تقدير موقف

سلاح المخيمات الفلسطينية في لبنان .. توطين أم انتزاع

ضمن الترتيبات الجديدة في لبنان منذ انتخاب رئيس للدولة في يناير الماضي، وتشكيل وزارة جديدة لها في فبراير، وضمن ملفات المنطقة المفتوحة على خيارات عدة في سياق العدوان وتداعيات العدوان الإسرائيلي على غزة وغير دولة من دول المنطقة؛ يأتي ملف السلاح في المخيمات الفلسطينية بلبنان؛ فما الذي يجري في هذا الملف؟ وما الذي تسعى إليه السلطة الفلسطينية في رام الله بالتعاون مع الحكومة اللبنانية في حق هذا السلاح؟

مع أن حصر السلاح في مؤسسات الدولة ذات الصلة (الجيش اللبناني) أمر طبيعي تمامًا، إلا أن من غير الطبيعي أن يأتي هذا بإملاء من الخارج، وفي ظرف أمني حساس يتهدد سلامة الدولة والمواطنين في لبنان، وبصورة تستهدف في الأساس أطراف الاشتباك مع الاحتلال الإسرائيلي، بدءًا بحزب الله، ثم حلفائه في المخيمات الفلسطينية، إلى آخر التشكيلات اللبنانية وغير اللبنانية التي تقتني سلاحًا.

وقد بدا في التعاطي مع ملف سلاح المخيمات أنه معزول عن ملف سلاح حزب الله، إلا أن الصلة بينهما واضحة وتؤكد أنهما ملف واحد تقريبًا، وإن تقاسمت الحديث عنه أطراف عدة، واختلفت مستويات التشدد فيه من قبيل إلى آخر. والحرصُ على الفصل بين السلاحين اللبناني والفلسطيني يرجع إلى حساسية المسألة أولاً، وإلى عمل المؤيدين للوضع الحالي على الحيلولة دون تأثير موقف من هذا الموضوع على آخر سلبًا؛ أي أن الاتفاق الوارد على تسليم أي سلاح لا يعني أن الباقي سيسلمون سلاحهم بالضرورة.

حدث كاشف:

أظهر ملف السلاح الفلسطيني في لبنان جانبًا من التناقضات الكبيرة التي تنطوي عليها حركة فتح، التي تُعَد تاريخيًا أهم فصيل في منظمة التحرير الفلسطينية؛ إذ جاء الخلاف على جمع سلاح المخيمات خلافًا حديًا على مستوى قاعدة الحركة وقيادتها على السواء، وبدا أن فلسطينيي لبنان في عمومهم متمسكون ببقاء السلاح في يد المخيمات، في حين أن سلطة رام الله تبنت الرأي المناقض، وهنا ظهرت أمارات الشقاق الخفي داخل فتح ومنظمة التحرير على الساحة اللبنانية.

وبدا أن الأمر أشبه بعملية جراحية تحتاج إلى أعلى المستويات السياسية لكي تتم بأقل الخسائر، فاجتمع محمود عباس بالرئيس اللبناني جوزيف عون في مايو الماضي، واتفقا معًا، بدون أي مشاورات من عباس لقيادات حركة فتح ولا غيرها من الفصائل، على جمع السلاح الفلسطيني من المخيمات، وتركه “وديعة” لدى الجيش اللبناني، وغُلِّف ذلك بالتأكيد على حق الدولة اللبنانية في السيادة على جميع أراضيها، وحصر السلاح بلبنان في يدها.

وقد ظهرت في اللقاء بصمات سعودية تدعم بقوة فكرة حصر السلاح في لبنان عمومًا في يد الجيش؛ لتقوية الدولة اللبنانية على حساب حلفاء إيران والمقربين منها.

وعلى الرغم من تشكيل ما يسمى “اللجنة اللبنانية الفلسطينية المشتركة” لنزع السلاح الفلسطيني في لبنان، فقد بدا أن الطرف اللبناني أوكل جمع السلاح الفلسطيني إلى الفلسطينيين أنفسهم؛ نظرًا لحساسية الموضوع، وحتى يبدو الخلاف شأنًا خاصًا بالبيت الفلسطيني، أما الحكومة اللبنانية فاكتفت بالتصريحات المؤكِّدة على عموم حصر السلاح؛ إذ يهمها الوصول في النهاية إلى نتيجة واحدة هي نزع السلاح من جميع التنظيمات، وتحقيق ما اتُّفق عليه في لقاء عباس عون، وقبل ذلك في ورقة الإعلان الأميركي- اللبناني المشترك التي أقرها مجلس الوزراء اللبناني، وتنص على حصر السلاح في يد الجيش، أي نزعه من كل من بحوزته سلاح في داخل حدود الدولة؛ لبنانيًا كان أو غيره.

سلاح فتح قدوة:

جاء التوجه الفلسطيني في علاج الموقف وكأنه يقدم جمع السلاح من حركة فتح أولاً نموذجًا لبقية الفصائل الفلسطينية، فلا يبقى لأي منها حجة للامتناع عن تسليم سلاحه كما كانوا يعتقدون. إلا أن ما يشبه الإجماع الفتحاوي في لبنان على عدم التجريد التام من السلاح، والاكتفاء بتنظيمه، أو اختيار أي سلوك آخر لا يجعل المخيمات وسكانها فريسة لأي صراع سياسي قادم كما حصل في الماضي؛ هذا كله جعل تنفيذ قرار السلطة في هذا الموضوع في هذه الأجواء مستحيلاً تقريبًا.

من هنا سعت السلطة إلى تبديل الوجوه الفتحاوية على الساحة اللبنانية؛ ظنًا منها أنه إجراء كاف للمضي في تنفيذ القرار، وتُرجِم ذلك في صورة إهمال وتغيير لقيادات العمل الفلسطيني السياسي والمدني في المخيمات وفي عموم لبنان، ووضع شخصيات بديلة عنهم تتبنى رؤية عباس للمسألة.

إلا أن ما لم يدركه أصحاب قرار نزع السلاح هو أن هذا الرأي ليس رأي القيادات الفلسطينية القديمة في لبنان وحدهم، بل هو قبل ذلك رأي الشارع الفلسطيني هناك عمومًا؛ في بيئة تتغير رياح السياسة فيها من وقت إلى آخر، وكثيرًا ما تحول خلافها في الماضي إلى اقتتال وحرب أهلية لم يكد يسلم منها فصيل أو حزب فلسطيني أو لبناني.

وحفظًا لماء وجهها أولاً، ثم تجاوزًا للصدع داخل حركة فتح اتجهت السلطات الأمنية في رام الله إلى إخراج مسرحي لتسليم سلاح فتح، وحضر الحدث المنتظر خمسون مراسلاً صحفيًا أجنبيًا وعربيًا، مع عدد كبير من القيادات الأمنية للسلطة، واستعد الجميع للحدث المهم، فإذا بسيارة متوسطة الحجم قد مُلئت بالسلاح في برج البراجنة، وأُعلن عن أن الجيش اللبناني سيتسلمها، ثم تبعتها سيارة مماثلة، وأظهرت بعض وسائل الإعلام صورة على مدخل أحد المخيمات، وأنها من السلاح الذي سيتم تسليمه إلى الجيش اللبناني.

لكن هذه الطبخة الإعلامية، لم تبد مقنعة لأحد، لا في فتح ولا خارجها، وكانت الفصائل الفلسطينية من جهتها قد عبرت عن أن ما يجري هو شأن فتحاوي خالص، ولا شأن لها به، وبدت متمسكة ببقاء السلاح في المخيمات، وأكدت أنه لا ينبغي أن يوجه بأي صورة للإضرار بالدولة اللبنانية.

توطين أم انفراد؟

إصرار مخرج المشهد الفلسطيني في لبنان على أن يظهر أن حركة فتح قد سلمت سلاحها، يعني أحد أمرين:

  • أن العجز عن نزع سلاح فتح -الأقدم وجودًا في المخيمات- لا ينبغي أن يمنع من جمعه من أيدي الفصائل الأخرى؛ إذ بقاء فتح وحدها مسلحة ومتحالفة مع الدولة اللبنانية في السيطرة على بقية الفصائل الفلسطينية التي تضمها المخيمات، هو أحد الحلول لإشكالات الواقع الفلسطيني في لبنان.
  • والأمر الثاني أن نزع السلاح الفلسطيني من جميع الفصائل والمخيمات لا رجعة عنه، وتأجيله لا يعني إلغاءه، بل نُقل الحدث إلى ظرف آخر يكون أكثر ملاءمة، وربما يكون هذا مقدمة لتوطين الفلسطينيين في لبنان، وهي من الخدمات الكبرى للمشروع الصهيوني؛ لأنه إلغاء لحق عودة مئات الآلاف من الفلسطينيين إلى وطنهم مقابل الجنسية اللبنانية وبعض فرص العمل، ومن لم ينسجم مع هذا الحل، فأمامه فرص للهجرة إلى أماكن أخرى من العالم.

خاتمة:

إن ملف سحب السلاح من المخيمات الفلسطينية في لبنان هو قضية معقدة تتقاطع فيها الخيوط الداخلية والإقليمية والدولية. تتعارض رغبة السلطة الفلسطينية والحكومة اللبنانية، المدعومة من دول عربية، في حصر السلاح بيد الجيش مع رفض شعبي وفصائلي فلسطيني، خوفًا على الأمن ورفضًا للتوطين. المحاولات الفاشلة، مثل التسليم المسرحي لسلاح فتح، كشفت عن هشاشة الموقف الرسمي وعمق الانقسامات. يُظهر هذا الملف أن أي حل حقيقي يجب أن يوازن بين سيادة الدولة اللبنانية والمخاوف الأمنية المشروعة للفلسطينيين، بعيدًا عن الإملاءات الخارجية والأجندات السياسية الضيقة.

جميع الحقوق محفوظة لدى برق للسياسات والاستشارات©2025

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى