موجز سياسي

موجز سياسي – القرن الأفريقي والسودان

ترتبط الأهمية الجغرافية للدول والأقاليم دائمًا بمطامع الأقوياء والباحثين عن النفوذ والفرص السياسية والاقتصادية، والقرن الأفريقي يمثل نموذجًا في هذه الناحية بأحداثه الحالية والسابقة كذلك.

السودان وتوازن علاقاتها بمصر وإثيوبيا:

سُرِّبت وثيقة تتضمن اتفاقًا أُبرم عام 2022 بين الطرفين السوداني والإثيوبي على كمية وتوقيت تفريغ وتعبئة سد النهضة وفق ما تقتضيه المصلحة السودانية في مسألة المياه، فتم ربط تشغيل سدي النهضة الإثيوبي والروصيرص السوداني على نحوٍ متزامن لتقدير كميات الضخ المطلوبة عبر تبادل بيانات شهرية، على أن تكون هناك شراكة سودانية إثيوبية في إدارة عمل سد النهضة بالكامل بعد افتتاحه.

ويؤكد هذا السلوك أن مجلس السيادة السوداني يرى في نفسه المقدرة على التحرك باستقلالية بما يخدم مصالح السودان معوّلاً على ترابط مصالح عدة دول بالجغرافية السودانية، حيث يمنحه ذلك فرصة المناورة ما بين الأطراف المختلفة متبنيًا استراتيجية فصل السياسات أو الملفات بعضها عن بعض؛ نظرًا لأن ترابط المصالح المذكور يكفل له عدم السقوط في وحل القطيعة المطلقة مع أي طرف.

ومن ناحية فنية، فمن مصلحة الخرطوم ملء سد النهضة تخفيفًا للفيضانات التي تحدث كل عام، ولكن من ناحية سياسية تعدّ القاهرة أكثر تلبيةً لطموح المجلس السيادي في مسألتي توافق المبدأ السياسي الاستراتيجي وتحصيل الدعم العسكري. وحرصًا على التوازن ما بين هذا وذاك فصل مجلس السيادة الملفات بعضها عن بعض، وتنصل من التحرك الثنائي مع القاهرة في ملف السد مُبرمًا اتفاقًا سريًا مع أديس أبابا التي حفظت للخرطوم هذا الموقف، ونتيجةً لذلك كان هناك مخالفة إثيوبية لاعتراف محور أبو ظبي- نيروبي الضمني بحكومة دارفور وتوجيه دعم بشكلٍ صارخ لمليشيا الدعم السريع.

بطبيعة الحال تُصنف القاهرة هنا على أنها الطرف الخاسر؛ إذ لا تقدير إثيوبي أو سوداني لمصلحتها في مسألة الكميات التي تحتاجها من المياه بما يضمن توفير الكميات الملائمة لإنتاج الكهرباء والزراعة والاحتياجات البشرية في مصر. ومع هذا لا يُتوقع أن يؤدي هذا السلوك إلى تصرفٍ عدوانيٍ من القاهرة تجاه مجلس السيادة السوداني؛ إذ يرتبط الطرفان بمصالح استراتيجية أخرى تتعلق بالأمن الوطني من ناحيتي نفوذ مليشيا الدعم السريع وتحرك مليشيات ليبية مدعومة إماراتيًا تنشط في المثلث الحدودي الواقع بين مصر والسودان وليبيا.

ولا يتوقع أن تؤدي الوثيقة المسربة عن الاتفاق السوداني الإثيوبي إلى تعكير صفو العلاقات الاستراتيجية القائمة بين الخرطوم والقاهرة في الوقت الحالي، لكن بطبيعة الحال ستدفع هذه الوثيقة القاهرة إلى العمل بجدية وحزم أكثر على تنسيق المسألة مع الخرطوم عبر ربطها بنقطة نقل الدعم العسكري وغيرها من النقاط الحيوية بالنسبة للخرطوم، وذلك في سبيل دفع الأخيرة نحو تدعيم موقف القاهرة في الوصول إلى نقطة تقاسم عادل للمياه مع أديس أبابا.

وداعًا حمدوك:

وفي سياق مقارب عقدت الحكومة السودانية برئاسة كامل إدريس أول اجتماع لها في الخرطوم، وذلك في 26 آب/ أغسطس المنصرم، وهو ما يطوي صفحة أيّ عودة لعبد الله حمدوك للعب دور في السودان بصفته ممثلاً للجانب المدني، حيث إن الأولوية في القانون الدولي لمن ينشط على الأرض وفق صيغة توافق داخلي، وقد بات حمدوك ومن يدور في فلكه من أطياف سياسية ضمن سياق المعارضة التي فقدت شرعيتها نتيجة تحالفها مع كيان متمرد – قوات الدعم السريع – وبالتالي لا عودة لها إلا من بوابة العمل في إطار مجلس السيادة ووفق شروطه، حيث أضحى هناك دلالة رمزية حاضرة لسيادة الدولة في عاصمة البلاد.

هذه الخطوة تثبت أيضًا السيادة الجيواستراتيجية لمجلس السيادة؛ إذ إن تكتل الدولة في الخرطوم يعني التحكم بالروابط الجغرافية لكافة أراضي السودان، وبالتالي الانطلاق بشكل أكثر راحةً نحو استكمال خطة السيطرة على ولايات كردفان وبعض أجزاء ولايات دارفور من جهة الشمال. فضلاً عن أن عودة افتتاح بعض الدول لبعثاتها الدبلوماسية في الخرطوم يوفر مزيدًا من خطوات تثبيت شرعية وسيادة مجلس السيادة التي توطدت أكثر بتوجيه الجمعية العامة دعوةً إلى عبد الفتاح البرهان لحضور اجتماعها السنوي الدوري بصفته الممثل الشرعي للسودان.

القوات المصرية في الصومال:

وفي نقطةٍ إيجابية لمصلحة مقديشو التي تحاول تحقيق توازن أمام انتشار أديس أبابا ونيروبي الأحادي في أراضيها، نشر مبعوث الاتحاد الأفريقي إلى الصومال الحاج إبراهيم ديني، تقريرًا إيجابيًا بخصوص نشاط القوات المصرية في الصومال تحت سقف بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم وتحقيق الاستقرار في الصومال “أوصوم”، وكذلك في كنف الغطاء الشرعي الممنوح من قبل مجلس الأمن.

ينعكس هذا التقرير إيجابًا على ضخ مزيد من الدعم المالي الإقليمي والدولي للقوات المصرية والقوات المرافقة لها من جيبوتي وإريتريا وأوغندا، وغيرها، ويقوّي ظفرُ هذه القوة بمزيد من التمويل يدَ الحكومة الصومالية المركزية لرفع قدرتها على الضغط دبلوماسيًا على أديس أبابا ونيروبي لمطالبتهما بالانسحاب من المناطق التي تسيطران عليها في غرب وجنوب الصومال، عبر تدويل القضية لدى الاتحاد الأفريقي ومجلس الأمن أيضًا، لا سيّما وأن كلا الطرفين يدعم أقاليم فيدرالية على نحوٍ يزيد من ضعف سيادة الحكومة المركزية.

قوة بحرية للأحمر:

في خضم مسعى الرياض والقاهرة لتأسيس قوة بحرية مُشتركة تنشط في حوض البحر الأحمر، أبدت جيبوتي استعدادها للانضمام إليها، ومن المخطط له أن تضم هذه القوة البحرية كلاً من جيبوتي والصومال والسعودية ومصر والأردن وإريتريا والحكومة الشرعية اليمنية. وتسعى الرياض للإمساك بزمام هذه المبادرة عبر ترشيح عادل الجبير لمنصب الأمين العام للمجلس في توجهٍ وافقت عليه القاهرة. ويعرف عن الجبير خبرته الجيدة في تنسيق وإدارة ملفات التكتلات الإقليمية، انطلاقًا من باعه الطويل في العمل بوزارة الخارجية السعودية في ظل تطورات جيوسياسية ديناميكية مر بها الإقليم.

ضمُّ الرياض والقاهرة لعدة دول من حوض البحر الأحمر إلى القوة البحرية يكشف عن توجهٍ جاد لمزاحمة محور تل أبيب – أبو ظبي – أديس أبابا على نحوٍ يرسخ لتوجه يثبت توازى قوى إقليمي، لا سيّما وأن إشراك الحكومة الشرعية اليمنية؛ وإن كان رمزيًا، بالإضافة إلى جيبوتي يبرق برسالة إلى واشنطن تعبر عن رفض الرياض القيام بهجوم بري ضد الحوثي، وبطبيعة الحال لا تثق واشنطن بإمكان نجاح أي عملية عسكرية برية وجوية موسعة ضد الحوثي في ظل غياب قطب إقليمي مهم مثل الرياض، وهذا يعكس الأثر غير المباشر والنسبي بتقويض مسعى تل أبيب في تحقيق الهيمنة على حوض البحر الأحمر.

واشنطن بإدارتها الحالية وعلى صعيد استراتيجي ستنظر إلى تنافس المحورين المذكورين أعلاه في حوض البحر الأحمر تحديدًا على أنه أمر يخدم استراتيجية توزيع الأدوار من طرفها على حلفائها، إذ إن كلا المحورين يضمان أطرافًا حليفة أو أطرافًا متعاونة مع حلفاء الكتلة الغربية في الحوض. وإن تدخلت قوة كُبرى غير غربية في الأمر، فستكون العصا الغليظة الأمريكية حاضرة. أما إن كان هناك اعتراف أمريكي بأرض الصومال، فالمعادلة ستشهد احتدامًا أكبر بين المحورين، حيث سيكون بوسع محور تل أبيب – أبو ظبي – أديس أبابا التحرك بأريحية أكبر في جنوب الصومال.

إثيوبيا ورحلة البحث عن منفذ بحري:

يمنح نزول أديس أبابا إلى حوض البحر الأحمر عبر “جمهورية أرض الصومال” الانفصالية فرصةً للاستغناء عن موانئ جيبوتي وإريتريا، وكذلك يرفدها بسيادة بحرية ترفع من مستوى موقعها الهرمي في المعادلة الإقليمية، حيث إن ذلك يزيد من قدراتها على الاستقلالية الاقتصادية في عمليات النقل البحري وبالتالي يُنوّلها دورًا دبلوماسيًا وأمنيًا وعسكريًا مؤثرًا في المعادلات ذات العلاقة بالبحر الأحمر وسد النهضة والصومال.

خاتمة:

تؤكد هذه التطورات أن المنطقة أصبحت ساحة لصراع نفوذ إقليمي متعدد المحاور؛ إذ تسعى كل قوة منها لتعزيز مصالحها الجيوسياسية والاقتصادية في الإقليم عبر تحالفات متشابكة. وفي سياق هذه المعادلة، يبرز دور السودان بصفته لاعبًا مركزيًا يستطيع المناورة بين هذه الأطراف باستغلال موقعه الجغرافي الحيوي لتحقيق مكاسب آنية. وفي النهاية، يظل التوازن الهش بين هذه القوى عاملاً حاسمًا في استقرار المنطقة أو انزلاقها نحو مزيد من الصراع.

جميع الحقوق محفوظة لدى برق للاستشارات©2025

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى