
موجز سياسي عن بلاد الشام : استقرار تبدده طبول الحرب
على الرغم من سخونة الأحداث في أغلب أقطار الإقليم، إلا أن أحداث لبنان تسيطر على المشهد بوضوح، فالعدوان الإسرائيلي على لبنان مستمر ومتصاعد، ونذير الحرب الشاملة يزيد احتماله في ظل تعثر المبادرة الأمريكية المصطدمة برفض حزب الله لتسليم سلاحه. وإلى جانب هذا تسارعت وتيرة التقارب السوري مع موسكو استجابة لطموح الأخيرة في أن يبقى لها شيء من نفوذها التاريخي في سوريا، وطمعًا من حكومة دمشق -من جهة أخرى- في توظيف هذا الطموح في إحداث توازن بين القوى ذات النفوذ في سوريا.
الاشتراط التعجيزي هل يسوق لبنان إلى الحرب؟
استمر التصعيد الإسرائيلي ضد حزب الله في إطار التمسك بمعادلة “تصفير التهديدات” التي يرفض حزب الله الانصياع لها، محاولًا الانبعاث من تحت الرماد لاسترجاع مكتسباته السياسية السابقة داخل الساحة اللبنانية، ومُصرًا على ربط سحب سلاحه من جنوب الليطاني بالانسحاب الإسرائيلي من التلال التي لا يزال يحتلها في جنوب لبنان.
بدا الموقف الأمريكي مساندًا للموقف الإسرائيلي بتلميح المبعوث الأمريكي للبنان توم برّاك، إلى احتمال استئناف تل أبيب ضرباتها القوية للبنان في حال لم يتمم الجيش اللبناني ضبط السلاح بالكامل. تصريح برّاك واستهداف تل أبيب عمق لبنان، تزامنًا مع زيارة نائب الرئيس الأمريكي لتل أبيب؛ وهي شواهد تدل على وحدة الموقفين الأمريكي والإسرائيلي.
وعلى صعيد تحركات الحكومة اللبنانية، هناك جهد ملموس لضبط السلاح جنوب الليطاني، لكن لم تتجه حتى الآن نحو مصادرة سلاح الحزب من شمال الليطاني حتى الضاحية الجنوبية لبيروت، انطلاقًا من الحرج الواقع عليها بسبب مماطلة تل أبيب في سحب قواتها من التلال الخمسة التي تحتلها، بالتزامن مع استمرار انتهاكها السيادة اللبنانية.
في دوامة الاشتراط التعجيزي المتبادل بين الطرفين؛ تل أبيب وحزب الله، تجد الحكومة اللبنانية نفسها مضطرةً لتلبية طموح الداخل اللبناني، ما دفع الرئيس اللبناني لمطالبة الجيش بالتصدي لأي اختراق إسرائيلي للأجواء اللبنانية، بالتوازي مع إظهار موقف معتدل بالحديث عن الرغبة في التفاوض غير المباشر مع تل أبيب لإنهاء الأزمة أسوةً بما حدث في سيناريو وقف إطلاق النار في غزة.
وفي سياق الحديث عن تطبيق سيناريو وقف إطلاق النار في غزة، حل مدير المخابرات المصرية حسن رشاد، ضيفًا على بيروت في سبيل استكشاف إمكان إجراء وساطة بين بيروت – حزب الله وتل أبيب. هذه الزيارة الأولى من نوعها تلبي طموح حزب الله وطهران في الدفع باتجاه تأسيس محور إقليمي يوازي المحور الدولي الذي تقوده واشنطن، لترجيح كفة الميزان لمصلحة لبنان نسبيًا كما تم في اتفاق وقف إطلاق النار في غزة.
لم يقترح رشاد أي مسودة عمل جاهزة للعمل عليها، وإنما التقى رؤساء الجمهورية والوزراء والبرلمان وكذلك مدير المخابرات اللبناني طوني قهوجي، وقائد الجيش رودولف هيكل، في سبيل استطلاع آرائهم عن إمكان خوض القاهرة مسار تفاوض ينزع فتيل الأزمة القائمة قبل تطورها لحربٍ أو استهداف إسرائيلي موسع للبنان.
ولا بد من الإشارة إلى أن نتنياهو يشعر بتقييد حركته في ملف غزة، لذلك تُشير تصريحاته حيال لبنان إلى رغبته الواضحة في رفع مستوى الاستهداف لمقدرات حزب الله؛ في سبيل الإبقاء على طموحه بصفته القائد الذي أعاد بناء إسرائيل وفق محدِّدات أمنية جعلتها الأقوى في محيطها. وأمام طموح نتنياهو، تقف الوساطة المصرية متأرجحة وبحاجة لزَخْم إقليمي ودولي هائل كذلك الزخم الذي سبق خطة ترامب لوقف إطلاق النار في غزة.
ومما رشح من معلومات، وجود ضوء أمريكي لرفع تل أبيب مستوى نشاطها في لبنان؛ ليتم إعداد خطة أمريكية صارمة تُفرض بقوة النار. وفي مسألة الزخم الإقليمي ثمة تراجع خليجي واضح عن دعم الاقتصاد اللبناني في ظل المعادلة القائمة، ما يجعل الدور المصري في الوساطة ليس بالسهل مقارنةً بملف غزة.
موسكو والعودة إلى سوريا :
استكمالًا لخطوات الحكومة السورية تطبيع علاقاتها مع موسكو، قام أمين عام الرئاسة السورية ماهر الشرع (الذي يعرف اللغة الروسية جيدًا وسبق له الإقامة الطويلة في روسيا)، ووزير الدفاع مرهف أبو قصرة بزيارة إلى موسكو.
ويأتي اللقاء في إطار سعي الطرفين لإتمام تطبيع العلاقات عبر خوض نقاش فني موسع. وتشي زيارة ماهر الشرع التي تبعت زيارة الرئيس أحمد الشرع لموسكو قبل أسبوع، بأن دمشق تعطي أهميةً كبيرةً للعلاقات مع موسكو، لا سيّما في ظل تأكيد أحمد الشرع ومن بعده شقيقه ماهر على مبدأ الاعتراف بالاتفاقيات المبرمة سابقًا بين البلدين.
ثمة توافق بين الطرفين على مسألة إبقاء اتفاقية تنقيب موسكو عن الطاقة في الساحل السوري قائمةً، كما أن هناك تناغمًا بينهما في مسألة استمرار نشاط القواعد الروسية العسكرية في سوريا على أملٍ من الحكومة السورية أن يكون هناك إقبال روسي على الدخول في معترك الصراع الدولي الدائر على النفوذ في سوريا.
أما حفاظ الحكومة السورية على توازن العلاقات بين الطرفين لأبعد مستوى، فهو أمر يبقى ضروريًا لا محالة؛ إذ الهدف هو الاستعانة بموسكو في إتمام مصالحات داخلية مع المكوّن العلوي وقسد من جهة، ودفع موسكو نحو تفعيل خطوط نقل الطاقة من دون تأثير كبير في طبيعة المعادلة الدولية من جهة أخرى.
وعن الموقف التركي حيال الدور الروسي في سوريا، فـ بطبيعة الحال تجمع أنقرة مصلحة مطلقة مع دمشق وموسكو في اجتراح آلية لوقف الهجمات الإسرائيلية، ويمكن لموسكو تنسيق الأمر مع تل أبيب خلال تواصل ثنائي بينهما يحدد طبيعة الانتشار الروسي هناك وأهدافه، على أن يكون على رأس هذه الأهداف: منع الجماعات المرتبطة بإيران من الاقتراب من الحدود مع تل أبيب.
لكن في المقابل، يزيد التوجه نحو الاستفادة من موسكو لمعادلة النفوذ مع الكتلة الغربية من عدد الدول الفاعلة في سوريا، مما يُرسّخ معادلة التقاسم الجغرافي التي كانت واقعةً في عهد نظام الأسد.
وساطة بين إيران وسوريا :
تُتداول أنباء عن وصول وفد عراقي دبلوماسي أمني إلى دمشق في 19 تشرين الأول/ أكتوبر المنصرم، لعرض الوساطة لإعادة تطبيع العلاقات السورية الإيرانية.
من ناحية القدرة، فإن الجانب العراقي كان له دور إيجابي في لعب دور وسيط فاعل بين طهران والرياض قبل 3 أعوام، لذلك وبالنظر إلى أن موقعه الجغرافي يتوسط إيران وسوريا، فإنه الأكثر أهلية للقيام بهذه الوساطة لفتح قنوات اتصال مباشر بين طهران ودمشق من البداية، وجدولة الديون التي منحتها طهران للبنك المركزي السوري بشكل رسمي، وبلغت 5.6 مليار دولار من عام 2013 حتى عام 2018.
وفي المرحلة الحالية من الممكن أن يُفتح خط تواصل وتطبيع دبلوماسي بين البلدين، لكن من دون مناقشة أي نقطة أخرى أكثر طموحًا؛ تجنبًا لردود فعل سلبية قد تطرأ من لدُن الطرفين الأمريكي والإسرائيلي.
تطبيق اتفاق غزة في انتظار المرحلة التالية :
وفي الشأن الفلسطيني، ظهر تلاعب تل أبيب بتنفيذ بنود المرحلة الأولى من الاتفاق واضحًا، إذ ترفض فتح معبر رفح حتى الآن، واتجهت نحو تخفيض معدل دخول الشاحنات، مع المنع من إدخال الخيام والمواد الإغاثية الأساسية الأخرى اللازمة.
من الواضح أن تل أبيب تسعى لتثبيت وقف الحرب في غزة وفق خطة ترامب القائمة على إنشاء وصاية دولية تضمن نزع السلاح وترويض أي حراك مقاوم في غزة. تُدرك حماس هذه الخطوة، وقد عبرت عن موقفها منها بوضوح في معرض ردها على خطة ترامب من البداية، حين أعلنت رفضها فكرة إدارة غزة من قبل مجلس استشاري دولي، كما أنها ربطت تسليم السلاح بمبادرة موسعة حول حل القضية الفلسطينية.
أما الموقف التركي من الاتفاق في غزة، فيُستنبط من تصريحات المسؤولين الأتراك رفيعي المستوى، حيث إنهم يلقون باللوم على تل أبيب باختراق الاتفاق، وهذا يشي بأن أنقرة ترمي إلى الاستجابة لطموح حماس نسبيًا في إطارٍ يمكّن أنقرة من نشر جهاتٍ مدنيةٍ وقواتٍ عسكريةٍ تتبع لها في غزة، مما يمنحها نفوذًا موسعًا في التأثير على تحركات تل أبيب في غزة وسوريا على حدٍ سواء؛ أي كسب ورقة في غزة للضغط من خلالها على تل أبيب في سوريا.
يعتمد الجانب التركي على تنسيقه مع واشنطن في ملفات أخرى في سبيل إقناعها بتوزيع أفضل للأدوار في غزة وعموم المنطقة لتحقيق استقرار طويل الأمد. لكن ذُكر مؤخرًا تحضير واشنطن لطرح خطة تشمل نشر قوات دولية إندونيسية وأذربيجانية ومصرية في غزة، من أجل إنجاح عملية وقف إطلاق النار. أما القوات الأذربيجانية فترى واشنطن أنها يمكن أن تكون عنصرًا موازنًا بين طموح أنقرة ورفض تل أبيب؛ انطلاقًا من أن باكو لها علاقات استراتيجية مع الطرفين التركي والإسرائيلي.
أبدت تل أبيب تحفظها الصارخ حيال أي دور تركي، وفي الحقيقة يبقى الأمر الميداني بيدها في لعب أنقرة دور مدني أو أمني، وذلك ما لم يكن هناك ضغط أمريكي فعلي في صدد لعب أنقرة الدور الذي تنشده.
وفي ضوء المعادلة القائمة، فإن الوضع في غزة متجه نحو ضرب تل أبيب حصارًا على القطاع دون حرب، وكذلك تعطيل مسار الإعمار؛ ليكون ذلك أداة ضغطٍ بيدها أمام كافة الأطراف الأخرى، بما فيها واشنطن، على أن يوازي هذا تعزيز التمدد الاستيطاني في عموم الضفة، تمهيدًا لضم أجزاءٍ موسعةٍ منها، في سعي من حكومة نتنياهو لتحقيق مكاسب سيادية تبيّن للمجتمع الإسرائيلي أن حكومته لا تخضع بالمطلق لواشنطن.
الأردن وقضية الماء :
على صعيد استراتيجي، تحاول السلطات الأردنية الاستغناء عن كون إسرائيل مصدرًا لها للمياه بإقامة عدة مشاريع للتعاون الإقليمي والدولي في هذا المجال، بدءًا بعقد اجتماعات متتابعة مع الجانب السوري لإعادة تفعيل اتفاقية توزيع مياه حوض اليرموك المؤرخة بعام 1987، وهناك لجان فنية مُشتركة تعمل فعلًا على تحقيق ذلك. يحصل الأردن على 50 إلى 60 مليون متر مكعب من المياه من إسرائيل، في حين يبلغ مجموع الحاجة الأردنية للمياه ما يقرب المليار متر مكعب سنويًا.
وفيما توفر اتفاقية توزيع مياه حوض اليرموك 300 مليون متر مكعب من المياه للأردن في حال تفعيلها، فإن مشروع صندوق المناخ الأخضر الذي سيتم تنفيذه هناك بتحلية مياه البحر الأحمر، يوفر للأردن 300 مليون متر مكعب أخرى سنويًا.
التوجه صوب تفعيل اتفاقية توزيع حوض اليرموك ومشاريع تحلية مياه البحر وحفر بعض الآبار الجوفية؛ كلها معًا كفيلة بأن تضمن للأردن استغناءً شبه كامل عن المياه الإسرائيلية، على أساس توفر إرادة سياسية أردنية للمُضي قدمًا نحو تفكيك أي تبعية اقتصادية للجانب الإسرائيلي سواء في المياه أو الغاز.
ولعله قد ظهر أن تل أبيب قاسم مشترك في أحداث الإقليم، ولكنها قاسم مشترك سلبي وعدواني ضد الجميع، وبدا أيضًا أن تل أبيب نجحت في فصل الجبهات العربية بعضها عن بعض، والانفراد بها واحدة واحدة، مما أضعف مواقف الأطراف العربية في مواجهة الأخطار المحدقة بها بصورة عامة.



