
ملخص السياسات: مصر وشمال أفريقيا
تتسم التطورات في المنطقة بحركية عالية على عدة جبهات، تتراوح بين دبلوماسية الطاقة المعقدة والتحولات السياسية الداخلية والمنافسات الإقليمية. يظهر المشهد تفاعلات استراتيجية متعددة المستويات، حيث تحاول الدول تعزيز أمنها ومصالحها وسط بيئة إقليمية ودولية متقلبة.
مصر وقضية الغاز:
بتصديق بنيامين نتنياهو على صفقة تصدير الغاز لمصر انتهى – ولو مؤقتًا – مسلسل الضغط الإسرائيلي على القاهرة بالتمنع عن إتمام الصفقة المبرمة بين الطرفين منذ شهر آب/ أغسطس الماضي، وقد جاء هذا عقب العديد من المستجدات في الملف الذي وُظِّف بصورة أساسية بعد تطورات غير مسبوقة في المنطقة رافقت أحداث طوفان الأقصى؛ من زيادة كثافة الوجود العسكري المصري في سيناء، ومعارضة منع الدخول إلى قطاع غزة من خلال معبر رفح، أو ما سُمّي “فتح المعبر في اتجاه واحد”.
ومن أهم المستجدات التي أدت إلى التصديق على الاتفاق:
- الضغط الأمريكي على تل أبيب، ويرجع للفائدة الاقتصادية التي تجنيها واشنطن من الاتفاق الذي يقوم على استخراج الغاز من حقل ليفياثان بطريق شركة شيفرون الأمريكية، فضلاً عن حصص لشركات ترامب في هذه الشركة.
- شروع المصريين في تنويع مصادر توريد الغاز لتجنب الابتزاز، مع الحفاظ على الخطوط الاستراتيجية مع واشنطن.
- العرض القطري المبادر بتوريد الغاز لمصر بسعر مناسب، وقد لاقى صدى واسعًا ومحبطًا للطرف الإسرائيلي، ما دفع بتحركٍ إسرائيليٍ وقائي.
شملت استراتيجية التنويع المصرية مفاوضات مع شركة هارتري بارتنرز الأمريكية وأرامكو السعودية، بالإضافة إلى شركتي Trafigura وVitol متعددتي الجنسية. وقد اتجه التكتيك المصري للتنويع دون إزعاج واشنطن صاحبة المصلحة في الصفقة مع إسرائيل، وذلك من خلال عقد صفقة موازية مع شركة أمريكية أخرى. دلت التطورات على أن تحرك القاهرة لإيجاد البدائل هو تحرك تكتيكي مؤقت، وليس استراتيجيًا مطلقًا، حيث يدلل قبولها مسبقًا بالسعر العالي الذي عرضته مجموعة تشغيل حقل ليفياثان الإسرائيلي على حرصها على إبقاء هذا التعاون قائمًا على أنه خيار أساسي، نظرًا لكونه ورقة للحفاظ على حيوية العلاقة مع واشنطن.
ورغم ذلك، فإن للتعاون مع أرامكو السعودية بُعدًا جيوسياسيًا مهمًا، حيث يعزز المواقف السياسية المشتركة حيال غزة وحوض البحر الأحمر بين البلدين، مع توفيره سعرًا مناسبًا وجغرافية ملائمة. وإلى جانب هذا فإن التعاون مع الشركات متعددة الجنسية يمنح مصر ضمانًا لتدفق الغاز بعيدًا عن الحسابات السياسية، رغم كلفته الأعلى نسبيًا. وقد أسمعت هذه المناورة المصرية صداها في واشنطن التي ضغطت بقوة على تل أبيب حتى أُقرَّت الصفقة. ولا ينبع الضغط الأمريكي من حسابات اقتصادية فقط، بل من رغبة في إبقاء خطوط تعاون إسرائيل حيوية مع دول المنطقة لتجاوز عزلتها، ويتجلى ذلك في السعي لترتيب لقاء بين نتنياهو والسيسي.
على الصعيد السياسي المتعلق بغزة، تظهر مصر حزمًا في رفض المخططات الإسرائيلية، مدعومة بزخم إقليمي ودولي. وقد عادت القاهرة لتؤكد رفضها القاطع لإعلان تل أبيب فتح معبر رفح باتجاه الخروج فقط، لما يتضمنه من خطة لتهجير سكان القطاع. وجاء هذا الرفض مدعومًا بشرعية إقليمية ودولية تشكلت برفض عدة دول وقَّعت على اتفاق شرم الشيخ لهذه الخطوة. هذا الموقف الموحد يزيد من العزلة الدبلوماسية لإسرائيل ويفوت عليها فرصة إلصاق تهمة عدم تسهيل الحركة بالقاهرة، ويُظهر أن تل أبيب وقعت تحت ضغوط أمريكية فعلية للانتقال إلى المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار.
رئيس روسيا البيضاء في الجزائر:
تأتي زيارة رئيس روسيا البيضاء ألكسندر لوكاشينكو للجزائر في إطار جيوسياسي. فمن الناحية الاقتصادية، لا يبلغ التبادل التجاري بين البلدين حجمًا كبيرًا، ولكن من ناحية التوقيت والنظر إلى مينسك الدائرة في فلك موسكو، يمكن قراءة الزيارة على أنها محاولة روسية لإعادة احتواء العلاقات مع الجزائر بعد تراجعها نتيجة خلاف حول الوضع في مالي. ويأتي هذا التوجه الروسي في إطار السعي لمواجهة التصاعد الكبير للحضور الأمريكي في شمال وغرب أفريقيا. وتبقى الزيارة استكشافية تحتاج إلى تبادل الرؤى لترسيخ المشترك بين الأطراف المعنية.
أما بالنسبة للجزائر، فللزيارة أهمية اقتصادية وجيوسياسية تخدم رؤيتها لزيادة حضورها الإقليمي؛ إذ يفتح توقيع 11 اتفاقية ومذكرة تفاهم بين البلدين في مجالات فنية وتعاونية الطريق أمام الجزائر لإظهار صورتها شريكًا حيويًا في بناء جسور التعاون مع الكتلتين الشرقية والغربية، مما يجعلها طرفًا جاذبًا لمزيد من الدول. وهذا يعود عليها بروابط اقتصادية واستثمارية تعزز دورها في ملفات أفريقيا، وتحقق توازن قوى نسبيًا أمام المبادرات المغربية الرامية لربط دول غرب أفريقيا بأوروبا باستغلال موقعها الجغرافي.
سعيِّد في مواجهة الاحتجاجات:
أما في تونس، فإن المشهد الداخلي يشهد تصاعدًا في الاحتقان، فقد خرجت تظاهرات عارمة تحت شعار “ضد الظلم” تطالب بالعودة للمسار الديمقراطي، ورُصدت محاولة لربط هذه التظاهرات بالشعب لا بجهة ولا تيار بعينه بالتوجه لدعم مطالب سكان قابس البيئية المطالبة بتفكيك مجمع كيميائي. تعتبر هذه النقطة لافتة، حيث تمثل استيعابًا أوليًا من قبل النخبة التونسية لضرورة تبني منحى شعبي بسيط لمقارعة الخطاب الشعبوي للرئيس قيس سعيّد، الذي يهاجم عادة أي حراك بشعارات المؤامرة الخارجية.
وفي خضم هذا، أدى لقاء سفير الاتحاد الأوروبي لدى تونس مع ممثلي اتحاد الشغل إلى استدعاء السفير من قبل الرئيس سعيّد احتجاجًا على ما وصفه بعدم الالتزام بالضوابط الدبلوماسية. يأتي هذا اللقاء في إطار التعبير عن موقف موجه للشعب بأن الاتحاد الأوروبي يدعم الحراك المجتمعي، وهو ما عززه قرار البرلمان الأوروبي الداعي لإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، الذي قوبل برد شديد اللهجة من الرئاسة. يُدرك سعيّد أهمية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي في التمويل، مما دفعه لجنوح نسبي نحو الاعتدال عبر الإفراج عن بعض قيادات حركة النهضة ومعتقلين آخرين، لكن يبدو أن هذا الإجراء تكتيكي مؤقت لتمرير موجة الانتقاد، وليس تغييرًا جذريًا في سياسة الحكم الفردي. التوقعات تشير إلى أن مسار التظاهرات المرتبط بالهموم الشعبية المباشرة سيزيد من الاحتقان الذي قد يكسر حاجز التعنت الرئاسي مع الوقت.
إلا أن بدء هذه التظاهرات كان عقب انتقادات لاذعة وجهها بعض حلفاء الرئيس إليه؛ خاصة أولئك الذين قاموا بدور سيئ في تسويق وتثبيت انقلابه على المسار الديمقراطي في تونس؛ انطلاق التظاهرات من هذه النقطة يثير تساؤلات حول بعض الأيادي التي تسعى إلى توظيف الاحتقان الشعبي الذي يهدد بالانفجار لصالحهم، تخلصًا من سعيّد، وعودة للحرس القديم في ظل حضور واضح للجيش وقوى الأمن.
المغرب بين منافسة الجزائر وحل مشكلات الداخل:
تركز المملكة المغربية على معالجة أزمة هيكلية لديها تتمثل في الجفاف المائي المستمر منذ سنوات ما يهدد الأمن الغذائي. ولهذا تتجه نحو مشروع ضخم لتوفير 60% من حاجتها من المياه بتحلية مياه البحر بالشراكة مع الصين، معتمدًا على الطاقة المتجددة. هذا المشروع يدل على تبني فكرة الاستثمار في مشاريع تحويلية غير مرتبطة بالموارد التقليدية التي تفتقر إليها الرباط، ويعكس سعيها لتحقيق أمن مائي دائم.
وفي سماء المنطقة تظهر إثيوبيا فاعلًا إقليميًا يسعى للتوازن والحياد لتعظيم مصالحها، فهي توقع اتفاقيات اقتصادية استثمارية ضخمة مع الجزائر، وفي المقابل تبرم اتفاقيات تعاون استخباري وشراكة عسكرية مع المغرب، في محاولة لإظهار الحياد بين الرباط والجزائر والتحرك وفق مفهوم المصالح المشتركة وليس الاصطفاف.
اتفاق عسكري لحفتر مع الجارة تشاد:
وفي ليبيا تتصاعد المخاوف الأمنية على الحدود الجنوبية، وتشير معلومات إلى تأسيس قوة مشتركة بين قوات خليفة حفتر والجيش التشادي منذ شهور تحت قيادة صدام حفتر. الهدف المتوقع من إنشاء هذه القوة هو تخوف قوات حفتر من حالة الفوضى التي قد تنجم عن تحركات المتمردين التشاديين على الحدود، خاصة مع عدم الاستقرار في السودان قرب المثلث الحدودي المصري السوداني الليبي. تزداد هذه المخاوف في ظل نشاط حركة “سبل السلام” السلفية المدعومة إماراتيًا في تلك المنطقة، حيث يبدو أن قوات حفتر باتت تخشى من احتمال توجه الخرطوم أو القاهرة نحو دعم بعض الحركات المتمردة التشادية ضد نشاط حركة “سبل السلام” المذكورة.
ومهما يكن، فالإقليم -كالعادة- يشهد أزمات داخلية وأزمات مشتركة وتفاعلات كذلك مشتركة مع الخارج ليست آنية، بل ممتدة تؤكد حيوية الإقليم، وانتظاره مزيدًا من التطور في أحداثه وعلاقاته في اتجاه الحل أحيانًا وفي اتجاه التأزم أحيانًا أخرى.
جميع الحقوق محفوظة لدى برق للسياسات والاستشارات©2025




