
الأزمات السياسية وبناء التحالفات.. أزمة غزة نموذجًا
من العوامل المؤثرة في مسارات السياسة الخارجية للدول وقوع أزمات اقتصادية أو سياسية أو إنسانية كبيرة؛ إذ من شأنها أن تؤدي إلى تفكيك بعض التحالفات وصناعة أخرى، وفقًا لتقدير المخاطر والمصالح الناتجة عن الأزمة، وليست الحرب العالمية الثانية بعيدة عن أذهاننا في هذا الباب، فقد أدى عدوان هتلر على بولندا عام 1939 إلى صناعة تكتلين عالميين خاضا حربًا طاحنة إلى عام 1945.
ولا شك أن بعض هذه التحالفات يكون مؤقتًا بالأزمة؛ يبقى ببقائها ويزول بانتهائها؛ أي أن المصلحة الآنية هي التي صنعته وجمعت تحت سقفها مجموعة من الخصوم أو غير المتوائمين، ثم تكون الأحداث التالية اختبارًا لمدى متانة هذا التحالف، فيستمر أو يزول، وقد يتفكك جزئيًا أو ينقسم كما حدث للتحالف السوفيتي الغربي في الحرب المذكورة؛ إذ تحوَّل إلى قطبين قادا العالم في الحرب “الباردةِ مباشرة” “الساخنةِ بالنيابة” طوال خمسين عامًا.
وحرب غزة الأخيرة التي بدأت بهجوم طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر سنة 2023 حدث إقليمي كبير، جرّ وراءه تداعيات إقليمية وعالمية مهمة، ونسعى هنا إلى رصد نتائجه المتعلقة بصناعة التحالفات في المنطقة وتفكيكها، وأحيانًا التأكيد عليها.
دوافع الحراك نحو الأحلاف:
القتل والدمار الواسع في غزة ولّد خوفًا عامًا من اتساع دائرة العنف ووقوع اضطرابات شعبية في بعض بلاد المنطقة؛ لذا حرص أغلب الأنظمة العربية على معارضة الحرب بصراحة في صورة جماعية وفردية. كما هدّدت سياسة تل أبيب في غزة باتساع نطاق الحرب ودخول أو إدخال دول أخرى فيها، وكانت دول المنطقة تحسب حساب التداعيات الخطيرة لمثل هذا السيناريو المرعب، والذي صار حقيقة خطيرة بنشوب أول حرب مباشرة بين تل أبيب وطهران في يونيو 2025 وما تلا ذلك من حرب أمريكية إسرائيلية على إيران منذ الثامن والعشرين من فبراير 2026 وما زالت تراوح بين الاشتعال والانطفاء.
هذا كله صحبته جهود محمومة في وزارات الخارجية وعلى مستوى القيادة العليا في دول المنطقة لاستيعاب ما يجري واتخاذ مواقف أكثر تحقيقًا لمصالحها ودفعًا للخطر عنها، فبدا أن العنصر الجامع لأغلب الأنظمة العربية والإسلامية التي دخلت على خط الأزمة بصورة أو بأخرى؛ هو معارضة سياسة نتنياهو في غزة وما بلغته آلته العسكرية من استعمال القوة النارية ضد المدنيين بلا كوابح قانونية ولا موانع أخلاقية، مما أثار حركة معارضة شعبية ضخمة في الغرب ضد الحرب، وهو أمر مقلق جدًا للعواصم العربية؛ لأنها المسؤول الأخلاقي والشرعي الأول لا الغرب عن حقوق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم.
ومع ما في السطور السابقة من تعميم، فلابد من التأكيد على أن كل دولة بالمنطقة قد قدرت المخاطر التي تهددها حسب أحوالها، فمصر تخشى أن تتحمل عبء تهجير الغزيين إلى سيناء وما في هذا من اضطرابات ضخمة اقتصادية وسياسية يمكن أن تصحب التهجير، وبالمثل خشيت الأردن من حركة نزوح فلسطيني جديد في اتجاهها؛ خاصة من الضفة التي لم تكن يومًا بمنأى عن الحدث الغزي الملتهب.
وأما السعودية، فخشيت من الاضطرابات الاقتصادية العالمية والإقليمية التي تهدد طموحاتها، وتحسبت أكثر للمخاطر الأمنية التي تهددها بسبب تفجر هذه الأزمة المتجاوزة بطبيعتها لحدود غزة وفلسطين بالقرب من حدودها الشمالية. ومع ما عانته تركيا هي الأخرى من مشكلات اقتصادية بسبب أحداث المنطقة وارتفاع أسعار الطاقة، فقد بقي التهديد الأمني وإجبارها على دخول الحرب أمرًا متوقعًا وأشد خطرًا لدى المسؤولين في أنقرة.
ومع أن إسلام آباد بعيدة نسبيًا عن الحدث، إلا أن حضور تل أبيب عسكريًا في المواجهات الهندية الباكستانية كأنه فرض على السياسة الباكستانية الحضور في قلب الأزمة في غزة؛ وذلك لتحقيق هدف داخلي يتعلق بشراء رضا الجماهير في الداخل بأن حكومتهم تقف عمليًا مع حقوق الشعب الفلسطيني، وتوثيق العلاقات الشخصية بالإدارة الأمريكية طمعًا في زيادة الشقة بين واشنطن والخصم العتيد نيودلهي ومنح إسلام آباد الأفضلية في هذه الناحية.
التحالف الثماني:
بدأت ملامح هذا التحالف تظهر عقب قمة عربية إسلامية موسّعة عُقدت في الرياض في نوفمبر 2023 على خلفية الحرب في غزة، ثم تابعت بعض أطراف القمة جهودها في القضية، حتى انتهت إلى توحيد جهودها معًا في هذا السبيل. ومع أن التحالف جاء أقرب إلى التحالف التنسيقي، فأصدر بيانات مشتركة، ونسق بين أعضائه في الأمم المتحدة، واتخذ موقفًا موحدًا من خطط ترامب، إلا أنه كان نواة جيدة وقابلة للتطور، وإن على يد بعض الأعضاء دون جميعهم.
لقد سعى كثير من الأطراف العربية والإسلامية دبلوماسيًا مساعي متفاوتة المستويات، لكنها كانت كثيفة ومتواصلة، إلى وقف الحرب على غزة، ومن أهم هذه الأطراف الدول الثماني: تركيا، وقطر، والسعودية، ومصر، وباكستان، وعمان، وإندونيسيا، والأردن، وظهر في هذا مساران:
الأول: التواصل مع الأطراف الدولية؛ مثل الاتحاد الأوربي وبريطانيا والصين وروسيا، لدعم مساعي وقف الحرب.
والمسار الثاني: الضغط على إدارة البيت الأبيض للهدف نفسه، وهو المسار الذي ظهرت جدواه عمليًا، لكن ظهر أيضًا أن الأطراف العربية والإسلامية التي تحركت وفق هذا المسار لا تملك كل دولة منها بمفردها الثقل اللازم للضغط على واشنطن بدرجة مؤثرة، في حين ظهرت جدوى العمل الجماعي أكثر؛ خاصة في خطة ترامب للسلام التي أوقفت الحرب، وما زالت أطراف التحالف تحاول إنجاح الاتفاق بالرغم من عدم توقف الخروقات الإسرائيلية الكبيرة.
حقيقة لم يكن ثمة حل لتحقيق أهداف التحالف، وتحقيق نوع من الحماية المتبادلة بين أعضائه، إلا بالحركة الجماعية المنسقة بين دول المنطقة، وهذا هو المسوِّغ الواقعي لظهور هذا التحالف والتأكيد على أن الواقع يستدعيه استدعاء، إلا أن تباين السقف الذي يتحرك تحته أعضاؤه مثَّل عناصر ضعف فيه، ففي حين كانت تركيا تسعى إلى الضغط على الطرف الإسرائيلي لاضطراره إلى إيقاف الحرب وإلزامه بالقوانين الدولية، سعت أغلب الأطراف العربية المعنية إلى إيقاف الحرب لإتاحة أجواء أفضل لإقامة علاقات “طبيعية” مع تل أبيب.
من التحالف الثماني إلى الثلاثي:
وفي ظل التطورات التالية المتسارعة والساخنة التي شهدتها المنطقة خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة؛ كسقوط نظام الأسد، ونشوب الحرب على إيران، والحرب في جنوب لبنان، وفي اليمن؛ في ظل هذه التطورات لا تفتأ الجهود تتوالى لفتق الرتق والحيلولة دون تطور الأوضاع من حرب إقليمية محدودة الأطراف إلى ما هو أوسع، وقد كانت هذه الجهود دائما جماعية وإن بدت في بعض الأحيان فردية؛ كالمساعي الباكستانية لإيقاف الحرب في إيران، فقد كانت محل تشاور مستمر مع الأتراك، ومحل دعم مطلق من السعوديين والقطريين، وكذلك سعي الدوحة إلى تكملة الجهود الباكستانية للحفاظ على حالة اللاحرب واللاسلم تمهيدا لإتاحة الأجواء للوصول إلى اتفاق تام؛ كان مبنيًا على دعم أغلب الأطراف الفاعلة في المنطقة.
وقد تجاوزت المسألة مجرد العمل على إنجاح اتفاق غزة؛ لأن تطورات الحدث الغزي الضخم صحبتها مواقف غير مبشرة لدول المنطقة من جهة تل أبيب وواشنطن، أما الأولى، فسعت بقوة إلى الانفراد بالتفوق العسكري الساحق في المنطقة على جميع الأطراف، وامتلاك الردع المطلق ضد الجميع. ومع أن هذه نغمة إسرائيلية قديمة وكثيرة التردد، إلا أنها سلكت طريقها إلى الواقع بصورة أكثر قوة ووضوحًا. وقد تجلت دلائل هذه السياسة في عدم التزام تل أبيب بأي اتفاق كلمة سنح لها هدف في غزة أو لبنان، بل تجاوزت لأول مرة الخطوط الحُمْر في علاقتها المتوترة باستمرار مع إيران منذ زوال حكم الشاه فدخلت معها في حربين قاسيتين خلال أشهر.
وأما واشنطن، فظهر من سلوكها في المنطقة مع الأزمة وتطوراتها؛ خاصة في حرب إيران، أنه لا صديق لها في المنطقة غير تل أبيب، وأنه يمكنها التخلي عن أي طرف آخر في صفقة أو أخرى لأجل مصالحها، وتجلى هذا في استهداف الجيش الأمريكي إيران من القواعد العسكرية الأمريكية في بلاد المنطقة، مع علمه التام بأن طهران لن تتردد في استهداف أي شيء في هذه الدول في هذه الأحوال، كما دعمت واشنطن جيش الاحتلال الإسرائيلي وحكومته في تدمير غزة دعمًا كاملا بالعتاد والعون السياسي والدبلوماسي والقانوني.
وبهذا السلوك الأمريكي والإسرائيلي ظهرت عند دول المنطقة الحاجة إلى تحالف أضيق، ولكن أقوى، وهذا ما ترجم عنه الاتفاق الثلاثي الأخير بين أنقرة والرياض وإسلام آباد، وصرح هاكان فيدان – وزير خارجية تركيا – أن القاهرة تتجه نحو اللحاق بهم.
وهذا السلوك على الجملة هو نوع من الواقعية السياسية المهمة تتبعها الأنظمة، وإن كانت التطورات ستكشف عن مدى متانة هذا التحالف وجدية أطرافه في العمل به.
وقبل الختام ينبغي أن نتنبه إلى أن إيران قد فاتها كثيرًا أن توظف التحالفات مع دول المنطقة في سبيل درء الخطر عن نفسها مع اندلاع حرب غزة الأخيرة، ومع أنها شاركت في قمة الرياض العربية الإسلامية في نوفمبر 2023، إلا أنها لم تشارك الأطراف الإقليمية جهودها الجادة لإيقافها، وآثرت على ذلك – تحت ضغط الحس الطائفي المسيطر على النظام – الهدفَ الدعائي، وهو الظهور بمظهر الداعم الوحيد ميدانيًا للحق الفلسطيني، مما أتاح للأمريكيين والإسرائيليين الانفراد بها في حرب ستترك غصة في حلق النظام الحالي ما دام قائما؛ لذا فإن التحالفات السنية التي تبرز في المنطقة لا تستهدف الاحتماء من إسرائيل وحدها، بل من إيران كذلك وإن صرح الوزير فيدان بأن إيران ليست هدفًا للتحالف الجديد.
وفي الختام، لا يبدو أن سياسة التحالف بين الدول الأساسية في الإقليم ستشهد تغيرًا كبيرًا في القريب، حنى ولو جاءت إدارة إسرائيلية أخرى في تل أبيب تتبنى سياسة التطبيع مع دول المنطقة؛ لأن الجميع هناك لا يريدون إيقاف مأساة غزة. إلا أن جدوى هذه التحالفات تقف في وجهها كثير من العقبات؛ مثل رغبات واشنطن غير الثابتة، وتضارب مواقف بعض دول التحالف الثلاثي تجاه أطراف معينة؛ مثل إيران ذات العلاقة الجيدة مع باكستان والمهتزة مع الرياض، ومع هذا فلو ملكت أطراف التحالف قرون استشعار سياسي قوية فإن دعم طرق التعاون بألوانه السياسية والاقتصادية والعسكرية بين قوى المنطقة هو حل جماعي لكثير من مشكلاتها ومعادلة المخاطر التي تهددها.
جميع الحقوق محفوظة لدى برق للسياسات والاستشارات©2026




