موجز سياسي

موجز سياسي – إقليم بلاد الشام

كانت القضية الفلسطينية مركزًا وحيدًا للإقليم طوال عقود طويلة، لكن تطور الأحداث في سوريا ولبنان، وتشابك الخيوط في المنطقة عمومًا جعل الإقليم متعدد المراكز الملتهبة، من دون أن يقع الافتراق بين هذه المراكز، وكلُّها يُظهر أن مشكلة المنطقة الأساسية تتمثل في وجود الكيان الاستعماري الاستيطاني المسمى بـ “إسرائيل” وسوء التعاطي معه من قبل حكومات المنطقة منذ عقود.

سوريا والطريق البري وإسرائيل:

عُقِد اجتماع سوري تركي أردني لتفعيل النقل البري في الإقليم بشكلٍ نشط، فبموازاة التحرك الإسرائيلي المعكِّر لصفو الاستقرار في سوريا، تتبنى الدول التي تعطي أولوية لتعزيز الاستقرار فيها عدة مشاريع اقتصادية للقيام بعمل مترابط ومتبادَل الفائدة بين عدة أطراف دولية؛ على نحوٍ يؤدي إلى الضغط على تل أبيب للتوقف عن نشاطها العسكري أو تخفيفه في سوريا.

ما يلوح في الأفق يؤكد أن تل أبيب تنظر إلى جنوب سوريا وصولاً إلى دمشق وحتى ما بعدها؛ على أنها منطقة أمنية مستباحة لغاراتها الجوية وتوغلاتها البرية، انطلاقًا من مقاربة إسرائيلية أمنية قديمة، لكنها تجددت بقوة بعد عملية “طوفان الأقصى”، وتقوم على أنه لا بد من اتخاذ إجراءات استباقية وقائية ضد أي قوة مهدِّدة لها في محيطها.

وفي ظل وجود الدعم الأمريكي المطلق لاستراتيجية الضربات الاستباقية الوقائية لا يبقى أمام الدول الداعمة للاستقرار سوى تبني سياسات أمنية واقتصادية تعزز حضورها في سوريا؛ سعيًا إلى تحقيق تكاتف إقليمي يتحلى بإرادة سياسية تُبرز للجانبين الإسرائيلي والأمريكي مناورات موازية توازن شيئًا من تحركاتهما قدر الإمكان.

ومن ناحية تقنية، فإن مبادرة أنقرة تتضمن بشكلٍ أساسي ربط أوروبا بالخليج عبر أراضيها والأراضي السورية والأردنية في مسار نقل بري يوفر بديلاً عن طريق باب المندب المحاط بالمخاطر في الظروف الحالية. وقد كانت هذه الطريق توفر قبل اندلاع الثورة السورية فرصةً لنقل 40٪ من الصادرات التركية و21٪ من الصادرات الأوروبية إلى الخليج، وبالتالي فإن تفعيلها من جديد يعني إعادة إحياء القوة الكامنة لها.

أيضًا تحاول أنقرة تخفيف تكلفة النقل البري عبر تمديد سكك حديدية تشمل المدن السورية المحاذية لتركيا في المرحلة الأولى، وبعد نجاح هذه الخطوة يُتوقع تمديد هذه السكك حتى درعا، حيث الحدود مع الأردن، على أن يتم ترتيب هذه الخطوة على هامش اجتماع على مستوى وزراء النقل والمواصلات من الدول الثلاث يتم التحضير له.

استثناءات الانتخابات السورية:

قررت اللجنة العليا للانتخابات في سوريا عدم إجراء الانتخابات البرلمانية في الحسكة والرقة والسويداء، وقد جاء ذلك في إطار سلبي تمامًا؛ إذ يمثل إذعانًا من الحكومة المركزية لقوى سيطرة الأمر الواقع التي تمثلها مليشيا الهجري في السويداء، وقسد في الحسكة والرقة.

وبديلًا عن الانتخابات تطرح اللجنة خيار تعيين نواب عن هذه المحافظات من قبل الرئاسة، وهذا فيه ذريعةٌ لقوى سيطرة الأمر الواقع للمراوغة أو المغالطة بأن دمشق تُصادر حق أهلها في اختيار من يمثلهم.

على أن ترك مقاعد هذه المحافظات شاغرةً ليست الطريقة المُثلى للتعاطي مع الموضوع، بل إن التنسيق مع قوى الأمر الواقع مرةً ومرة، ومن ثم وضع صناديق اقتراع في مناطق قريبة من هذه المحافظات، والدفع بأهليها الراغبين في التصويت بالقدوم إلى مقرات الانتخاب القريبة منها، أو التصويت إلكترونيًا؛ هو الخيار الأفضل في سبيل إظهار حرص دمشق على الحكم المركزي المحتضن لكافة المواطنين السوريين مهما تكن الظروف، والتأكيد على جهة المشروعية في الدولة متمثلةً في الحكومة.

ومن الناحية العملية فإن إحداث اختراق في المناطق الجغرافية التي تسيطر عليها قوى الأمر الواقع؛ الهجري وقسد، عبر إجراء الانتخابات مهما كانت الظروف، نقطة غاية في الأهمية لترسيخ نهج شيشنة “تفتيت” الظهيرين السياسي والشعبي لقوى الأمر الواقع، وترسيخ مسار سياسي مواز لها.

ومع هذا، فإن إظهار الحكومة السورية توجهًا إصلاحيًا بنقل قائد الأمن الداخلي في الجنوب أحمد الدالاتي، إلى الغوطة، وتعيين العميد حسام الطحان بدلاً منه، يحمل في طياته توجهًا إيجابيًا لتثبيت صورة حسنة للحكومة السورية لدى فئات المكون الدرزي التي تدعم الحكم المركزي، وتزيد هذه الصورة نصاعةً باعتقال المسؤولين عن الانتهاكات، سواء في الساحل أو السويداء. فالمحاسبة والشفافية، وتغليب نهج الدولة الجامعة على نموذج تغول الفوضى العشوائية، وكذلك مشاركة أطياف الشعب المختلفة في الحكم؛ كلها عوامل تؤسس لنظام حوكمة صحي قريب لفكرة الدولة المجافية لحكم اللون الواحد ضد الفسيفساء المجتمعية المتنوعة.

لبنان والسلاح خارج سياق الدولة:

جدد زعيم حزب الله اللبناني نعيم قاسم رفضه تسليم السلاح دون تسوية واضحة مع الجانب الإسرائيلي، في وقت حل فيه توم براك ضيفًا على بيروت. اندفع قاسم في موقف الرفض انطلاقًا من عودة الدعم الإيراني الدبلوماسي النسبي، بالإضافة إلى الرغبة في تسوية الأمور بما يحفظ له ماء الوجه وبعض نفوذه السياسي؛ خاصةً أنه يُدرك أن الدعم الإيراني الأمني والعسكري بات من الماضي بعد كسر جسر الإمداد البري بسقوط نظام الأسد، لذلك فإن إظهار حزب الله للتعنت ليس مُطلقًا بهدف أن يعود نفوذه كما كان في السابق، ولكنه مرتبط على أقل تقدير بتسوية تقضي بانسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها بعد العدوان الأخير.

وفي مقابل موقف حزب الله، يبقى الفيتو الأمريكي مخيّمًا على أي مساعدات أو دعم مالي يصل إلى لبنان قبل أن تتم عملية تسوية سلاح حزب الله والفصائل الفلسطينية في المخيمات. نجاح الجيش بشكلٍ جزئي في جمع بعض الأسلحة من المخيمات الفلسطينية بتعاونٍ تام من قبل السلطة الفلسطينية، يعطيه – على الأقل – ورقةً إعلاميةً أمام الفيتو الأمريكي ليدفع برسالةٍ مضمونها: “تحقيق الأمر ممكن، لكن يحتاج إلى وقت وتسوية سياسية دون الانجرار إلى الانفجار”.

خطوة تمديد عمل قوة اليونيفيل لا تبدو كافية لرفع قدرات الحكومة اللبنانية على ضبط سلاح حزب الله، إذ اهتزت صورة الحكومة مرةً أخرى بإلغاء براك زيارته لمناطق في الجنوب اللبناني عقب إلقاء القوات الإسرائيلية منشورات تحذيرية للأهالي حول التعاطي مع مسؤولين من حزب الله، وغداة استهداف هذه القوات بعض الأهداف في كفر كلا ناجم، ما حدا ببراك إلى إلغاء زيارته، ليظهر أن الجانب الأمريكي مهتم فقط بمسألة تسليم حزب الله لسلاحه، دون النظر في أي آلية توقف تل أبيب عن انتهاك أمن لبنان.

ومع هذا فإن حزب الله اليوم في حالة قريبة لفقدان شرعية امتلاكه السلاح، وبالتالي في ظل وجود الضغط الدولي والإقليمي فإن الخيار الأكثر رجوحًا هو ميله إلى النظر في آلية لتسوية الأمور بالحد الأدنى القائم على انسحاب تل أبيب ووقف اختراقها الأجواء اللبنانية، مقابل تسليمه تدريجيًا سلاحه الثقيل في سياق جس نبض مدى مصداقية الجانب الإسرائيلي في الانسحاب من الأراضي التي يحتلها.

احتلال غزة وضم الضفة:

وفي قطاع غزة، وصل الاحتلال إلى منطقة الشيخ رضوان الواقعة وسط مدينة غزة. بالتوازي مع هذا، صدر قرار من قبل رئاسة الأركان الإسرائيلية بحشد 60 ألف جندي احتياطي، ما يسترعي الانتباه إلى السردية الواقعية بمعزل عن التركيز على ما يُشاع عن وجود تضارب بين رئاسة الأركان والحكومة حول احتلال غزة، إذ إن الأمر في هذا الصدد ينتهي برجحان قرار الحكومة السياسي مهما كان توجه الجيش.

في هذه الأثناء، عرض صهر ترامب ومستشاره السابق جاريد كوشنر، ورئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، خطةً على ترامب تتعلق باليوم التالي لتوقف العدوان على غزة. يُقرأ هذا العرض ضمن أعلى مستويات نشاط اللوبي المدفوع إسرائيليًا لعرض ما ترنو إليه الحكومة في تل أبيب على ترامب عبر مقربين منه لهم القدرة على إقناعه عبر علاقاتهم الشخصية.

وفق المرصود، فإن الخطة تتضمن احتلال إسرائيل الجزئي لغزة بهدف ضبط الأمور الأمنية هناك على المدى الطويل، وتشكيل إدارة مدنية من أطراف إقليمية متوافقة مع الهدف الأمني لتل أبيب، على أن يكون هناك منسق عام لهذه الإدارة، وطُرح اسم توني بلير للأمر بشكل مبدئي، وأخيرًا اعتماد آلية لتسهيل خروج من يرغب في الخروج من أهل غزة التي يمكن تطويرها اقتصاديًا.

وبالتوازي مع هذه الخطة التي تؤكد على أن تل أبيب ستمضي في إدارة القطاع سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة لفترةٍ من الزمن، يُناقش في أروقة الحكومة الإسرائيلية فكرة البدء بضم مدينة الخليل عبر فصلها عن السلطة الفلسطينية، والدفع نحو تنصيب إدارة محلية تتولاها العشائر، على أن يكون هذا ردًا على التوجه الدولي إلى الاعتراف بفلسطين من جهة، والنظر في تطبيقها بنجاح لتكون نموذجًا يُعمم تدريجيًا على مناطق أخرى في الضفة الغربية مستقبلاً – من جهةٍ أخرى.

الأردن والعودة إلى “خدمة العَلَم”:

وفي الأردن بات سُلّم الأولويات قائمًا على تحصين الجيش بقوة بشرية مكثفة بالعودة إلى نظام تجنيد المواطنين المُسمى “خدمة العَلَم”. تحمل هذه الخطوة في طياتها مقاربة أمنية أردنية تنم عن الشعور بتصاعد التوتر في الضفة بسبب خطط توسيع الاستيطان التي ستؤدي إلى حالة من عدم الضبط في ظل ضعف السلطة الفلسطينية وتشجيع الحكومة الإسرائيلية الفلسطينيين على الهجرة، وكذلك في ظل نمو التهديد الإسرائيلي العلني بتوسيع النطاق الجغرافي للدولة.

وأيضًا يمكن النظر إلى وجود خطر على الأمن الوطن الأردني من جهة الحدود مع السويداء بشكلٍ أساسي، حيث ترفض عمّان فكرة فتح حدود مع السويداء، وتخشى من حدوث خلل أمني على الحدود هناك في ظل عدم وجود جيش سوري يحمي الحدود.

وبالنظر إلى المقاربة المذكورة يتضح أن التحركات الأردنية دفاعية في المقام الأول؛ بمعنى أنها لا تنم عن توجه أردني استراتيجي جديد لزيادة الاعتماد على الذات أمنيًا وعسكريًا في سبيل رفع مستوى استقلالية القرار والإجراءات.

خاتمة:

تُظهر تفاعلات الأحداث في سوريا ولبنان والأردن أن أي استقرار مستقبلي في المنطقة رهن بموازنة النفوذ الإسرائيلي عبر سياسات أمنية واقتصادية تكاملية بين دول الإقليم العربية والإسلامية؛ فإن حل الصراعات الإقليمية يمر حتمًا عبر معالجة جذور الأزمة المتمثلة في خلل الإدارة العربية لملفات المنطقة وسوء التعاطي مع الكيان المحتل، وهي مشكلة مستديمة، إلا أن الواقع الحالي برغم تعقيداته وصعوباته يعطي مساحة جيدة للإعداد لحلول بتعاون أطراف المنطقة.

جميع الحقوق محفوظة لدى برق للاستشارات©2025

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى