
رغم استغراب واستهجان الكثيرين للمشهد الذي تابعوه على الشاشات، وهو قيام ملك البحرين حمد آل خليفة بإهداء الرئيس الروسي بوتين سيفًا دمشقيًا، قال الملك حمد أنه أشرف شخصيًا على صنعه، وهو من الفولاذ الدمشقي، والغمد والمقبض من الفضة والذهب، وقد سمَّى الملك السيف سيف النصر، وقال لبوتين وهو يسلمه السيف: (إن النصر سيكون حليفك).
ولا يعود هذا الاستهجان لذات الفعل، فهو جزء من البروتوكولات الدبلوماسية، ولكن ما يُثير حفيظة الكثيرين في العالم العربي وبالذات السوريين منهم، هو ظروف هذه الهدية من التدخل الروسي الفج من خلال مساعدة النظام ضد الثورة السورية، وقيام الطيران الروسي باستهداف المدنيين والثوار، دون أن يستهدف تنظيم داعش تقريبًا، والذي جاء تدخله -حسبما ادَّعى-للقضاء على التنظيم، مما أدى ومازال يؤدي لتشريد عشرات إن لم يكن مئات الآلاف وقتل العشرات يوميًا.
السؤال الذي يفرض نفسه الآن، لماذا أقدم الملك حمد على هذا الفعل، وفي هذه الظروف التي تمر بها المنطقة، وهو في النهاية فعل سياسي وإن تم تغليفه بصورة هدية، وهو فعل يحمل رسائل قرأها الرئيس الروسي بدقة، وعلى العرب قراءتها، وعلى الثورة السورية بالذات تحليلها للخروج بخلاصات تشرح مبررات هذا التصرف ومعانيه، وغيره من التصرفات التي صدرت من رموز عربية ألحقت أذىً معنويًا شديدًا وماديًا كذلك بالثورة السورية في وقت نراها تمر بظرف عصيب، حيث تحالف عليها البعيد والقريب.
لم تمر الدولة الروسية بما مرت به تركيا عند انهيار الدولة العثمانية، فلم تصبح روسيا دولة من الدرجة الثالثة أو حتى الثانية عند انهيار الاتحاد السوفياتي، ورأى العالم كله كيف أعادت تأهيل نفسها، و أخذت زمام المبادرة على الساحة الدولية، وربما يأتي تدخلها العسكري المباشر لمحاولة إجهاض الثورة السورية، وزاد موقفها قوة تراجع نفوذ الولايات المتحدة في المنطقة، ورغبة واشنطن بعدم التدخل عسكريًا إن أمكن في أزمات الشرق الأوسط، وبالذات بعد خروجها من العراق، ولم يكن غريبًا أن روسيا التقطت هذه الرسالة بسرعة، وبالذات بعد الاتفاق النووي بين الغرب وإيران، حيث تركت الولايات المتحدة والغرب عمومًا منطقة الخليج والشرق العربي لإيران كقوة عظمى فيه، ومن ورائها حليفتها موسكو، وترك روسيا تكسب مزيدًا من النفوذ خاصة في سوريا، حيث ساندت نظام الأسد في لحظة أوشك فيها على الانهيار، فيما الغرب وقف متفرجًا بل ومتواطئًا على هذه الثورة، حيث تمحورت سياسات الولايات المتحدة طوال سبع سنوات من عمر أوباما في البيت الأبيض حول عدم التدخل والانسحاب من كثير من المناطق في العالم و منها الشرق الأوسط، ومن الواضح أن أوباما لن يغير سياسته في السنة الأخيرة من ولايته.
ويبدو أيضًا على المستوى العربي أنه تم إدراك تغلغل روسيا وإيران في المنطقة، وتراجع دور الحليف التقليدي الولايات المتحدة، لذا بدأت دول المنطقة بالبحث عن تحالفات و ترتيبات أمنية وسياسية جديدة تضمن لها أمنها واستقرارها سواء بشكل فردي أو جماعي، وإن كانت هذه التحالفات تبدو مرتجلة وغير مخطط لها بعناية، فعلى سبيل المثال نجد أن المملكة العربية السعودية، وبالذات في عهد الملك سلمان حاولت أن تسد الفراغ الذي سببه انسحاب الولايات المتحدة من المنطقة، بأن تدخلت عسكريا و بغطاء عربي في اليمن بعد أن وصل التدخل الإيراني إلى حدودها الجنوبية و برضى روسي، وقد كان التغلغل الإيراني قد وصل إلى مستويات غير مسبوقة في كلٍ من العراق وسوريا ولبنان والبحرين وسط تنسيق إيرانيٍّ-روسي، لذا لم تجد السعودية من مناص إلا عبر محاولة التفاهم مع موسكو.
ها هو الملك سلمان سيقوم بزيارة إلى موسكو في محاولة منه للتفاهم حول العديد من الملفات في المنطقة، وكذلك نجد الأردن أصبح وحيدًا وقد تخلت الولايات المتحدة عن قسم كبير من تعهداتها وخاصة المالية منها أمام تدفق مئات الآلاف من اللاجئين السوريين، ووصول المليشيات الشيعية إلى الجنوب السوري بمحاذاة الحدود الأردنية، مما استدعى من الملك عبد الله ملك الأردن زيارة روسيا لأخذ تعهدات من موسكو بعدم اقتراب هذه المليشيات من حدوده، ورغم هذه التعهدات من موسكو إلا أن هذه المليشيات مازالت على حدود الأردن من الجهة السورية.
ورغم تعهد موسكو أيضًا للأردن بعدم استهداف المعارضة المعتدلة في جنوب سوريا لتضَلَّ هذه الفصائل سورًا بين الأردن وداعش، ورغم ذلك نجد أن موسكو قد استهدفت هذه الفصائل أيضًا غير آبهة بتعهداتها للأردن، وهذا يوضح كيف أن موسكو أصبحت ترى أن المنطقة ساحة لها بلا أي وجود حقيقي للولايات المتحدة.
ولا يفوتنا أن نعرج للبحرين ذاتها فنرى النظام فيها يحاول بشتى الطرق حماية نفسه من التجاوزات والاعتداءات والتدخلات في شأنه الداخلي من طرف إيران، بل ومحاولة زعزعة نظام الحكم أيضًا، وربما يكون هذا النظام قد استوعب تماما أن الولايات المتحدة لم تعد تريد الانغماس في أزمات المنطقة، فاختارت المنامة وملكها الذهاب بشكل مباشر إلى حليف طهران وسندها القوي النظام الروسي؛ لمحاولة استجداء أمنها عبر رسالة جرحت كل العرب وبالذات الثورة السورية.
ولعل ما شجع الولايات المتحدة على هذا الانسحاب من المنطقة؛ انهيار أسعار النفط بشكل كبير مما جعل المعروض منه أكبر من حاجة الغرب بالذات، وارتفاع احتياطي الولايات المتحدة منه.
قد تكون الولايات المتحدة والنظام الروسي قد التقيا على نقطة جوهرية ضمن تصورهما أن خطر الإرهاب والتطرف الإسلامي وخاصة داعش يشغل الجميع، سواء الولايات المتحدة أم روسيا وأن مكافحته هي أولوية الجميع أيضًا، وربما أدركت الولايات المتحدة أن أسلوب روسيا عبر سياستها في الأرض المحروقة هي الأفضل في تصفية الإرهاب من جذوره، غير آبهين بمئات الآلاف من المدنيين الأبرياء طالما يمكن تكذيب أي أرقام أو نشرات توضح الإجرام الروسي، وربما أيضا تكون الولايات المتحدة قد تصورت أن السعودية ذاتها وربما الإسلام ذاته، منبع الإرهاب وأنه لا يمكنها أن تظل حليفة للسعودية، لذا فهي تتخلى عن التزاماتها لتقفز للضفة الأخرى من الخليج للتفاهم مع إيران والتي وإن كانت تعلن العداء للولايات المتحدة والغرب، إلا أنها على المستوى العملي حليف يمكن الوثوق به.
بالعودة إلى السيف الدمشقي، فالكل يدرك أن العرب عبر تاريخهم الطويل لم يصنعوا سلاحًا يحميهم إلا السيف، وبالذات السيف الدمشقي، فربما أرادها ملك البحرين أننا نسلم كل أسلحتنا، مقابل الإبقاء عن أنظمتنا وحياتنا مهما كان شكل هذه الحياة، ونسلمكم دمشق مقابل حمايتنا، افعلوا ما شئتم في سوريا واستمروا في القتل والقصف، وها هو سيف النصر معكم، والنصر حليفكم على ما تبقى من كرامة عربية، واقضوا إن استطعتم على الثورة السورية، وأبقوا على رقابنا فقط، فليس السيف الدمشقي وحده الآن أسيرٌ لدى موسكو، بل كل كرامة العرب.
للتحميل من هنا
جميع الحقوق محفوظة لدى مركز برق للأبحاث والدراسات © 2016





