موجز سياسي

موجز السياسة – مصر وشمال أفريقيا

يتناول هذا الموجز محاولات مصر استعادة دورها الإقليمي بما تعكسه عبر التدخل في الملف الإيراني النووي وترتيبات غزة، بالإضافة إلى أنه يسلط الضوء على مثابرة الجزائر على توظيف اقتصادها في خدمة أهدافها السياسية والدبلوماسية ومنافسة المغرب، وسط محاولته تفسير أسباب تراجع تظاهرات الجيل الجديد في المغرب بعد صخبٍ عارم.

وساطة مصرية في ملف إيران النووي:

بالتوازي مع دورها النشط في رعاية وقف إطلاق النار في غزة إلى جانب الدوحة وأنقرة، تمضي القاهرة قُدمًا في تعزيز حضورها بصفتها دولة إقليمية لها تأثيرها الملموس وحضورها القوي الإيجابي في شؤون المنطقة. مُضيّ القاهرة في هذا الصدد انعكس في محاولتها التوسط لإحياء الحوار بين طهران وواشنطن.

جاء في بيان لوزارة الخارجية المصرية ذات العلاقة بأن القاهرة تكثف جهود الوساطة على أعلى مستوى عبر متابعة وزير خارجيتها بدر عبد العاطي، هذه الجهود التي شملت تواصلاً نشطًا مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، والمدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي، ومبعوث الرئيس الأمريكي الخاص بالشرق الأوسط ستيف ويتكوف. وقد نجحت القاهرة بالفعل في الوصول بالطرفين؛ إيران والوكالة، إلى توقيع اتفاق مبدئي في 9 سبتمبر الماضي.

وموافقة إيران على هذا المسار تعكس قبولها باستمرار الوساطة المصرية التي تتمحور حول نشاط دبلوماسي حيوي يقرب وجهات النظر بين الأطراف، ويقترح مبادرات عملية تضمن التسلسل في عملية التفاوض على نحوٍ تظهر فيه القاهرة بأجندات إقليمية تُعاكس التوجه الإسرائيلي، وتليّن الموقف الأمريكي.

ومن جانب الرئيس الأمريكي ترامب فإنه يحبذ الحصول على أرضية جاهزة في هذه القضية، وهو ما استطاعت القاهرة توفيره بدفع طهران نحو القبول بتوقيع اتفاق تفاوض مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. كما أن التوجه الأمريكي الانعزالي عن منطقة الشرق الأوسط بعد تثبيت عدة نقاط بالقوة، يحتاج إلى قوى إقليمية تكمل ترسيخ منظوره للمعادلة، وهذا ما تحاول القاهرة تحقيقه عبر المناورة ضمن الهامش الذي صاغته لذاتها في المنطقة.

ومن ناحية تحقيق التوازن “النسبي” بين القوى الإقليمية بالتدخل في مثل هذه القضايا، سعت القاهرة قبل الحرب الإسرائيلية الإيرانية إلى سحب البساط نسبيًا من مفاعيل رؤية نتنياهو للمنطقة؛ تلك الرؤية التي بدا أنها قائمة على إنهاء نفوذ أي قوة إقليمية منافسة لتل أبيب. وعلى الرغم من الجهود المصرية، إلا أن الحرب الإسرائيلية الإيرانية وقعت على نحوٍ أكد أن الطرف الأمريكي كان يرمي إلى أن تكون المفاوضات مع إيران تحت الضغط الأقصى.

أما تصريحات ترامب بأن الجانب الإيراني قَبِل التنازل عن ملف التخصيب النووي، وتلقّي ويتكوف مكالمات هاتفية في هذا الخصوص، والتعبير عن استعداده للقدوم إلى القاهرة لمتابعة ملف التفاوض، فيُنبئان بأن الموقف الأمريكي أضحى مقتنعًا بأن الحرب على إيران آتت أكلها، وحان الوقت لقطف الثمار دبلوماسيًا بشرط تقديم طهران مزيدًا من التنازلات.

القاهرة ومسألة غزة:

في السياق المصري أيضًا، تستكمل القاهرة جهودها للحفاظ على تنفيذ خطة وقف إطلاق النار في غزة. كررت القاهرة دعوتها إلى الانتقال إلى المرحلة الثانية من الخطة للحفاظ على مكتسبات المرحلة الأولى. وبدت ملامح الموقف المصري تتجلى حيال مستقبل غزة، حيث ترمي القاهرة إلى رعاية عملية إعادة الإعمار عبر ترتيبها لمؤتمر بهذا الخصوص في تشرين الثاني/ نوفمبر القادم.

الملمح الثاني للموقف المصري يقوم على الرغبة في إنهاء حكم حماس، وتولية فريق فلسطيني تكنوقراطي الأمر بمساندة قوة دولية تقودها القاهرة أيضًا بمعزلٍ عن فكرة تعيين توني بلير.

الملمح الثالث للموقف المصري يكمن في فكرة القبول بالأمر الواقع، وهو ما يمكن تصنيفه بأنه سلبي يصب في مصلحة تل أبيب، وذلك بما أعلنته رئاسة الجمهورية المصرية من أن نتنياهو سيُشارك في التوقيع على الاتفاق حول غزة، لكن حال دون ذلك رفض بعض الأطراف الأخرى حضوره. أيضًا عودة مصر لفتح القنوات الدبلوماسية ذات العلاقة بالتنسيق الأمني والعسكري لسيناء، إذ ربطت القاهرة عودة فتح هذه القنوات بالتزام تل أبيب بالاتفاق وفتحها معبر رفح.

الجزائر والغاز السياسي:

بالتوازي مع مسعى الرباط لتوزيع الغاز الأفريقي عبر خطوط نقل ومحطات تسييل، تسير الجزائر نحو التأكيد للطرف الأوروبي أنها مصدر للطاقة وليست مركز توزيع له فحسب، وبالتالي فإن التعاون معها أنجع وأقل كلفة. عكست الجزائر سابقًا هذا التوجه بتوقيع اتفاقات تنقيب ونقل طاقة مع شركات هولندية ونمساوية وسويسرية، واليوم تنضم إلى هذه الكوكبة الشركة التشيكية CEZ التي أبرمت مع شركة سوناطراك الجزائرية اتفاقًا لتزويد جمهورية التشيك بالغاز، على أن يبدأ العمل بالاتفاق مباشرةً.

ويبيّن ربط الجزائر تفعيل العقد بخط نقل الغاز الرابط بين الجزائر وإيطاليا، توجهًا إلى تأسيس تشابك اقتصادي متعدد الأركان والأطراف مع الجانب الأوروبي، لتثبيت حضورها واستعادة مكانتها في هذا المجال.

وفي ذات الإطار، وقّعت شركة سوناطراك عقدًا مع شركة “مداد للطاقة” السعودية لتطوير مشروع غازيّ كبير جنوب شرق الجزائر، وهو ما يمكن إدراجه في مجال استكشاف الغاز والانخراط في تطوير مسارات نقله، حيث يمكن ربط ليبيا ومصر والسودان والكونغو الديمقراطية وأفريقيا الوسطى والكونغو وتشاد والنيجر ونيجيريا بهذا الخط الذي يوازي وينافس المسار اللوجستي الذي تسعى أبو ظبي للمشاركة فيه من ناحية النيجر ومالي وبوركينا فاسو باتجاه المغرب. ولكن بطبيعة الحال تبنّي الرياض هذه المبادرة بحاجة لجهد حثيث من الجزائر لإثبات الجدية وتقديم الضمانات لجعل هذا التعاون استراتيجيًا.

تراجع التظاهرات في المغرب:

بعد صخب امتد لأسابيع اتجهت التظاهرات الشبابية في المغرب إلى التراجع من دون تحقيق آمال التغيير الذي كانت تتطلع إليه، ويرجع هذا إلى عدم وجود قاعدة شعبية أو قيادة موجِّهة لهذه التظاهرات التي أطلقها جيل الشباب الذي يُقيَّم في علم الاجتماع بأنه متقلب الأفكار والتوجهات تأثرًا بعيشه ضمن قواعد عصر السرعة المعلوماتية الفائقة.

كما يعود هذا التراجع إلى الطبيعة الأمنية والمجتمعية للمغرب؛ إذ إن خطاب الملك يؤثر في نفوس جمهرة الشعب المغربي الذي يُبقي أمله حاضرًا بالملك وبالتالي يؤدي إلى تراجع زخم الشارع بعد أي خطاب للملك، بالتوازي مع تماسك مؤسسات الدولة الأمنية للتصدي لأي تظاهرة مضادة للحكومة.

أما توقيع موسكو والرباط مذكرة تفاهم لاستحداث لجنة عمل بين وزارتي خارجية البلدين، فيندرج ضمن هدف الرباط لتعزيز موقفها الحيادي في خارطة العلاقات الدولية. هدفٌ تسعى من خلاله الرباط إلى إبقاء خطوط التعاون الدبلوماسي والاقتصادي مشرعةً أمام كافة الأطراف لقطف ثمار هذا التعاون على نحوٍ غزير. وقد أبرزت الرباط هذا الأمر بتعزيز تعاونها مع بكين في مجالاتٍ مختلفة.

ولا يوحي الانفتاح المذكور بتوجه الرباط نحو تغيير موقعها ضمن المعادلة الأمنية الدولية، فبحكم الموقع الجغرافي والتاريخ السياسي والمعادلة الجيوسياسية المحيطة، تبقى الرباط منخرطةً في تعاونها المتين مع الكتلة الغربية.

الغرماء الليبيون في مناورات أمريكية:

أعلنت قيادة القوات الأمريكية في أفريقيا “أفريكوم” أنها ستجري مناورات في مدينة سرت الليبية بمشاركةٍ من كلا الطرفين الليبيين في بنغازي وطرابلس.

خطوة واشنطن تشي بأنها ترى ضرورة توحيد المؤسسات العسكرية الليبية في إطار تعزيز تعاونها مع واشنطن أمام القوى الأخرى؛ لا سيّما موسكو، حيث إن الهدف الأمريكي في هذا الصدد يعود إلى مرحلة سقوط النظام السوري السابق، إذ استشعرت واشنطن أن موسكو ستركّز أكثر على ليبيا والساحل الأفريقي، لذلك تركت لأنقرة في حينها جهود السعي لتوحيد المؤسسات الأمنية في ليبيا في خطوات استباقية وقائية تحتوي وتطوق النفوذ الروسي هناك.

وفي هذا الإطار، لا بد من الإشارة إلى أن مستوى التعاون الأمريكي مع الطرفين الليبيين يبقى عند المستوى الأمني، انطلاقًا من وجود قيود فرضها الكونغرس الأمريكي مسبقًا على المساعدات الأمنية للأنظمة العسكرية، غير أن إدارة ترامب لا تعير تلك الأمور كثيرًا من الاعتبار، ويمكن أن تجد طريقًا للالتفاف عليها عبر تمرير المساعدات بواسطة طرف ثالث.

***

غلب على حال الإقليم سعي العديد من دوله إلى حجز مواقع بارزة لها في عالم الدبلوماسية والاقتصاد، وذلك عن طريق بذل مساع حثيثة لحل بعض أزمات الإقليم وأزمات دول الجوار، والاتساع في توظيف القدرات الاقتصادية والتحالفات السياسية للدول ذات الثروات أو المواقع الممتازة في تعزيز مكانتها ودورها في المنطقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى