موجز سياسي

البحث عن الشرعية.. موجز سياسي تحليلي عن القرن الأفريقي

لا تسير سياسة الدول منفصلة عن إقليمها، والسودان وجيرانه شاهد على صدق هذه المقولة بامتياز، فحين يُشار إلى أحداث كبيرة في الخرطوم، فليس المعنيّ بها هو المواطن السوداني وحكومة السودان فقط، بل ولا العربي على ضفتي البحر الأحمر وحده، وإنما تعني الإقليم كله وما وراء الإقليم أيضًا، وهذا موجز بأخبار السودان وما قاربها من دول الجوار الأفريقي الجنوبي والجنوبي الشرقي.

الصراع على الشرعية في السودان:

في خطوة كانت متوقعة لإحداث مزيد من الارتباك في المشهد السوداني؛ أعلنت قوات الدعم السريع تأسيس حكومة لها في غرب السودان، وردًا على هذا الإعلان الخطير سارعت الخرطوم إلى تكثيف مساعيها للحفاظ على شرعية تمثيلها الدولي؛ مبتدئة باستقبال رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان لممثل الاتحاد الأفريقي في السودان محمد بلعيش الذي أكد على دعم الاتحاد لعودة الخرطوم إليه.

وتأتي هذه الخطوة ثمرة لجهود دبلوماسية قادتها جيبوتي ودعمتها أديس أبابا ضد توجه نيروبي وأبو ظبي المساندتين، وربما الدافعتين للدعم السريع إلى هذه الخطوة التصعيدية في صراعه على الشرعية في السودان بعد الهزائم العسكرية الفادحة التي مُني بها طوال عام تقريبًا. ورغم حالة التوافق التي تجمع نيروبي وأبو ظبي وأديس أبابا في كثير من الملفات، إلا أن موقف الأخيرة حيال السودان مختلف عن توجه كل من كينيا والإمارات.

دعمت نيروبي بصراحة، وأبو ظبي بشكل موارب تأسيس حكومة موازية في السودان، في حين خالفت أديس أبابا توجههما في هذا الملف لما يربطها من حسابات جغرافية بالسودان، حيث إن هناك متاخمة حدودية تنشأ عنها حساسية أمنية عالية ترتبط بخشيتها من تغاضي الجيش السوداني عن اندفاع القوات الشعبية السودانية نحو أراضيها، وهو أمر تزداد خطورته في ظل هشاشة العلاقات بين العرقيات في الداخل الإثيوبي، وتململ بعض الأقاليم ضمن هذه الفسيفساء السياسية المتموضعة في الشرق الأفريقي.

وفي التنازع السوداني على الشرعية، من الواضح أن ثمة شبه إجماع أفريقي على دعم جهود الخرطوم لترسيخ شرعيتها على الصعيد الدولي، باستثناء موقف كينيا وأوغندا، ولا يميل الموقف الأفريقي العام بعد هذا إلى دعم الحكومة الموازية؛ نظرًا لما تشكّله من تطبيق واضح لنموذج ليبيا الذي يقوم على تقسيم البلاد ما بين شرق وغرب، وهي حالة أثارت ولا تزال تثير في الحالة الليبية كثيرًا من المشكلات لدول المحيط الجغرافي، بل لدى الجنوب الأوربي عبر البحر المتوسط.

ومع هذا يظل تطبيق النموذج الليبي على الحالة السودانية القائمة أمرًا ممكنًا في ظل وجود دعم إماراتي مديد من جهتي تشاد وجنوب السودان، ولكن مقارنةً بالوضع في ليبيا، فإن الدعم الدولي الذي كان موجهًا لحفتر كان أكبر من ذلك الموجه لقوات الدعم السريع، لذلك لا يزال الأمل حليف الجيش السوداني بالسيطرة على كامل الأراضي السودانية، غير أن الأمر مرتبط بعامل حصوله على الدعم العسكري اللازم من حلفائه.

لا تزال قوات الدعم السريع تسيطر على بعض أجزاء من ولايات كردفان وكامل ولايات دارفور باستثناء مدينة فاشر، وهناك أعلنت تأسيس عاصمتها في نيالا دارفور. ومن الناحية الإدارية، تفتقر الحكومة الموازية إلى الكوادر الإدارية المؤهلة، إلا أنها تحظى في المقابل بمصادر دخل تتنوع ما بين ذهب وصمغ وفول سوداني وتهريب، وغيرها من روافد الدخل الأخرى التي يمكن أن توجهها لاستقطاب كوادر إدارية لترسيخ حكمها في حال أحسنت تدبير الأمور.

في المقابل، كشف اتساع مساحة الجغرافية السودانية النقاب عن الشك في قدرة الجيش السوداني على تحقيق سيطرة كاملة على ولايات كردفان ودارفور، ما يؤدي إلى توقع سيطرة الحكومة الموازية على الجزء الغربي من السودان لفترةٍ طويلة.

كما أن عبد الفتاح البرهان يظهر عليه الحذر بشدة من التحرك باتجاه دارفور؛ خوفًا من عواقب تطوله من بعض الدول جراء قرار مجلس الأمن رقم 1591 لعام 2004 القاضي بمنع توريد الأسلحة إلى أطراف أي صراع يقع في منطقة دارفور، وهذا يجعل مجلس السيادة حريصًا على تجنب نقل المعارك إلى هناك في الوقت الحالي؛ وذلك حتى تكتمل سيطرته على المناطق التي تحت إدارته.

وفي ضوء هذا، يمكن لمجلس السيادة أن يجترح بديلا يعالج به واقعًا سريعًا لا ينتظر، باللجوء إلى وسيلة غير مباشرة، وهي تحريك عناصر ضد الدعم السريع نحو دارفور دون مسؤولية مباشرة عنها؛ خاصة أنه كان هناك حديث مُتداول بشكلٍ فعلي بين الحركات الدارفورية؛ العدل والمساواة وتحرير السودان، حول تعمد الجيش تأجيل تحركه نحو دارفور في الوقت الحالي، فيما يكشف عن التوجه إلى التركيز على تشغيل أنظمة الدفاع الجوي التي حصل عليها مؤخرًا من أنقرة وبكين، والتي أحرزت نجاحًا ملموسًا في التصدي لاختراق مسيّرات الدعم السريع لأجواء المناطق التي يسيطر عليها الجيش.

وفي هذا المقام، تجدر الإشارة إلى صراع المفاهيم والهويات الدائر بين طرفي الصراع في السودان، وهو تقديم الحكومة الموازية سمتها العلماني على أي سمتٍ آخر؛ في مسعى منها إلى إلصاق تهمةٍ مُعاكسة بمجلس السيادة السوداني؛ وهي التحالف مع الإسلاميين المتشددين، لا سيّما بعد تحرك حزب المؤتمر الوطني المنحل نحو توجيه كوادره للمشاركة ضمن القوات الشعبية التي تقاتل إلى جانب الجيش، في إطار توافق ضمني مع الجيش يقوم على معادلة دعمه في معركته الحالية والقبول ببقائه في السلطة، مقابل منح الفرصة لحزب المؤتمر الوطني بالعودة للمشاركة في العمل السياسي في ثوبٍ جديد. 

وعلى صعيد النشاط الدولي الخاص بالأزمة السودانية، ثمة تحضيرات لعقد اجتماع يضم المجموعة الرباعية؛ الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات، بالإضافة إلى قطر وبريطانيا، بهدف التشاور حول إمكان إطلاق مفاوضات تجمع الطرفين؛ الجيش وقوات الدعم السريع، فيما تتوفر نية ملموسة لدى مجلس السيادة بعدم الانضمام إلى هذه المفاوضات على مستوى رفيع في الوقت الحالي إلى أن تزيد سيطرته في أرض الواقع.

الصومال ومواجهة قارية مع حركة الشباب:

في الملف الصومالي، حدث تحرك جديد يصب في مصلحة الحكومة الفيدرالية، نبع هذا التحرك من إطلاق البعثة الأفريقية حملةً ضد حركة الشباب في مدينة باريري الاستراتيجية في منطقة شابيلي السفلى المشاطئة لخليج عدن. وبحسب المعلومات، فإن العملية جرت بهدف محاربة المسارات التي تعتمد عليها حركة الشباب في تهريب الفحم من جهة والأسلحة لمصلحة الحوثي من جهةٍ أخرى.

وعسكريًا تحقق تقدم ملموس باتجاه مركز المدينة، وهو ما ترتاح إليه الحكومة الفيدرالية في ظل تحرك جاء في إطار إقليمي وليس من قبل دولة بعينها، وذلك يعني تمهيد الطريق لسيادة الجيش الصومالي دون الدخول في معترك المنافسة مع الدول ذات الهيمنة الميدانية في الصومال، وتحديدًا أديس أبابا ونيروبي. أيضًا يؤجل هذا التحرك توجه الحكومة الفيدرالية نحو استجداء الدعم الصيني في حال استمر تحرك القوات الأفريقية، لكن تبقى المشكلة الملموسة في هذا الإطار – وهي مشكلة ملحة في كثير من قضايا القارة الأفريقية – هي مشكلة تمويل بعثة القوات الأفريقية.

جيبوتي الواعدة تقترب من أنقرة:

أما جيبوتي، فقد وقّعت بروتوكول تعاون عسكري مع أنقرة يحمل في طياته إشارةً واضحةً إلى توجه الحكومة نحو زيادة قدراتها العسكرية الذاتية بالتعاون العسكري مع دول إقليمية دون الدول الكُبرى؛ في سبيل تحقيق تحركات وقائية ذاتية لمواجهة المخاطر الأمنية التي تهددها؛ لا سيّما من جهة الحدود مع الصومال، حيث يمكن أن تطرأ هذه المخاطر في حال خففت واشنطن ودول أوروبية أخرى وجودها أو نشاطها الاستخباري على أراضيها؛ خاصةً وأن هناك مؤشرات واضحة لنقل واشنطن ثقلها إلى أرض الصومال في قادم الأيام.

ولطالما استندت جيبوتي إلى تنويع أطراف الاتفاقات الأمنية التي تعقدها باستضافة قواعد عسكرية لدول عدة؛ غربية وشرقية، في سبيل تعزيز أمنها واستقرارها، ويأتي تحالفها مع الدول الإقليمية؛ من قبيل أنقرة وربما الرياض في قادم الأيام، في إطار مسعاها لتحقيق تعاون فني أو تقني هدفه التعامل مع التهديدات الهجينة النابعة من المنظمات الإرهابية والعصابات، وغيرها، حيث إن التعاون مع الدول الإقليمية أفضل في هذا السياق نظرًا لحضور هذه الدول في الإقليم وتعاطيها المباشر مع التهديدات الهجينة المذكورة.

وتحتاج جيبوتي في الوقت الحالي إلى تدعيم موقفها حيال التحرك المتنامي لأبو ظبي وأديس أبابا في حوض البحر الأحمر، وتحديدًا في الصومال والسودان، وأيضًا التحرك الأوغندي في جنوب السودان، إذ تُبرز جيبوتي موقفًا مناوئًا لهذه التحركات التي ترى فيها خطرًا استراتيجيًا على مصالحها في مجال الخدمات اللوجستية البحرية، وعلى حالة الاستقرار في منطقة حوض البحر الأحمر. 

وفق البروتوكول الموقع مؤخرًا مع تركيا، تزود أنقرة جيبوتي بمزيد من المسيرات وطائرات الهليكوبتر مع عددٍ من المدرعات. ويُلاحظ في هذه النقطة حرص جيبوتي على إبقاء تعاونها ضمن الكتلة الغربية؛ حيث إن أنقرة عضو في الناتو، في حراكٍ يعكس إدراكها لأهمية تجنب الارتطام بأمواج التصاعد لهيمنة الكتلة الغربية في الوقت الحالي على حساب النفوذ الصيني والروسي والإيراني عقب الحرب الإسرائيلية الإيرانية.

إثيوبيا.. رحم معبأ بالأزمات:

في الملف الإثيوبي، زاد فتيل المناوشات بين عدة فصائل مسلحة في إقليم التيغراي، وتميط التصريحات الإثيوبية اللثام عن وجود تحركات إرتيرية فعليًا لدعم فصيل تيغراوي منشق عن جبهة التيغراي انطلاقًا من بلدات شيرارو وزالمبسا اللتين تتمركز فيهما القوات الإريترية، وهذا ما يحمل في طياته عنصر تأجيج مستقبلي للمناوشات في الإقليم.

وزادت وتيرة هذه المناوشات بعد سيطرة قوات أمهرية على منطقة لقاييت الواقعة على حدود السودان وإثيوبيا، حيث تنطلق هذه القوات ضد الأراضي السودانية، ما اضطر الحكومة الإثيوبية الفيدرالية لإرسال قوات من الجيش تضبط الوضع في المنطقة المذكورة، وهذا ما شكّل عاملاً آخر لاندلاع شعلة المناوشات في الإقليم.

خلاصة:

تبقى قضايا شرق أفريقيا عمومًا في قلب الاهتمام العالمي، ويزيد من هذا الاهتمام – إضافة إلى موقع شرق القارة وثرواته الكثيرة والضخمة – احتدام التنافس بين الشرق والغرب في كل المناطق ذات الأهمية الجغرافية أو السياسية أو الاقتصادية، ويُخشى في المستقبل أن يؤدي تعقد الخيوط في المنطقة وكثرة المساهمين في صناعة السياسة والاقتصاد فيها إلى انفجار لا تُحمَد عواقبه.

جميع الحقوق محفوظة لدى برق للاستشارات©2025

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى