موجز سياسي

موجز سياسي – القرن الأفريقي والسودان – بين الحرب والدبلوماسية .. صراع تحت الرماد

تقتات السياسة في المنطقة على التحالفات المتعددة التي تتصارع فيما بينها لأجل النفوذ وتضخيم الفرص وتوسيع دائرة المصالح أمامها؛ لذا تتعدد الأيادي المتدخلة في القضية الواحدة من الإقليم وخارجه، بل ربما سلكت الدولة الواحدة في الإقليم سلوكًا سياسيًا هجينًا؛ فتتعامل مع أطراف متخاصمة في وقت واحد في قضايا مختلفة.

صراع السودان بين الحرب والدبلوماسية:

قامت قوات الدعم السريع بشنّ هجوم واسع من جبهات عدة على الفاشر في دارفور؛ فـفي صباح 6 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، تحركت بقصف مدفعي وبمرافقة مسيّرات تطلق صواريخ عشوائية. لكن الفرقة السادسة مشاة التابعة للجيش السوداني تصدت لتقدم قوات الدعم السريع عبر نصب الكمائن في محاور الهجوم، ورافق ذلك مساندة عسكرية من الجيش لقواته، مما أدى إلى تقهقر الدعم السريع وعجزها عن مواصلة التقدم.

تعكس تحركات قوات الدعم السريع المتوالية والمتصاعدة ضد الفاشر حرصها على إنهاء وجود الجيش في دارفور؛ لتثبيت سيناريو التقسيم الجغرافي، حتى وإن كانت هناك ملامح للتفاوض تلوح في الأفق.

وفي الجانب الدبلوماسي بات يُلمّح قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو مؤخرًا إلى قبوله دمج قوات الدعم السريع بالجيش، إلا أن مجلس السيادة الحاكم يرفض هذا الحل، ويدفع نحو تفكيكها بالكامل. وما بين الموقفين المتضادين تتجه اللجنة الرباعية الدولية بقيادة واشنطن التي ترعى المفاوضات على اعتبار أن مجلس السيادة ممثلاً للدولة، في حين تُعتبَر قوات الدعم السريع فصيلًا عسكريًا يسيطر بسلطة الأمر الواقع على مناطق دارفور، وهو ما تدعمه أبو ظبي بقوة.

من المبكر الحديث عن شكل الحل الممكن بين الطرفين، لكن بالنظر إلى مكتسبات الجيش الميدانية والسياسية، فلا يُتوقع أن يقبل بتقديم تنازلات لمصلحة الدعم السريع، وإنما الواضح إصراره على التفاوض مع الدعم السريع بصفته حركة دارفورية حالها حالُ حركات دارفور الأخرى.

في السياق ذاته، تشي بيانات اللجنة الرباعية المتكررة حول الأزمة بأن المفاوضات بالنسبة لها لا بد أن تنطلق من إعلان جدة الموقّع في أيار/ مايو 2023. لكن اشتراط إعلان جدة عدم تأثيره على الوضع القانوني للأطراف الموقعة، هو النقطة الأساسية التي يحاول مجلس السيادة التفاوض حولها قبل الدخول إلى المفاوضات وذلك بغية التأكيد على عدم شرعية قوات الدعم السريع بما كانت تحوزه سابقًا بوصفها قوات موازية للجيش داخل مجلس السيادة.

فيضانات “النهضة”:

في الساحة السودانية أيضًا تجتاح الفيضانات العديد من المناطق، وعلى إثرها تناغمت الخرطوم في الموقف الدبلوماسي مع القاهرة بعد زيارة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي لبورتسودان، ولقائه رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البُرهان. بالنسبة لكلا الطرفين، تمثل المسألة خطرًا على الأمن الوطني، وبعد حدوث هذه الفيضانات من دون تنسيق أديس أبابا مع الخرطوم وفق الاتفاق السري الذي تم بين الطرفين عام 2022، فإن تغيير الخرطوم موقفها علنًا والوقوف إلى جانب القاهرة، يعني بُطلان مفعول هذا الاتفاق في الوقت الحالي، ولو بقصد الضغط لتأسيس موقف موحد ضد أديس أبابا التي تسبَّب تشغيلها للسد في فيضانات هائلة أضرت بالبلدين. ويركن الموقفان المصري والسوداني إلى مواد القانون الدولي المكتوبة والعرفية ذات العلاقة بمصالح دول المصب؛ حيث إن المادة الأساسية تقضي بعدم جواز تحرك دولة المنبع بصورةٍ أحادية في موضوع مياه النهر.

تحركات كينية وأوغندية ذات مآرب في الصومال:

مالت نيروبي أخيرًا لتغيير نهج تحركها في الصومال من مسار تكتلي ضمن محور أبو ظبي- أديس أبابا- نيروبي إلى نمط التحرك الأحادي المراعي للمصالح الصومالية الداخلية، فقامت نيروبي بتنسيق مواقف مقديشو مع إقليمي بونتلاند وجوبالاند بدعوة رئيسيّ الإقليميّن لزيارتها، وهو ما تم يوم 29 أيلول/ سبتمبر الماضي. على إثر الزيارة، كان هناك دفع واضح من قبل نيروبي لرئيس إقليم جوبالاند أحمد مدوبي نحو الدخول في محور مصالحة مع مقديشو لحل الخلافات السياسية بينهما، والانتقال لمرحلة التفاوض التقني حول المصالح الاقتصادية التي ينعم بها الإقليم؛ إقليم جوبالاند، ليتم الاستفادة منها اعتمادًا على مركزية مقديشو لا بعيدًا عنها.

تكتيك نيروبي الجديد جاء عقب ارتفاع معدل انتشار القوات الأفريقية في إقليم جوبا السفليّ ضمن حدود جوبالاند، حيث إن الأخير ونيروبي وجدا نفسيهما أمام معادلةٍ جديدة قد تركن إليها مقديشو رويدًا رويدًا لتحقيق توازن قوى داخلي وإقليمي يقلب كفة الميزان لمصلحتها بالمطلق.

وفي الأثناء، تمكّنت القوات الأفريقية، وبشكلٍ خاص القوات الأوغندية، من إكمال السيطرة على إقليم شبيلى السفليّ الواقع بين مقديشو وجوبالاند، وهو ما يؤسس لمعادلة ميدانية عمادها نشاط عدة دول أفريقية مقابل النشاط الأحادي لنيروبي للهيمنة على مناطق في جوبالاند من دون التنسيق مع الحكومة المركزية. وتمدد القوات الأفريقية باتجاه جوبالاند يُكسب مقديشو شرعيتين: إحداهما ميدانية، والأخرى دبلوماسية، ما يضيق الخناق على الأقاليم الفيدرالية الصومالية بإمكان المناورة مع دول مجاورة دون الرجوع إلى مقديشو التي أضحت تملك المقدرة على إحباط هذه المعادلة.

إلا أن أوغندا تتصارع للهيمنة على عرش شرق أفريقيا مع نيروبي وأديس أبابا، إذ يُلامس توجهها الواضح إلى أن تصبح قوة إقليمية معترفًا بدورها المتشعب في إقليم شرق أفريقيا من خلال نشاطها العسكري الأكبر في جنوب السودان، ومشاركتها البارزة منذ عام ضمن قوات البعثة الأفريقية النشطة في جنوب الصومال؛ فضلاً عن اهتمامها الجليّ باستقطاب الاستثمارات الدولية، حتى أصبحت الشريك الأكبر لبكين في شرق أفريقيا.

وتتمثل مصالح أوغندا في الصومال في أنها ساحة ملائمة لإثبات حضورها الإقليمي وتثبيت رؤيتها في ترسيم الحدود مع جنوب السودان، والحفاظ على حيوية موقعها الجغرافي ليكون ممرًا من الصومال باتجاه الساحل الأفريقي، وذلك ضد السعي الإثيوبي لنقل هذا المسار باتجاه أرض الصومال وإثيوبيا.

وفي سياق حديث ترامب المتكرر عن رغبته الجادة في تخفيف عدد القوات الأمريكية في الصومال وكينيا، مع حصرها في إقليمي بونتلاند وصوماليلاند، فإن دور القوى الإقليمية يزيد هامشه وحضوره، وهذا سبب آخر دفع نيروبي إلى انتهاج تكتيك التوافق مع حكومة مقديشو، بدل موقف التصادم أو التحدي الذي كانت عليه مسبقًا.

صراع أديس أبابا وأسمرا:

استكمالاً لمآربها في تضييق الخناق على حكومة أديس أبابا، لا تزال أسمرا تمضي نحو نسج علاقات غاية في التوازن الحذر ما بين جبهة التيغراي ومليشيات الأمهرة؛ رغم أن الطرفين المذكورين يخوضان اشتباكاتٍ داميةً بينهما تعتبر هي السبب الرئيس لحالة التوتر الدائرة في إثيوبيا.

تدعم أسمرا جبهة التيغراي؛ جناح دبرسيون ميكائيل الرافض للحل التوافقي مع الحكومة الحالية، وفي الوقت ذاته الجناح المتشدد في أمهرة؛ مليشيات فانو الأمهرية التي ترفض عقد سلام مع جبهة التيغراي والتي تضغط في اتجاه انتزاع مزيد من الأراضي الواقعة ضمن إقليم التيغراي لضمها لإقليم أمهرة.

بطبيعة الحال، الهدف الإريتري من توجيه دعمه للجهات المذكور يقبع في رغبته الصارخة في زعزعة الاستقرار في إثيوبيا؛ سعيًّا إلى تعكير صفو الأمن عبر غرس مقومات تصنع حالةً من الفوضى في الداخل الإثيوبي، طمعًا في أن تنشغل أديس أبابا بشؤونها الداخلية ما يشتت تركيزها حيال مشروعها الرامي إلى بناء نفوذ بحري بالقرب من ميناء بربرة على شواطئ صوماليلاند، على نحوٍ يزعزع الأهمية الجيوسياسية والأمنية والاقتصادية لموانئ إريتريا في حوض البحر الأحمر.

خلاصة القول تكمّن في فكرةٍ مفادها أن المشهد السياسي في إقليم شرق أفريقيا يبقى محكومًا بمعادلاتٍ صعبة؛ تتعلق أولًا بلهيب المعارك العسكرية، وثانيًا المفاوضات الدبلوماسية، ثم مساحات الحركة والمناورة المتاحة أمام كل طرف؛ إذ يبدو أن تقاسم المصالح أو السعي المشترك بين أعضاء الإقليم لرعاية مصالح الجميع ليس في وارد تفكير صناع السياسة في السودان وشرق أفريقيا “القرن الأفريقي”، الآن على الأقل.

جميع الحقوق محفوظة لدى برق للاستشارات©2025

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى