
موجز السياسة – السودان والقرن الأفريقي
يتمحور الموجز حول شؤون السودان الحربية والدبلوماسية، ويعرج على الأزمات القائمة بين بعض دول الإقليم وبعضها الآخر؛ مثل الصراع الإريتري الإثيوبي، وسياسات حكومة أديس أبابا تجاه الأطراف الدولية المتنافسة، وكذلك التطور الحاصل في العلاقات بين جيبوتي ومصر.
الصراع على كردفان:
عبر المسيّرات ركزت مليشيا الدعم السريع على استهداف بلدة بابنوسة التابعة لولاية غرب كردفان، حتى تمكّنت من السيطرة البرية المباشرة عليها، ثم نجحت في السيطرة على منطقة هجليج البترولية أيضًا؛ إلى أن اتفق الطرفان على تمركز قوات من دولة جنوب السودان في المنطقة وانسحاب مقاتلي الطرفين حفاظًا على المنشآت النفطية.
ولا شك أن خسارة الجيش في غرب كردفان تؤثر على العاصمة الخرطوم نفسها، وهذا ما يُدركه الجيش السوداني جيدًا؛ لذا يسعى إلى استجماع قواه للتصدي لتقدم الدعم السريع. وعلى أرض الواقع، لا يزال القصف المتبادل وحرب الشوارع مهيمنةً على مسار المعارك، وهو ما يصب في مصلحة تحرك الدعم السريع أمام الجيش الذي لم يقدم خطةً متكاملةً حتى الآن لتوظيف قواته والقوات الرديفة له في التصدي أو شن الهجوم المضاد، فضلًا عن توظيف سلاح الطيران والمسيّرات في معركة مصيرية كهذه.
وفي ولاية جنوب كردفان سعى الجيش لطرد “الحركة الشعبية لتحرير السودان- شمال” المتحالفة مع قوات الدعم السريع، حتى نجح في إحكام السيطرة على أغلب المناطق الغربية لمدينة العباسية تقلي الاستراتيجية التي تسهل مسار الجيش إلى منطقة الدلنج لتشكيل حزام جغرافي متقدم محكم للتصدي لأي هجوم باتجاه الخرطوم، فضلًا عن هدف الجيش فك حصار الحركة الشعبية عن منطقتي كادقلي والدلنج الأهم في الولاية، إذ تربطان بين ولايتي شمال وجنوب كردفان، كما أن السيطرة عليهما تعني قطع خطوط الدعم والمساندة بين مليشيا الدعم السريع ومقاتلي الحركة الشعبية.
ورقة بولس:
أعلن رئيس المجلس العسكري الانتقالي عبد الفتاح البرهان رفضه ورقة المبعوث الأمريكي مسعد بولس التي شملت ترتيبات متعلقة بوضع الجيش السوداني بما لا تختلف فيه إلا اسمًا فقط عن ورقة أو مقترح اللجنة الرباعية، نبع الرفض، وفق بيانات الجيش السوداني، من اقتراح الورقة تفكيك عددٍ من القوات الشعبية المساندة للجيش، مع القبول بدمج الدعم السريع في المؤسسة العسكرية. وقوّى هذا الاتجاه اقتناع مجلس السيادة بوجود تأثير كبير لأبو ظبي في مقترحات اللجنة الرباعية؛ لا سيّما في مسألة التركيز الدائم على وجود كوادر للإخوان المسلمين داخل الجيش، وأنه لا بد من إخضاعه لعملية تنقية وإعادة بناء، وهو أمر لا يقبله مجلس السيادة باعتباره تدخلًا خارجيًا مباشرًا في بنية المؤسسة العسكرية وتوجهها واستقلالية قرارها ومستقبلها.
يضاف إلى هذا تحركات جيبوتية نشطة موازية للجنة الرباعية لحشد أطراف وقوى سودانية تحت مظلة منظمة “إيغاد” الإقليمية، ويرى مجلس السيادة أن هذه التحركات التي تجمع التيارات المدنية، من شأنها أن تمنحه غطاءً مدنيًا ينزع من خلاله الشرعية عن أي قوة مدنية أخرى متحالفة مع مليشيا الدعم السريع، أو تسير في فلك لقاءات نيروبي التي ضمت ممثلين عن الدعم، فضلًا عن اعتقاد مجلس السيادة بأهمية تصدير تحالفه وسيره المتوازي مع القوى المدنية ضد قوات الدعم السريع.
أفورقي في السودان:
في أوج المعارك التي يخوضها الجيش السوداني في ولايات تقع على حدود جنوب السودان، استقبل عبد الفتاح البرهان الرئيسَ الإريتري أسياس أفورقي لمناقشة آخر المستجدات. زيارة أفورقي الرسمية للسودان تأتي عقب زيارته القريبة إلى مصر، وهذا ما يعكس النشاط الإريتري رفيع المستوى في سبيل حشد المواقف الإقليمية التي تتعاضد مع الموقف الإريتري حيال سعي أديس أبابا إلى فتح منفذ بحري لها على حوض البحر الأحمر بما يشمل أحد موانئ إريتريا، حيث إن هذا التحرك الاستباقي من أفورقي يمكن ترجمته في إطار سعيه لإيجاد دعم دبلوماسي وأمني له في المنطقة تحسبًا لأي تحرك إثيوبي متهور ضد بلاده.
وبتعريف أسمرا موقفها حيال الحرب الدائرة في السودان بشكلٍ علني، لا يستبعد إطلاقًا دخولها على خط تسهيل مرور دعم عسكري باتجاه السودان للإسهام في ترجيح ميزان القوى لمصلحة مجلس السيادة على حساب الدعم السريع الذي يسجل تقدمًا نسبيًا بالقرب من حدود جنوب السودان وإريتريا.
بنك مصر جيبوتي:
لم يقتصر التعاون الفني المصري مع جيبوتي على إدارة ميناء دوراليه، بل شمل -إلى جانب هذا- التعاون الحيوي في القطاع النقدي بافتتاح بنك باسم مصر جيبوتي، لتمضي القاهرة بذلك نحو تعميق التعاون الاقتصادي والاستثماري الفني متبادل الفائدة مع جيبوتي.
فيما يأتي التحرك المصري المذكور في إطار السعي إلى زيادة الحضور في حوض البحر الأحمر عبر تعميق التعاون المتشابك مع أغلب دوله، يُلاحظ أن هذا التحرك يتبنى نهج التعاون الفني أو الوظيفي الذي يستهدف قطاعات تضمن تشعيب التعاون، على نحوٍ يؤدي إلى توقيع اتفاقيات تعاون متعددة، ينتج عنها مأسسة هذا التعاون عبر لجان مختصة، ما يضمن استفادة القطاعات الحكومية والخاصة منه ليكتسب ذلك الملمح الاستراتيجي المتشابك.
خطوات القاهرة في هذا الصدد لا تزال في البداية، وتحقيقها الفائدة المذكورة مرتبط بوجود متابعة مؤسسية حثيثة، فضلًا عن تفريع هذا التعاون ليشمل دولًا أخرى؛ الصومال وإريتريا خاصة؛ إذ إن تشعيب هذا التعاون وتنويعه ليتضمن عدة دول في الحوض سيضخّم الدور المصري على صعيدٍ إقليمي، وستعترف به أطراف من داخل الإقليم وخارجه، فتُقبل على التعاون مع القاهرة في سياقات مختلفة.
وفي حين يزيد هذا الأمر من أهمية الدور المصري الدبلوماسي والاقتصادي والأمني؛ التشاركي والأحادي، فلا شك في أنه يزيد كذلك من الأعباء؛ إذ يحفز الأطراف المنافسة لزيادة حضورها في الحوض بغية تحقيق توازن قوى اقتصادي وأمني أمام تنامي النفوذ المصري، ويبقى الفيصل في إنجاح هذا الدور هو تغليفه بتعاون إقليمي دولي موسع يقلص مساحات نفوذ المنافسين أو الخصوم، وبالفعل ثمة فرصة لتحقيق ذلك إن حدث تعاون تركي مصري سعودي قطري إيطالي أوغندي، إذ إن هذه الأطراف هي الأنشط والمتقاربة في وجهات النظر في حوض البحر الأحمر.
إثيوبيا واللعب على توازنات القوى:
عقب توجه وفد إثيوبي رفيع المستوى إلى موسكو قبل أسبوعين لاستعراض فرص التعاون الأمني والاقتصادي، تحرك الجانب الأمريكي لاستباق أي تعاون فعلي بين الطرفين بزيارة قائد القيادة الأمريكية في أفريقيا “أفريكوم” الجنرال داغفين أندرسون، إلى أديس أبابا للقاء آبي أحمد.
كانت واشنطن قد ألغت زيارة وزير خارجيتها إلى أديس أبابا ونيروبي أكثر من مرة، وهو بطبيعة الحال ما وجدت فيه أديس أبابا ضغطًا أمريكيًا عليها لا يصب في مصلحتها، في ظل تصاعد حدة التوترات بينها وبين أطرافٍ عدة في الإقليم، حيث إن المقاطعة الأمريكية تعطي ملمحًا سلبيًا ضد أديس أبابا في المنطقة.
تحرك واشنطن بهذا الشكل يعبر عن توجه وقائي للدفع بأديس أبابا نحو الحفاظ على علاقاتها معها بما يضمن توازن قوى يصب في مصلحة واشنطن لا موسكو، ولذلك من المتوقع أن يسفر هذا اللقاء عن عودة تدريجية للتنسيق الأمريكي الإثيوبي في بعض النقاط؛ لا سيّما نزع فتيل التوتر بين أسمرا وأديس أبابا بما يتضمن دفع واشنطن لأسمرا بتخفيف التدخل في الشأن الإثيوبي.
لا يزال الجيش السوداني في حاجة إلى مزيد من توثيق تحالفاته، وإعداد خطته، وتفعيل مختلف أسلحته حتى يواجه خطر التقسيم الذي يهدد الدولة برمتها، والإقليمُ كله في حاجة إلى حماية نفسه من التدخلات الخارجية الضارة؛ تلك التي يساعد عليها أحيانًا بعض أطراف من الإقليم نفسه أو الدول الملاصقة لها.
جميع الحقوق محفوظة لدى برق للسياسات والاستشارات©2025


