
تقدير موقف: الأونروا في غزة… صعوبات متراكمة ومسارات نحو التعافي
بعد إقرار اتفاق وقف إطلاق النار في غزة بأقل من أسبوعين، خرج وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو ، على هامش زيارته إلى تل أبيب، بتصريحٍ مفاده بأن منظمة الأونروا في غزة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين لن يكون لها دور في القطاع؛ بدعوى ارتباطها بحركة المقاومة الإسلامية حماس..
الصعوبات المتراكمة:
قد يكون التصريح مجاملة لتل أبيب التي تردد المزاعم نفسها، أو تسرعًا غير محسوب من المسؤول الأمريكي في تحديد الموقف من قضايا لا تزال في طور المناقشة في مكاتب الإدارة الأمريكية، وقد يكون قرارًا فعليًا ستخرج به واشنطن بصورةٍ رسميةٍ في وقت قريب؛ وهو احتمال قوي ما لم يؤثر فيه ضامنو اتفاق وقف إطلاق النار، إلا أنه من المؤكد أن التصريح يشي بوجود عقبات كثيرة وكبيرة في طريق تعافي العمل الإغاثي والخدمي الذي تؤديه الأونروا في غزة والضفة الغربية.
وقد سبقت هذا التصريح وتلته مواقف أمريكية وإسرائيلية معادية للمنظمة بشكل متناغم بين تل أبيب وواشنطن، منها قرار واشنطن في نيسان/ أبريل الفائت نزع الحصانة عن “أونروا”. وقبلها؛ في تشرين أول/ أكتوبر من العام الماضي، أقرّت أغلبية كبيرة بالكنيست بصورة نهائية سَحْب الامتيازات والتسهيلات التي تمنحها إسرائيل للمنظمة الدولية، وحَظْر الاتصال الرسمي بها. وبناءً على هذا أرسلت الخارجية الإسرائيلية رسالة رسمية إلى الأمم المتحدة تفيد بإلغاء العمل باتفاقية 1967 الموقعة بين الاحتلال والأونروا.
ويزيد على ما سبق من صعوبات في طريق استعادة الأونروا في غزة لعافيتها: طبيعة التمويل الذي تستند إليه المنظمة في تشغيل مشروعاتها ومؤسساتها؛ إذ تعتمد على تبرعات طوعية تقدمها بعض الدول، وليس على تمويل ثابت ومحدد من ميزانية الأمم المتحدة – لأنها موجودة بوصفها هيئة مؤقتة وطارئة – وهذا ما جعلها رهينةً للمواقف السياسية للدول الداعمة؛ خاصة الداعم الأكبر؛ الولايات المتحدة الأمريكية التي كانت تسهم بنحو ثلث الميزانية السنوية للأونروا.
وعلى الأرض فقدت الأونروا قرابة 400 من موظفيها في العدوان الأخير، وسوّت آلة الحرب الإسرائيلية كثيرًا من مؤسساتها ومقار نشاطها – خاصة المستشفيات والمدارس – بالأرض، أو أضرت بها إلى درجة تمنع الاستفادة منها على حالها، أو إلى مستوى يجعل من الضروري ترميمها في ظل انعدام الوسائل وضخامة الدمار الذي عمّ القطاع.
الجوهر الحقيقي للمعادلة:
معاداة تل أبيب لـ الأونروا في غزة – التي اشتدت بعد نشوب عملية “طوفان الأقصى” وكانت موجودة قبل ذلك – ليست لأن بعض موظفي المنظمة ينتمون إلى المقاومة الفلسطينية، فقد استُبعد منها الموظفين ممن “ربما كانوا متورطين” في أعمال ضد إسرائيل، و”تم إنهاء توظيفهم لمصلحة الأونروا”، بل لأنها كانت نافذة دولية للحفاظ على الحياة ومقاومة الموت وحق العودة للاجئين الماكثين في غزة، وكذلك لأنها كانت نافذة على الحقيقة عن طريق بياناتها عن العدوان ونتائجه المأساوية، وتضمنت في العادة إحصاءات للعدد الكبير من ضحايا العدوان الإسرائيلي؛ خاصةً من الأطفال والنساء، وعدد المباني المدمَّرة، والاعتداءات المكررة على المستشفيات، والأماكن الأثرية التي لم يبق لها أثر أو تضررت ضررًا بالغًا بفعل غارات الطيران والمدفعية الإسرائيلية.
المشهد القانوني لعمل الأونروا في غزة:
أما من جهة القانون الدولي، فليس من حق إسرائيل أن تمنع الأونروا من العمل في الضفة وغزة والقدس الشرقية، وهي أرض فلسطين التي يقر القانون الدولي بأنها أرض “محتلة”، وأنها خضعت لسلطة إسرائيل بالقوة عقب حرب حزيران/ يونيو 1967، ومن هنا فإن منع المنظمة من العمل في هذه الأماكن ليس من حق تل أبيب، مهما يكن إجماع الكنيست على قراره السابق؛ لأنه تصرف في أرض الغير، ومن هنا فليست العقبة القانونية بذات تأثير في هذه الناحية، ويمكن مواجهة أي احتجاج إسرائيلي بها بسهولة.
وأما العقبة المادية فتتمثل في تحكم إسرائيل في معابر غزة، والواقع يشير إلى أن سلطات الاحتلال لم تُدْخِل إلا قليلًا مما اتُّفِق عليه من مساعدات طبية وغذائية وخيام إيواء في مبادرة وقف إطلاق النار، وبقيت الأونروا في غزة تقوم ببعض واجبها الإغاثي الأكثر إلحاحًا، مع إصدار بيانات تحكي واقع القطاع الذي لا يزال مريرًا ومأساويًا برغم توقف العدوان.
مسارات التعافي المحتملة:
وفي جانب التمويل فتحت المنظمة على مواقعها على الإنترنت بعدة لغات باب التبرع غير الرسمي لها – أي المقدم من غير الحكومات – كما فتحت خطوط اتصال لأجل تلقي تبرعات لأعمالها من بعض الدول الآسيوية؛ مثل الصين والهند وماليزيا وغيرها، باعتبارهم مانحين بدلاء عن الدول التي أوقفت دعمها للمنظمة – مثل الولايات المتحدة – أو قصرته على اللاجئين الفلسطينيين في سوريا والأردن ولبنان – مثل سويسرا – كما أن بعض الأطراف العربية لها مشاركات في دعم الأونروا لن توقفها في غالب الظن؛ مثل السعودية والإمارات، ودول أخرى كاليابان عادت إلى تقديم مشاركاتها في دعم الأونروا في غزة بعد إيقافها لبعض الوقت.
الخلاصة الاستراتيجية:
ومهما يكن، فإن عمل الأونروا في غزة لم يتوقف تمامًا أثناء العدوان ولا بعدها، إلا أنه تأثر كثيرًا بالظرف المحيط – كأي عمل آخر في غزة – خلال العامين الأخيرين، وفرص استعادة المنظمة لنشاطها والعودة به إلى قريب من المستويات التي وصل إليها آنفًا، مرتبطة بموقف رعاة اتفاق وقف إطلاق النار – تركيا وقطر ومصر – وموقف المتدخلين الآخرين في ترتيب أوضاع القطاع بعد العدوان – السعودية والإمارات – والمكان الذي يضع فيه هؤلاء الأونروا ضمن خططهم.
يبدو تعاون حكومات هذه الدول مع عمل الأونروا في غزة إيجابيًا، إلا أنه لم يظهر إلى الآن موقعها لديهم في ترتيبات الأعمال الإغاثية والخدمية – التعليم والصحة – في القطاع بعد العدوان، والغالب أن المنظمة ستبقى تعاني في سبيل القيام بعملها ضمن القطاع والمنظومات المشغِّلة للحياة فيه، لكنها ستظل – رغم كل ذلك – شاهدًا دوليًا على استمرار الأزمة الإنسانية التي لن تحلها مجرد بنود وقف إطلاق النار.




