موجز سياسي

موجز سياسي تحليلي: مصر ودول شمال أفريقيا

مع التجاور الجغرافي بين مصر والمغرب الكبير، إلا أن الوجهة العامة للأحداث في المنطقة لا تزال تُظهر تفاعل الخارج مع دول الإقليم أكثر من التفاعل بين هذه الدول نفسها بكل أنواعه. كما أن التفاعلات الداخلية في بعض أقطار هذا الإقليم الشمال أفريقي تبدو داخلية خالصة، إلا أنها مستندة في الحقيقة إلى صراعات وتدخلات خارجية في الأساس، كما هو حال تونس.

أزمة مصر في غزة:

في خضم ما تراقبه القاهرة من تظاهرات أمام سفاراتها في العالم بتهمة “المشاركة في حصار غزة”، وفي ظل عمل نتنياهو على احتلال غزة كلاً أو جزءًا، وصفت القاهرة الوضع في القطاع لأول مرة منذ بدء العدوان بأنه “إبادة جماعية”، وهذا يعكس شعور القاهرة بالضغط خوفًا من حدوث حراك شعبي داخلي بعد تداول عدة منصات بأن القاهرة “شريك في الحصار”، وسواء كانت القاهرة شريكًا في الحصار أو لم تكن، فإن الاتجاه نحو احتلال القطاع يعني إلغاء الدور المصري في القضية الفلسطينية بأسرها مقابل إفساح المجال لقوى دولية وعربية أخرى؛ كالولايات المتحدة والإمارات والسعودية، للعب دور مباشر أو غير مباشر في القضية بديلاً لمصر.

ومن ناحية عسكرية، رفعت القاهرة من معدل وكمية انتشار قواتها في سيناء على نحوٍ يتجاوز الالتزام باتفاقية كامب ديفيد، وعلى الأرجح جاء هذا ردًا على استمرار احتلال معبر رفح من الجانب الإسرائيلي بما يخالف بروتكول 2005. ومن شأن هذا التحرك المصري أن يمنع التهجير الجزئي باتجاه مصر، لكن لن يكون له تأثير في مسار إعاقة التهجير عمومًا، حيث يمكن أن تستعيض تل أبيب بمطاراتها أو طريق الأردن؛ كما يتم بشكل فعلي في الوقت الحالي عبر برامج لم الشمل.

من ناحيةٍ أخرى، تحبط الأزمة الاقتصادية للقاهرة تحركها الحيوي والمناوئ للتحركات الأمريكية الإسرائيلية، حيث إن أزمتها الاقتصادية تجعل تحركها الدبلوماسي ضد السلوكيات الإسرائيلية محدودَ القدرة والفاعلية.

أيضًا يُشار إلى أن القاهرة لديها حسابات لمصالحها في ليبيا والسودان وحوض البحر الأحمر وفي ملف سد النهضة، لذلك تحاول رغم كل المخاطر البقاء دون خط التصعيد الصارخ ضد تل أبيب وواشنطن، بل ثمة أملٌ سارٍ حتى الآن لدى القاهرة باجتراح واشنطن مبادرة تراعي فيها الدور التاريخي للقاهرة، ويُستدل على ذلك بمواصلة القاهرة الالتزام بمواد كامب ديفيد الأخرى، وفي الوقت ذاته سماحها لبعض السفن المتجهة نحو إسرائيل باستخدام موانئها، فضلاً عن تجديدها مؤخرًا اتفاقية استيراد الغاز من إسرائيل بسعر 0.27 دولار للمتر المكعب الواحد، واستمرارها في تقديم مبادرات للحل في القطاع.

اتفاقيات اقتصادية بنكهة سياسية:

وقّعت حكومة الجزائر 5 عقود تجارية مع 4 شركات أجنبية مختلفة؛ سويسرية ونمساوية وصينية وإيطالية، لمنحها رخصة التنقيب عن النفط في سواحلها وفق مبدأ تقاسم الإنتاج.

وفي تفاصيل الاتفاقيات ظهر أن الشركات السويسرية والنمساوية تحقق للجزائر مبدأ التوازن في توزيع الاستثمارات؛ إذ إنها تكون في العادة من الشركات متعددة الجنسيات التي تخدم مصالح أطراف عدة. وأما التعاون مع الشركات الصينية فيعبر عن توجه الجزائر نحو عدم وضع كل بيضها في سلة الشركات الغربية. وأخيرًا يحقق التعاون مع الشركات الإيطالية الرغبة الجزائرية في إظهار حجم الخسارة التي تتحملها باريس في حال استمرار أزمتها مع الجزائر.

تونس تختنق:

في تونس، لأول مرة يتجه الاتحاد العام التونسي للشغل –أكبر منظمة نقابية في تونس– نحو مساندة الإضراب في عدة قطاعات؛ أبرزها قطاع النقل البري العمومي. وعلى أرض الواقع أحدث الإضراب شللاً فعليًا في حركة النقل، وهو ما أظهر مدى تأثير النقابات في الحالة السياسية التونسية عند تحركها.

تحرك اتحاد الشغل جاء اعتراضًا على ما سُمي بإجراءات غير دستورية يتخذها الرئيس قيس سعيّد، وكذلك اعتراضًا على عدم تجاوب وزارة النقل في تحسين الظروف المادية والمهنية للعاملين في قطاع النقل الحكومي. وبدلاً من إعلان وزارة النقل توجهها نحو اتخاذ إجراءات إصلاحية، اتهمت اتحاد الشغل بتغليب المصالح الشخصية على المصلحة العامة، ما حدا بالاتحاد إلى تمديد فترة الإضراب لتصبح يومين بدلاً من يوم واحد.

ويمر الاقتصاد التونسي باختناقة اقتصادية بدأت تحرك بعض الشباب للتظاهر في مناطقهم، وأدت إلى تململ لدى الموظفين الحكوميين الذين باتوا يشاركون في الإضرابات المتكررة، فضلاً عن تسببها في زيادة الدين العام الذي يزيد من خشية المستثمر الأجنبي القدوم إلى تونس.

وقد جاء تحرك اتحاد الشغل بعد أن ساعد السلطة الحالية قبل 4 سنوات في التخلص من حركة النهضة تحت مظلة من الخصومة الأيديولوجية، ولهذا السبب فإن بعض المحللين يشككون في طبيعة هذا التحرك وأهدافه، وهل يصب في مصلحة تونس فعلاً، أو يبحث الاتحاد به عن نصيب من الكعكة التي يريد النظام ابتلاعها وحده؟

المغرب والجزائر تقارب أم تباعد؟

وفي سياق منفصل، تأتي دعوة الملك المغربي محمد السادس إلى إجراء محادثات شاملة مع الجزائر في إطار شبه دوري؛ إذ يُنادي الملك بهذا الأمر في كل مناسبة. أما الجانب الجزائري، فتحاشى إصدار أي تصريح رسمي حيال المبادرة.

على الأرجح، ينبع التجاهل الجزائري لمبادرة الملك من عدم رسم هذه المبادرة أي خطوط تفصيلية فنية للخلافات القائمة بين الطرفين؛ سواء في ملف الصحراء الغربية، أو الخلافات الحدودية، أو طبيعة التوجه المغربي حيال الأطراف التي تتهمها الجزائر بالتأثير سلبًا في أمنها الوطني؛ ولا سيّما أبو ظبي.

وكان لافتاً للنظر قبول الرباط انخراط أبو ظبي في “المبادرة الأطلسية” لتمديد خطوط نقل الطاقة والسلع، وهو الأمر الذي ترى فيه الجزائر تحديًا جيو-استراتيجيًا يوجب عليها اتخاذ عدة إجراءات وقائية عبر التعاون مع دول أفريقية وغير أفريقية في سبيل تقليص فرص نجاح “المبادرة الأطلسية” بشكلٍ فعلي، لا سيّما في ظل تجاهل موسكو للتعاون مع الجزائر جراء خلاف رؤية الطرفين حيال الوضع في مالي، فضلاً عن عقد الرباط تعاونًا أمنيًا عسكريًا مضطردًا مع واشنطن وتل أبيب، الأمر الذي تنظر إليه الجزائر على أنه تعاون قطبي يخفض من مستوى نفوذها في محيطها، ويؤثر سلبًا في مصالحها.

أيضًا، تصب الجزائر جهدها الدبلوماسي في الوقت الحالي على التوتر القائم مع باريس؛ إذ لا أفق بين الطرفين الفرنسي والجزائري، لتصويب العلاقات، بل على العكس لا تزال الغيمة السوداء مهيمنةً على العلاقات بين الطرفين جراء اعتقاد الجزائر بتجاهل باريس لمصالحها في حوض المتوسط وأفريقيا.

الليبيون في أنقرة:

عُقدت في إسطنبول قمة جمعت رئيس حكومة طرابلس عبد الحميد الدبيبة، بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجا ميلوني، بمبادرة شخصية من الدبيبة. تأتي القمة في وقتٍ كان الدبيبة قد حاول فيه التوجه نحو الانفتاح على تل أبيب لطلب مسيّرات، لكن مبادرته بعقد قمة في إسطنبول تشي بإدراكه عدم وجود فرصة لنجاح الانقلاب على التحالف القائم مع أنقرة تعتزم الانتشار في جنوب ليبيا والعمل على إطلاق مبادرة لتوحيد مؤسساتها قدر الإمكان.

إلا أن أنقرة لم تشأ أن تتحرك في الملف الليبي منفردةً، بل ذهبت نحو التنسيق مع القاهرة وروما، وفي الوقت ذاته فتحت مؤخرًا علاقاتٍ قويةً مع حفتر والحكومة المنبثقة عن البرلمان الليبي، وذلك سعيًا للحصول على تصديق البرلمان على مذكرة تفاهم ترسيم الحدود البحرية لتصبح اتفاقية نهائية.

نجم عن الاجتماع الثلاثي بأنقرة تشكيل مجلس تنسيقي بين أطرافه لتدارس الهجرة غير النظامية، والعمل على تحقيق الاستقرار في ليبيا عبر توحيد المؤسسات؛ إذ يضمن هذا المجلس للدبيبة مواصلة حكومته التعاون على صعيد دولي دون غياب كامل عن المعادلة، وذلك حتى يكون هناك توافق ليبي – ليبي فعلي بشأن إجراء انتخابات شاملة.

خلاصة:

من اليسير أن نلاحظ حركية واضحة في التحالفات التي يشهدها هذا الإقليم؛ سواء من جهات اقتصادية أو زوايا سياسية، مع تبادل التأثير بينهما في كل حال. والحضور القوي للخارج في المشهد المصري والجزائري والمغربي والليبي لا تخطئه العين، وهو ما يشير إلى أزمة المنطقة الحادة، أو على الأقل: عدم اكتفائها ذاتيًا لا سياسيًا ولا اقتصاديًا، وربما يؤكد عدم التفات بعض دول المنطقة إلى قدرة بعضها الآخر، وإمكان أن تكون التحالفات بينها بديلاً عن الخارج، ولو في بعض الملفات والمشروعات الاقتصادية والعسكرية والسياسية.

جميع الحقوق محفوظة لدى برق للاستشارات©2025

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى