موجز سياسي

موجز سياسي – السودان والقرن الأفريقي – تبدد المليشيات.. بين المناورة السياسية والتصعيد العسكري

تشهد الساحة السياسية والأمنية في القرن الأفريقي تحركات متسارعة تتداخل فيها الصراعات الداخلية مع التنافسات الإقليمية والدولية. في خضم هذا المشهد المعقد، تبرز الحكومة السودانية بمبادرة سلام جديدة أمام المجتمع الدولي، فيما تعيد إسرائيل رسم خرائط النفوذ باعترافها بأرض الصومال، وتبحث قوى إقليمية وكبرى عن موطئ قدم في حوض البحر الأحمر، في سباق محموم على الثروات والموقع الاستراتيجي.

مبادرة مدنية سودانية:

في محاولة من الحكومة السودانية للمناورة بين الخيار العسكري والدبلوماسي، طرحت مبادرة داخلية للسلام في مجلس الأمن عبر رئيس الوزراء كامل إدريس. جاء هذا الطرح ليعكس شروع مجلس السيادة في تصدير جانب التمثيل المدني، مما يعزز شرعيته من جهة، ويحبط أي مسعى لوصف الحكم بأنه عسكري من جهة أخرى.

ذهاب الحكومة “المدنية” نحو طرح مبادرة سلام يبعث على الاطمئنان لدى لاعبين دوليين بوجود ممثل شرعي يمكن التعاطي معه دبلوماسيًا، وهو ما يهدف مجلس السيادة لتحقيقه لطمس أي شرعية محتملة للحكومة الموازية التي أسستها مليشيا الدعم السريع في دارفور.

جاء النشاط الدبلوماسي السوداني بتوصية ودعم سعودي مصري، إذ يسعى الطرفان إلى تعزيز شرعية مجلس السيادة لإحباط أي مسعى إماراتي لبسط نفوذ مستقر في جغرافية السودان، وقد تأكد هذا بعقد صفقة سلاح باكستانية كبيرة لصالح الجيش السوداني تقف وراءها الرياض.

تضمنت المبادرة المطروحة: وقف إطلاق نار برقابة أممية وإقليمية، وانسحاب مليشيا الدعم السريع من “المناطق التي تحتلها”، واتخاذ تدابير سياسية واقتصادية لإعادة الأمن والحياة الطبيعية، وإجراء حوار وطني يقرر فيه السودانيون مستقبلهم. ويمثل طرحها في مجلس الأمن –الذي يتداول القضايا الأمنية حسب الفصل السادس– خطوة لخلق إيقاع دولي جديد لتغيير السردية السائدة من صراع بين جنرالين (البرهان وحميدتي) إلى الإقرار بوجود مليشيا خارجة عن القانون (الدعم السريع) مدعومة من طرف إقليمي (الإمارات) يسعى لنشر الفوضى.

ولكي تتحول هذه المبادرة من مسعى للحل إلى خطة عملية، يشترط محللون أمرين: زيادة القدرة العسكرية للجيش لتنفيذ خطة متكاملة لدحر مليشيا الدعم السريع على الحدود مع ليبيا وفي كردفان، وتبني إحدى المبادرات السودانية تحت مظلة الاتحاد الأفريقي أو الجامعة العربية لخلق تحرك إقليمي دولي متكاتف. ونظرًا لعدم وجود رأي جامع داخل هاتين المنظمتين، يبقى الحل في تبني القاهرة والرياض وأنقرة لإحدى المبادرات بشكل صارخ واتخاذ خطوات محورية في دعم مجلس السيادة.

اشتباكات كردفان:

على الأرض، فرض الجيش السوداني إجراءات أمنية مشددة في الخرطوم ومشارفها لتحصين العاصمة القريبة من شمال كردفان، بهدف تمكين مؤسسات الدولة من العودة والعمل بأمان من العاصمة لترسيخ شرعية مجلس السيادة.

وفي جنوب كردفان، أعلنت الحركة الشعبية- شمال سيطرتها على طريق الدلنج- كادوقلي بالتعاون مع مليشيا الدعم السريع. كما شهدت منطقة هجليج النفطية اشتباكات أسفرت عن قتلى من جيش جنوب السودان، الذي دخل المنطقة سابقًا باتفاق مع الجيش السوداني ومليشيا الدعم السريع لتأمين مصفاة تكرير نفط جنوب السودان. لم تلتزم الدعم السريع بالاتفاق وحاولت السيطرة على المجمع النفطي، لكن جيش جنوب السودان صدها.

قد يعيد هذا الاعتداء حسابات الرئيس كير تجاه العلاقة مع أبو ظبي، لكن ذلك مرتبط بضمان دعم مالي بديل من أوغندا أو السعودية؛ كي تتجنب جوبا سيناريو تشاد الذي تحولت بفعل الديون الإماراتية إلى منطقة تحرك حر لأبو ظبي، علمًا أن معادلة جنوب السودان القبلية والإقليمية أكثر تعقيدًا.

استراتيجية ترامب الجديدة بالسودان:

بالتزامن مع الطرح السوداني، أقرت إدارة ترامب استراتيجية جديدة تجاه أفريقيا تشمل السودان. يتمحور جوهرها في الحيلولة دون وصول النفوذين الروسي والصيني إلى المعادن الثمينة في السودان. ترتكز الوثيقة على إقامة العلاقات على أساس التجارة والاستثمار لا المساعدات أو الأيديولوجيا، الشراكة مع دول مختارة ومستقرة مع أولوية للتعاون في الطاقة والمعادن، والمساعدة في حل النزاعات دبلوماسيًا دون انخراط عسكري طويل الأمد.

وفي الفصل المتعلق بالسودان، وردت عبارة: “دعم العمل الاستخباري لمواجهة النفوذ الأجنبي الذي يهدف إلى استمرار أو توسيع النزاع في السودان”. يعني ذلك ضرورة تقديم وكالة المخابرات المركزية خطة عمل خلال 90 يومًا تتضمن مشاركة معلومات مع الحلفاء؛ لإحباط المحاولات الخارجية الداعمة للصراع التي تؤثر على الأمن القومي الأمريكي وتفوق النفوذ الأمريكي. لا تستهدف الوثيقة الدول الحليفة (مثل الإمارات) فيتم التعامل معها بالتنسيق والتوجيه لا الاصطدام الكامل.

الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال:

لا يُعتبر اعتراف تل أبيب بأرض الصومال مفاجئًا بعد رصد نشر منظومات دفاع جوي إسرائيلية قرب ميناء بربرة مع أبو ظبي في أبريل 2025. الأمر تم بتنسيق مع واشنطن التي دافعت بقوة عن القرار في مجلس الأمن.

ينبع الإقدام الإسرائيلي من حسابات أمنية تبحث عن جغرافية مفتوحة تتحرك فيها باستقلالية ضد تهديدات الحوثي بعد عدوان غزة. عدم الاكتفاء بقاعدة دهلك الإريترية يعود لأمرين: البحث عن جغرافية بعيدة عن حسابات توازن القوى الإقليمية (حيث تتحرك أسمرة لخدمة مصالحها مع القاهرة والرياض وبكين)، واستقلال أرض الصومال شبه الكامل عن مقديشو والتعاون مع أبو ظبي وأديس أبابا المشجع.

ترى دول الحوض أن أي نفوذ إسرائيلي سلبي، خاصة في سياق إعادة رسم الخريطة الجيوسياسية لمنطقة الشرق الأوسط لضمان هيمنة إسرائيلية بعد اهتزاز هيبتها، يُتوقع أن يعقبه حراك إقليمي متكاتف لتحقيق توازن قوى وإفراغ السعي الإسرائيلي من مضمونه، لكن ذلك يتوقف على الإرادة السياسية والتحرك المستقل لدول الإقليم عن واشنطن المتغاضية عن التحركات الإسرائيلية.

يُبرز الاعتراف (مع فتح علاقات مع أستانا وتأسيس تحالف مع أثينا ونيقوسيا) عودة إسرائيل لنظرية “الأطراف”، أي بناء مراكز هيمنة في الجغرافية المحيطة بالشرق الأوسط للتحكم في مسارات الأحداث. التهديد الحوثي البعيد دفعها لموطئ قدم قريب، والعقلية الأمنية لتل أبيب تتبنى سياسة الاستباق الوقائي لتصفير التهديدات. كما أن تصاعد النفوذ التركي في سوريا وحوضَي الأحمر والمتوسط تراه تل أبيب معضلة أمنية مقيدة، ويمكن ملاحظة ذلك في التعاون مع اليونان وقبرص والاعتراف الحالي.

بالنسبة لأرض الصومال، الاعتراف الإسرائيلي هو بوابة لنيل الاعتراف الأمريكي أو تعاون قوي مع واشنطن التي تتبنى فرض “السلام الإمبراطوري” عالميًا، أي فرض السلام بالقوة وإقصاء الأطراف المناوئة كما حدث مع إيران أو اختطاف رئيس فنزويلا. يبدو أن واشنطن توكل لإسرائيل تنفيذ سياسات الإقصاء في جغرافية الشرق الأوسط بينما تتفرغ هي لأمريكا اللاتينية (مبدأ مونرو).

لقاء تركي صومالي:

بعد 4 أيام فقط من الاعتراف، زار الرئيس الصومالي أنقرة بناءً على دعوة تركية، في إدراك تركي لخطورة التحرك الإسرائيلي الهادف لخنق نفوذه في سوريا وحوضَي الأحمر والمتوسط. يشير التحرك لرغبة تركيا في طمأنة الصومال، وكشف أوراقها حول خطوات التصدي: تنسيق دبلوماسي مع الدول الرافضة، اتباع نهج مقايضة مع واشنطن، واللجوء إلى خطوات استخبارية (كما حدث في اليمن بنسج علاقات مع فصائل في المكلا). كما تقدم أنقرة دعما ناعما عبر توسيع نشاط موانئ الصومال لجعلها متفوقة على ميناء بربرة.

هناك إرهاصات ببدء تحرك تركي سعودي مصري مشترك حيال الحوض، حيث استقبلت الرياض وزيري خارجية جيبوتي والصومال، وجرى اتصال بين ولي العهد السعودي والرئيس التركي، وزار وزير الخارجية السعودي القاهرة.

انسحاب إريتريا من “إيغاد”:

أقدمت أسمرة على الانسحاب الكامل من الهيئة الحكومية للتنمية في شرق أفريقيا (إيغاد)، لأسباب تاريخية (فرضت الهيئة عقوبات على إريتريا عام 2009) وتطورات راهنة جعلتها ترى عدم نجاعة دور الهيئة. أبرز هذه التطورات: المطالبات الإثيوبية “بالحقوق التاريخية” في موانئ إريتريا، توقيع أديس أبابا مذكرة تفاهم مع أرض الصومال لتشغيل ميناء بربرة (ما ينتهك سيادة الصومال)، والتهديدات الأوغندية بشن حرب على كينيا للوصول للمحيط.

هذه التطورات التي لم تتحرك لها الأمانة العامة دفعت إريتريا للاعتقاد بعدم وجود فائدة من العمل تحت مظلة لا تحقق هدفها الأساسي في الحفاظ على السلم الإقليمي، خاصة مع تولي مواطن إثيوبي منصب الأمين العام. وجدت أسمرة أن التحرك ضمن إطار المنظمة لا يخدم مصالحها ولا يحفظ استقرارها أمام التهديدات الإثيوبية، فاتجهت للانكفاء نحو اصطفاف واضح مع المحور الحافظ لمصالحها.

الظاهر أن تعقيدات القرن الأفريقي تزداد مع اختلاط الصراعات المحلية بالأجندات الخارجية، وتبرز مبادرة السلام السودانية والاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال كعلامات على إعادة تشكيل النفوذ، في حين يشير انسحاب إريتريا من “إيغاد” والتحركات الدولية إلى تحول التحالفات نحو مرونة قائمة على المصالح. ويبدو استقرار المنطقة رهينًا بتوازن قوى هش، وإدارة القوى العظمى للأزمات خدمةً لمصالحها أكثر من سعيها لحلول جذرية لها.

جميع الحقوق محفوظة لدى برق للسياسات والاستشارات©2026

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى