذه الخطوات التي تقوم بها مقديشو والدول الداعمة لها، يُنتظر وقوع مزيد من التقارب والتحالف بين أعضاء تكتل أبو ظبي وتل أبيب وأديس أبابا ونيروبي. وقد كان ذلك واضحًا بتوقيع أديس أبابا ونيروبي اتفاق دفاع مُشترك، في حين زادت أبو ظبي وتل أبيب حضورهما العسكري في ميناء بربرة الواقع في صوماليلاند، فضلًا عن رفع تل أبيب وأبو ظبي مستوى حضورهما الاستخباري في جزيرة سقطرى اليمنية، وصولًا إلى توسيع نطاق نفوذهما العسكري والاقتصادي في جنوب السودان. وهذا ما يشي بتدافع التكتلات المتضادة في حوض البحر الأحمر مع بقاء كفة ميزان القوى في مصلحة الدول المشاطئة لحوض البحر الأحمر أمام تكتل تل أبيب وأبو ظبي وأديس أبابا ونيروبي، إذ أن الأقرب جغرافيًّا عادةً ما يكون أكثر تأثيرًا وقدرةً على الحركة.

أديس أبابا وصراعات البحر الأحمر:

تناغمًا مع توجه مقديشو وجيبوتي والرياض والقاهرة، أكد الرئيس الإريتري أسياس أفورقي، على هامش لقاءٍ له مع قناة فضائية مصرية، أن الأمن الجيوسياسي لحوض البحر الأحمر مسؤولية الدول المشاطئة له فقط. تعبير أفورقي عن تطابق رؤية بلاده مع القاهرة عبر قناة مصرية، لا يحمل رسائل رمزية فقط، بل يؤكد حالة التكامل الآخذة في التشكّل بين معظم دول حوض البحر الأحمر ضد سعي بعض الدول غير المشاطئة لتأسيس نفوذ رفيع لها في المنطقة.

وإدراكًا منها للتقلبات الجيوسياسية الحاصلة على نحوٍ يزيد من تكامل وتحالف الدول المشاطئة للتصدي لأيٍ تحركٍ من قبل الدول الأخرى، اتجهت أديس أبابا صوب انتهاج بعض التكتيكات التي تمكّنها من الحفاظ على ما قطعته من تحركات سياسية حيال البحر الأحمر. حتى الآن استطاعت أديس أبابا وضع موطئ قدم لها في ميناء بربرة الواقعة في صوماليلاند، وفي قادم الأيام سيصبح جهدها منصبًا على الحفاظ على هذا الإنجاز، مع السعي لنيل نفوذ إضافي تدريجي في بعض الثغرات الجغرافية القريبة والمحيطة، بالإضافة إلى رفع مستوى تعاونها مع قوة كُبرى؛ كي تتمكن من تفعيل ورقة إدارة الصراع عبر التعاون مع هذه القوة، ليكون النهج القادم هادئًا ومنسوبُ التصادم فيه خفيفًا.

تحرك أديس أبابا المذكور برز في توقيعها اتفاق دفاع مشترك مع نيروبي، وقد سبق ذلك إبرام اتفاق تعاون استخباري مع الخرطوم لحماية حدودها ويقود نحو تحقيق تعاون مشترك يكفل لأديس أبابا والخرطوم الحفاظ على نفوذهما أمام نفوذ كامبالا “أوغندا” في جنوب السودان، عوضًا عن اتجاهها؛ أي أديس أبابا، مؤخرًا نحو فتح خط تواصل مع موسكو لتطوير التعاون التجاري والتكنولوجي معها.

على هامش المعارك التي خاضتها بلاده في إقليم التيغراي بعد عام 2018 وحتى عام 2022، أظهر رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد ، أن لديه إرادة سياسية لخوض غمار التحدي لأغلال المعادلة السياسية الدولية، وذلك حينما استعان بأنقرة وموسكو للتزود بمسيَّرات وأسلحة أخرى عقب فرض واشنطن عقوبات مالية على بلاده.

ذات الإرادة السياسية يظهرها آبي أحمد في مناوراته حيال العرقلة التي يواجهها طموحه للانفتاح على حوض البحر الأحمر، حيث يسعى للحفاظ على هامش مناورة لبلاده مع توسيع نشاطه، لكن من دون تصادم مباشر مع المنافسين.

أرسل آبي أحمد وفدًا من وزارة الخارجية ليلتقي وزير الخارجية الروسي، طلبًا لدعم انضمام أديس أبابا لمنظمة التجارة الدولية، حيث أن الأخيرة تعتبر إثيوبيا دولة تعاني من صراعات سياسية تحول دون تحقيقها الاستقرار الاقتصادي. وتنطلق أديس أبابا في طلبها من تشاركها مع موسكو في عضوية البريكس، كما أن الموقع الجغرافي لإثيوبيا بالنسبة لموسكو يأتي إلى ما بعد حوض البحر الأحمر، ما يعني أن التعاون بينهما أمر ممكن دون عرقلة أمريكية.

على هامش الزيارة لموسكو، طرح الوفد الإثيوبي أيضًا رغبة بلاده تحقيق تعاون في إنتاج الطاقة النووية السلمية لزيادة إنتاجها للطاقة الكهربائية، ما يزيد من حيوية قطاعها الصناعي الذي يعاني من نقص في الطاقة الكهربائية حتى بعد تشغيل سد النهضة الذي كان هدفه الأصلي -حسب المعلن- تحقيق الكفاية الداخلية من الطاقة الكهربية وتصديرها إلى الخارج.

وبالتوازي مع فكرة الاستعانة بقوة كُبرى، حاول آبي أحمد التأكيد على سياسة تحقيق التوازن بين الشرق والغرب، عبر إعلانه الرغبة في وساطة أمريكية أو أوروبية مع أسمرا لإيجاد حل سلمي يمكّن بلاده من الحصول على منفذ بحري. ولعل فكرة الحصول على منفذ بحري لإثيوبيا يمر بإريتريا أمر بعيد المنال؛ انطلاقًا من الموقف الإريتري الرافض قطعًا لهذه الخطوة التي تخفض مستوى استفادتها من موانئها التي تستقبل سلعًا عدة من الخارج، ويُعاد تصديرها بعد ذلك إلى إثيوبيا ودول أفريقية أخرى. لكن رغم ذلك، تحاول أديس أبابا إرسال رسائل تهدئة تبرر من خلالها الحجة الدبلوماسية لتحركاتها في التعاون مع موسكو، وكذلك مناوراتها في مناطق أخرى. أيضًا تؤكد خطوة اجتراح أديس أبابا لحل سلمي مع أسمرا أن أديس أبابا تُدرك خطورة التصعيد العالي ضد أسمرا ودول أخرى في حوض البحر الأحمر على أمنها الداخلي، في ظل عدم وجود حل نهائي لمسألة إقليم التيغراي حتى الآن.

تُظهر التطورات في السودان والقرن الأفريقي تحولًا جيوسياسيًا عميقًا، حيث تتصارع قوى إقليمية ودولية على النفوذ في هذه المنطقة الاستراتيجية، ويمهد سقوط الفاشر وتصاعد الوجود العسكري التركي في الصومال لزيادة دور التحالفات وصراعها حول موازين القوى ومعادلاتها. يبدو المستقبل مرهونًا بقدرة الفاعلين المحليين على حسم صراعاتهم الداخلية، وإدارة القوى الدولية تنافسها بما يؤثر على موازين القوى بشكل استراتيجي يراعي مواقعها وقدراتها المختلفة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى