الاصداراتالدراسات الاستراتيجية

التحولات الاستراتيجية لإسرائيل في سوريا

(الضربات العسكرية نموذجًا)

مقدمة

وفقَ معادلة التنافس الإسرائيلي – الإيراني على إيذاء شعوب المنطقة يعمل الطرفان على الإيحاء بوجود حالة عداء مباشرة، لكن جوهر الحقيقة يُشير إلى وجود حالة تشاركية متبادلة وعلاقات متداخلة تعزز الروابط بين طرفي صناع القرار في البلدين، فلا عداء مباشر بين إسرائيل وإيران ولا وجود لأي رغبة في إسقاط النظامين السوري والإيراني، أما المتغيرات ففي سياق توجهات إسرائيلية جديدة لتعزيز مناطق نفوذها سوريًا  وحمايتها من كم المليشيات الهائل والذي لا تعطِ له إيران أي اهتمام.

تعتمد إسرائيل تكتيكًا جديدًا في طريقة تعاطيها مع الملف السوري، عبر تشكيل حالة انسجام مع الولايات المتحدة الأمريكية بعد فرضها معادلات جديدة في كامل منطقة الشرق الأوسط، بدأت تفاعلاتها بعد قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الانسحاب من سورية في 21- ديسمبر / كانون الأول 2018م، عكس القرار إصرار إسرائيل على تأكيد خطوطها الحمر في سورية المتعلقة بحماية مصالحها الاستراتيجية في مرتفعات الجولان، ومنع تواجد أي نفوذ عسكري لإيران عبر نشرها مليشيات متعددة الإيديولوجيات تُهددها في جبهتها الشمالية الشرقية، كذلك تسعى في منع إيران استغلالها ملء الفراغ الذي قد يحدث إذا ما أقدمت أمريكا على انسحاب كامل من سورية وترك الساحة عرضةَ للتشظي بين الفواعل الإقليمية بغية إيصالها إلى حالة الاستنزاف التام.

 إلا أن هذا الاحتمال يبقى مستبعدًا بالنظر إلى ضبابية توجهات الإدارة الأمريكية في تنفيذ القرار من عدمه. لكن إسرائيل في كلتا الحالتين ترغب في احتواء نفوذ إيران التوسعي دون أي غاية أخرى متعلقة بإسقاط النظام في طهران، فحالة العداء من وجهة نظر ها تنحصر في وجود المليشيات القريبة من دولة الاحتلال المدعومة من إيران، كونها لا تنخرط بشكل مباشر في سورية ولا وجود فعلي لها على الأرض إلا ببعض الشخصيات الاستشارية بناءً على طلب من حكومة بشار الأسد في دمشق. لذا فإن جميع الضربات الإسرائيلية منذ 2013 وحتى مطلع 2019 تستهدف أذرع إيران بشكلٍ أساسي.

 ولكي تبقى إسرائيل محافظة على ضبط السيطرة واصلت تنسيقها مع موسكو عبر الخط الساخن لمنع أي احتكاك جديد من شأنه أن يفتح سجل الخلافات السابقة معها والتي بلغت ذروتها بعد حادثة إسقاط طائرة إيل يوشن 20 الروسية 18- سبتمبر/ أيلول 2018م. وبعد أيام من عودة العلاقات بين الجانبين على أثر لقاء ثنائي جمع ضباط إسرائيليين وروس 17- يناير/ كانون الثاني 2019م أقدمت تل أبيب  21- يناير/ كانون الثاني 2019م على شن غارات جديدة على سورية بعد انقطاعها لأشهر، استهدفت مواقع يتواجد فيها مليشيات تابعة لإيران في محيط العاصمة دمشق والمنطقة الجنوبية. وبحسب رواية الناطق الرسمي لإسرائيل أفيخاي أدرعي[1] فإن المواقع المستهدفة شملت مواقع تخزين وسائل قتالية ومعامل لتخزين الأسلحة في محيط مطار العاصمة دمشق، وموقع استخبارات ومعسكر للتدريب وبطاريات دفاع جوي تابعة للنظام السوري، معتبرًا أن الضربات جاءت كرد على إطلاق صارخ من نوع أرض- أرض من داخل الأراضي السورية باتجاه هضبة الجولان.

حمَلت الضربات الأخيرة مؤشرات على تغّير في استراتيجية إسرائيل تجاه سورية فبعد التركيز على منع أي هجمات على هضبة الجولان بالفترة ما بين 2011- و2013 اتجهت بعد ذلك  نحو استهداف مليشيات إيران في الساحتين السورية واللبنانية، بالتنسيق وبالتفاهم مع واشنطن وموسكو،. لكن تبدل الاستراتيجيات الأمريكية تجاه سورية والتي تسارعت مع مجيء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للسلطة 20- يناير/كانون ثاني 2017م انعكست بشكل أو بآخر على التوجهات الإسرائيلية ومصالحها الأمنية في سورية. ولعل قراري ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي وخروج قواته من سورية يمثلان العاملان الأساسيان في التحولات الاستراتيجية لإسرائيل في الملف السوري.

تناقش هذه الورقة التحولات الاستراتيجية لإسرائيل في أساليب الردع والاحتواء في سورية من خلال تحليل دوافع وغايات ضرباتها العسكرية المتواصلة والسيناريوهات المحتملة في خيارات المواجهة على المليشيات المدعومة من إيران وحزب الله.

أولًا: مُحددات التحول في الاستراتيجيات الإسرائيلية السورية.

يُفنّد التعاطي الإسرائيلي تجاه سورية وفق ثلاثة استراتيجيات:

1_ استراتيجية إفشال المخاطر قبل وقوعها

بدأت إسرائيل أولى استراتيجياتها في سورية منذ احتلالها هضبة الجولان 1967م واعتمدت بذلك تكتيك إفشال المخاطر قبل وقوعها عن كامل مساحة الهضبة البالغة بـ 1200كم مربع وبطول 62 كليو متر، ونظرًا لتمتع الهضبة بأهمية جغرافية هامة من حيث إطلالها على المدن الشمالية الإسرائيلية، جعلت منها إسرائيل خطَّ دفاع أول لصد كل الهجمات العسكرية المحتملة من سورية، واستناداَ إلى امتلاك إسرائيل تقنيات تكنولوجية خاصة إلى جانب تفردها بعوامل القوة في أجهزتها المخابراتية استطاعت إحباط المخاطر قبل وقوعها، فاخترقت المجال الجوي السوري عام 2006  بأربع طائرات إسرائيلية حلقت فوق قصر الرئيس بشار الأسد، و كان التبرير الإسرائيلي آنذاك اتهامها حكومة دمشق في دعم حركة حماس[2]. عقبها استهداف 2007 على موقع عسكري في محافظة دير الزور وصف آنذاك على أنه مفاعل نووي.

2- استراتيجية ضبط السيطرة والردع

اعتمدت إسرائيل هذه الاستراتيجية مع بداية تصاعد الأعمال العسكرية في سورية مطلع 2011م، فتعمدت عدم الانخراط المباشر والاكتفاء بردع كل المخاطر الأمنية عن كامل خطوط التماس في جبهة الجولان، مع تشديدها منع تمركز الجماعات المسلحة بكافة تصنيفاتها في بعض القرى والبلدات والتي قد تشكل مبعث قلق على أمنها القومي، فبدأت أولى ضرباتها في 30- كانون الثاني/ يناير 2013 على بعض المواقع العسكرية داخل سورية وارتفعت الوتيرة أكثر مع انتشار مليشاوي تابعين لحزب الله وإيران داخل سورية، فكانت الضربات العسكرية الإسرائيلية في الفترة ما بين 2015- و2016 بمثابة توجيه ضربات وقائية  شملت شحنات أسلحة متطورة ومراكز تدريب، كذلك نجحت إسرائيل من خلال هذه الاستراتيجية تحقيق هدفين مهمين، الأول تمثل في تدمير ترسانة كيماوي النظام بهدف منع انتقال مكوناتها والتكنولوجيا الخاصة بها إلى أيادي حزب الله والتنظيمات الراديكالية (تنظيم الدولية داعش- جبهة النصرة) وكان موقع جمرايا الواقع قرب الحدود اللبنانية الذي يضم مركز البحوث العلمية والمتخصص في انتاج الأسلحة الكيماوية، محل اهتمام تل أبيب و استهدفته أكثر من مرة في الفترة ما بين 2013- 2018م

أما الثاني فخُصّص لتدمير ترسانة النظام الصاروخية المضادة للطائرات، وبشكل أو بآخر تعتبرها تل أبيب  خطرًا على أمنها القومي في حال وقوعها بيد المعارضة ( معتدلة- متشددة) أو حتى بقائها في يد النظام، خاصة صواريخ سكود الروسية التي يمتلكها النظام، ولتحقيق ذلك ركزت إسرائيل حيزًا كبيرًا من غاراتها على هذه المنظومة لحرمان النظام من استخدامها ضدها من جهة، واستنزافه مع حلفائه عسكريًا من جهة أخرى، و قد امتنعت تل أبيب  عن التصريح بعدد الغارات أو المواقع المستهدفة داخل سورية لاعتمادها أسلوب أمني خاص، لكنها ولأول مرة في 2017 أقرت على لسان المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي بتنفيذ أكثر من 200 غارة داخل سورية[3].

3_ التدخل المباشر

ساهمت الأزمة السورية في انتشار مكونات من جنسيات مختلفة وعبر شركات خاصة جنّدت آلاف المقاتلين يقدمون ولاءهم لإيران في المنطقة فألقت بكامل ثقلها في سورية ضمن استراتيجية طويلة الأمد وانتشرت عبر مليشيات متعددة الأقطاب في غالبية الجغرافية السورية، ودعمت ذراعها في لبنان حزب الله عبر مده بوسائل التقنية الحديثة والصواريخ الذكية بهدف تهيئة سورية لجعلها قاعدة انطلاق متقدمة في وجه إسرائيل، استشعرت إسرائيل خطر التمدد البري وفي حزيران/ يونيو 2018م  كشفت الاستخبارات الإسرائيلية قائمة للمرتكزات الإيرانية في سورية، واعتبر الجنزال تامير هايمان أن هدف إيران إيجاد موطئ قدم لها في سورية لتهديد إسرائيل[4].

ولمواجهة المد المليشياوي الإيراني دخلت إسرائيل بشكل مباشر في الصراع السوري، واعتمدت استراتيجية مزدوجة سياسيًا مارست العديد من الضغوط على إيران من خلال الولايات المتحدة الأمريكية وحرضتها للانخراط أكثر في سورية، إلى جانب الدفع بإدارة ترامب للانسحاب من الاتفاق النووي، وقد عُرف عن إسرائيل معارضتها للاتفاق منذ لحظة توقيعه تموز/ يوليو 2015م في عهد إدارة أوباما مع دول 1+5، بذريعة أن الاتفاق يحول دون تحجيم نشاطات إيران النووية ولا يساهم بتقويض برنامجها الصاروخي، ولا يتعارض مع توسع نفوذها في المنطقة وهي أمور رأت فيها إسرائيل خطرًا على مصالحها الاستراتيجية في كامل منطقة الشرق الأوسط، فالتقت مصالها مع الرئيس ترامب فأعلن الأخير انسحابه من الاتفاق في الثامن من مايو/ أيار 2018م، وبهذا التحول مثّل الانسحاب ضربة قاسمة لإيران مع تسارع تداعيات القرار داخليًا وخارجيًا عليها، وبعد مضي أيام أعادت واشنطن فرض العقوبات الاقتصادية عليها، وقامت حكومة تل أبيب بتوظيف المتغيرات من خلال تشكيلها تحالفات إقليمية مناهضة لسلوك إيران الخارجي، وأطلقت العديد من التصريحات على ضرورة خروج كامل المليشيات من سورية.

شكل انسحاب الرئيس الأمريكي ترامب من الاتفاق النووي مع إيران أولى محطات دخول إسرائيل المباشر في سورية فعملت عسكريًا على توجيه عدة ضربات للمجندين الإيرانيين، وقد اعتبر العاشر من فبراير/ شباط 2018م فاصلًا مهمًا للسياسة الإسرائيلية تجاه إيران بعد أن أقدم النظام عن طريق دفاعه الجوي على إسقاط طائرة مقاتلة حربية من طراز F16 كرد فعل على قيام إسرائيل في 9 إبريل/ نيسان2018م استهداف مطار T4  العسكري قرب مدينة تدمر شرق سوريا، والرواية الإسرائيلية حينها قالت إن غاراتها جاءت ردًا على خرق طائرة إيرانية بدون طيار الأجواء الإسرائيلية، وحسب إسرائيل فإن إيران تتخذ من القاعدة مركزًا لصنع الطائرات محلية الصنع لاستهداف إسرائيل، وفي 30 من الشهر نفسه استهدفت إسرائيل عدة نقاط عسكرية قرب حماه وحلب أسفرت عن تدمير 200 صاروخ لإيران[5]، مع ذلك لم تتعدَ ردود الفعل الإيرانية إطار التصريحات السياسية كالتعهد بإزالة إسرائيل وضرب تل أبيب، أما على أرض الواقع فلا يبدو حتى الآن تأثيرات الردع المباشر الإسرائيلي ظاهرة على إيران، ما يُفضي إلى وجود حالة تناسق  ضمنية على مستوى صانعي القرار بين البلدين والاقتصار على معارضة إسرائيلية خاصة بالسياسة الخارجية في إيران، فيما أي حديث عن رغبة إسرائيل في إسقاط النظام الإيراني هو خارج حسابات الطرفين.

 وبالرغم من كل الرسائل الإسرائيلية لصناع الساسة في إيران إلا أن الأخيرة لا تبدي أي تجاوب حتى الآن بمطلب الأخيرة، بل تسعى جاهدة إلى زج المزيد من المليشيات في سورية ظهر آخرها في جنوب سورية عقب سيطرة النظام على مدينة درعا ومعبر نصيب الحدودي بهدف تكريس نفوذها البري بممر يربط طهران بلبنان عبر سوريا، كما استمرت في إرسال الأسلحة إلى حزب الله، و استفادت إيران من حالة التوتر بين إسرائيل وموسكو على خلفية إسقاط الطائرة الروسية إل يوشن 20  والتي قُتل على أثرها جميع أفراد الطاقم الروسي 18-سبتمبر/ أيلول 2018. لكن إسرائيل سرعان ما احتوت الموقف مع حليفتها موسكو وأسقطت كل الرهانات الإيرانية بتحرك منفرد في سورية مطلع يناير 2019م، ويبدو أن المعطيات الجديدة التي طرأت على السياسة الأمريكية بقرار الانسحاب من سورية وذوبان رأس الجليد الروسي الإسرائيلي دفعها لبلورة خطة تكاملية فأكدت من جديد على خطوطها الحمر في سورية، إلى جانب المزيد من نسج التحالفات الإقليمية لمواجهة أذرع إيران في كل من لبنان وسورية.

ثانيًا: توظيف التنسيق الإسرائيلي مع موسكو وواشنطن

صرحت إسرائيل أكثر من مرة بضرورة خروج كامل مليشيات إيران من سورية، وقد يفسر تكرارها ذلك التأكيد على ضرورة احترام خطوطها الحمراء في منع إيران من إنشاء بنية عسكرية في سورية ولبنان، وتوقفها عن تواصلها البري مع حزب الله مرورًا من سورية، وبقاء النظام السوري بحالة ضعف وعدم دعمه من قبل موسكو وإيران عسكريًا، والحفاظ على المنطقة الحدودية في اتفاقية فك الاشتباك 1974، وعدم السماح لإيران من استخدام سورية ولبنان قاعدتا انطلاق ضد إسرائيل. ورغم أن إيران ابتعدت مسافة 80 كم عن حدود إسرائيل الشمالية باتفاق مع موسكو وتل أبيب ، إلا أنها لم تتوقف عن توسعها في بقية المنطقة الجنوبية لسورية.

وانطلاقًا من الثوابت الإسرائيلية يتضح أنها تعول على الحفاظ على التوازن الاستراتيجي بين واشنطن وموسكو بهدف إنشاء قوة صلبة تمنع تنامي قوة إيران الخارجية في المنطقة.

1_ العلاقة مع موسكو

 تستمر إسرائيل بالتنسيق مع موسكو بمسألة احترام قواعد الاشتباك، والغارات الأخيرة التي شنتها إسرائيل على محيط العاصمة دمشق جاءت بعد أيام قليلة من لقاء جمع مسؤولين روس مع ضباط إسرائيليين منتصف كانون الثاني/ يناير 2019م وهو ما فُسر بأن الطرفين تجاوزا بشكل نهائي كل الخلافات التي نشبت عقب أزمة إسقاط الطائرة الروسية. وقد بدأ التنسيق الروسي الإسرائيلي فعليًا منذ تدخل روسيا في سورية 2015، وضع الجانبان اتفاقية سرية عرفت باحترام متبادل لقواعد الاشتباك، ومع بداية 2019م تمَّ تعديل الاتفاقية لمنع أي احتكاك جديد، إلى جانب إعطاء روسيا النظام السوري منظومة s300 الدفاعية، بهذا المنطلق تكون إسرائيل قد ضمنت اللاعب الروسي لصفها وقد ترجم ذلك من خلال غض طرف موسكو عن الغارات الأخيرة، وعدم تفعيلها منظومةs300 .

 مع ذلك قد لا ترغب تل أبيب بتعاظم النفوذ الروسي في سورية لاستبعاد أي مواجهة مستقبلية تخلط الأوراق من جديد، إضافة إلى عدم ثقة إسرائيل بإمكانات موسكو في مواجهة نفوذ  إيران البري، كما أن إسرائيل تعلم جيدًا عدم قدرة موسكو في الحفاظ على خط التوازن بينها وبين إيران، فعليها في نهاية المطاف أن تنقلب على إيران إذا ما أرادت اعتراف دولي لمصالحها في طرطوس وحميمم، ولعل هذا التفسير منطقي أمام صراع الأجنحة الراهن في سورية بين الفيلق الخامس التابع لروسيا بقيادة سهيل الحسن وبين الفرقة الرابعة لماهر الأسد المسنودة من إيران، وسياسيًا لأول مرة تُوجه إيران أصابع الاتهام لموسكو بعد أيام قليلة من الضربات العسكرية الأخيرة، حيث اعتبر رئيس لجنة الأمن القومي الإيراني والسياسة الخارجية في مجلس الشورى الإيراني ما وصفه بنوع من التنسيق الإسرائيلي الروسي في سورية مضيفًا لو أن موسكو أقدمت على تشغيل منظومة s300 لما تجرأت إسرائيل على القيام بمهاجمتها بسهولة[6]، وقد يُفهم من هذا التطور في سير العلاقات الروسية الإيرانية في سورية بداية تسخين الجبهات لفك الارتباط العضوي والانتقال لاحقًا للمواجهة المباشرة البرية بين مليشيات موسكو ومليشيات إيران في سورية.

 وفي حال حدث ذلك ستدعم إسرائيل موسكو في العديد من المجالات لوجستيًا وأمينًا وعسكريًا لكنَّ ذلك يبقى رهن قرار إيران الدخول في مواجهة مباشرة مع موسكو وهو الأمر المستبعد في المدى القريب.

2_ التفاعلات الإسرائيلية الأمريكية

لم يكن تشجيع إسرائيل إدارة ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي الورقة الأخيرة المستخدمة في حربها مع إيران، فقد مثّل قرار ترامب الانسحاب من سورية ورقة رابحة بيد تل أبيب لتُوظفها في خدمة مصالحها فدخلت على خط السياسات الأمريكية واستطاعت تغيير  مضمون القرار من خلال عامل التأثير، ووضعت شروط أمام تنفيذ ترامب قراره كالاعتراف الأمريكي في سيادتها على الجولان وضمان حماية أمنها القومي، وقد تُرجم ذلك من خلال زيارة المبعوث الأمريكي جون بولتون مطلع يناير إلى إسرائيل قبل توجهه إلى تركيا، إذ تعهد لحكومة نتنياهو بضمان أمن إسرائيل وقد فُهم من ذلك مواصلة الشراكة الاستراتيجية الأمريكية الإسرائيلية في مواجهة نفوذ إيران والسعي لحشد دولي عربي كقوة ضاغطة عليها في مناطق التأثير الخارجي، ولعل  محاولة سعي واشنطن إنشاء تحالف استراتيجي شرق أوسطي في المنطقة[7] جاء بالتنسيق مع إسرائيل. وعلى الصعيد العسكري، الضربات العسكرية الإسرائيلية الأخيرة جاءت بعد قرار ترامب الانسحاب من سورية، لتكون تأكيد على ما صرح به نتنياهو عشية قرار ترامب، بأن إسرائيل ستستمر في مواصلة استراتيجيتها في سورية.

وبناءَ عليه يظهر بأن إسرائيل وعن طريق تحالفها مع الولايات المتحدة وورسيا إلى جانب تعزيز التحالفات مع المملكة العربية والإمارات باتت تبلور استراتيجية واسعة النطاق ضد قوة إيران التوسعية  بهدف حماية جبهتها الشمالية الشرقية في الساحتين السورية واللبنانية.

وبمعنى آخر تحاول إسرائيل ربط التوجهات الأمريكية مع توجهاتها في المنطقة من خلال استمرار الضغط على إدارة ترامب وعليه نرى أن موضوع انسحاب واشنطن من سورية تغير من ناحية المضمون إلى إعادة الانتشار والتموضع في الحدود العراقية السورية بهدف إنشاء تحالف تشاركي يمنع إيران من زج مليشيات جديدة، كما أن مواصلة ترامب فرض عقوباته الاقتصادية على إيران سيصب في صالح الأهداف الإسرائيلية الضاغطة على صناع القرار في إيران، وبنفس الوقت ستُواصل إسرائيل توظيف توجهات موسكو لصالحها في تحجيم نفوذ إيران البري وقد اتضح من الضربات الأخيرة عدة مؤشرات جديدة تفصح عن مدى تنسيق إسرائيل مع بقية الفواعل في المنطقة وفق الآتي.

_ اعتماد إسرائيل الأسلوب المباشر والانتقال إلى التصريح عن توقيت الغارات ومواقع الاستهداف وأهميتها.

_ الإفصاح عن تنسيق الغارات مع موسكو بشكل علني من خلال تصريحات بعض المسؤولين الإسرائيليين بأن الضربات جاءت بالتنسيق مع موسكو.

_ اعتماد موسكو لأول مرة التصريح عن الخسائر التي سببتها الضربات الإسرائيلية حيث كشفت وزارة الدفاع الروسية أن أربعة جنود سوريين قتلوا في الهجوم الأخير إضافة إلى تضرر محيط البنية التحتية لمطار[8] وهذا دليل على علم مسبق بتوقيت الغارة والمواقع المستهدفة، وهي بدورها تكون قد أبلغت حكومة دمشق.

_ انسجام الغارات مع توجهات إدارة ترامب في تهيئة الساحة عربيًا ودوليًا لمواجهة سلوك إيران ومنعها من استغلال واستثمار قرار الانسحاب التوغل في سورية.

ثالثًا: احتمالات المواجهة بين إسرائيل وإيران

أدى قرار ترامب الانسحاب من سورية إلى تعقيد المشهد أكثر على صعيد التحولات بين القوى الإقليمية الراغبة في إعادة تموضعها ضمن النطاق الإقليمي الأوسطي، ورغم خطورة التحديات يبدو أن تل أبيب ماضية في سياساتها لإنهاء حالة التواجد البري في سورية، ومن المرجح أن الضربات الإسرائيلية ستستمر داخل سورية بعد اتهام رئيس الحكومة الإسرائيلي في 23- يناير/ كانون الثاني 2019م، إيران محاولتها تطويق إسرائيل بريًا من ثلاثة جهات[9] كما أن إسرائيل يمكن أن تركز اهتمامها على الساحة السورية أكثر منها في لبنان خصوصًا بعد محاولتها تأمين جبهتها جراء تدميرها أنفاق حزب الله بحملة أطلقتها أواخر 2018م استمرت لعدة أيام تحت مسمى درع الشمال، لم يبدِ حينها حزب الله أي رد على إسرائيل، ما يرشح أن حزب الله ليس بوارد الدخول بحرب مباشرة رغبةَ منه عدم خسارة مكاسبه على الساحة اللبنانية، إلى جانب نفوذه العسكري في الحدود السورية اللبنانية، لكن هذا لا يعني أن المليشيات التابعة له داخل سورية ستكون بعيدة عن منأى الضربات الإسرائيلية.

ومن خلال استغلال إسرائيل للمتغيرات في المنطقة وتطويع توجهاتها مع سياسات حلفائها الإقليميين فهي لازالت تعمل على إحداث حالة توازن وشراكة استراتيجية مع الولايات المتحدة أولًا وموسكو والدول العربية ثانيًا، وهو ما بدا أنها تعمل على بلورة رؤية دولية شاملة تشاركية مع دول آسيوية وغربية وأوربية لتحجيم نفوذ إيران. وبناءَ عليه فإن خيارات الحرب على سياسة إيران التوسعية قد تدخل في إحدى  الاحتمالات.

1_الصدام المفتوح والمباشر في سورية

يعتمد هذا الخيار إعلان إسرائيل حرب كاملة النطاق على إيران في الساحتين السورية واللبنانية لكن يبدو هذا الاحتمال مستبعدًا من قبل الطرفين، فإسرائيل  تعتقد أنه بإمكانها وعبر استراتيجية الاستنزاف الطويلة الحفاظ على جبهتها الشمالية طالما أنها تنجح في استنزاف القوة البشرية لإيران عسكريًا داخل سورية، كما أنها قد لا ترغب بالحرب المفتوحة لعدم ثقتها بنتائجها من حيث سقف العامل الزمني والتكلفة الاقتصادية، ومن غير الممكن معرفة ردة الفعل العكسية لإيران في الحرب المفتوحة مع امتلاكها منظومة الصواريخ البالستية والتي تستطيع من خلالها تهديد الأمن الدولي في مناطق التأثير الممتدة في كامل مناطق نفوذها الإقليمي (البرية والمائية).

كما أن خيار الحرب الشاملة قد ينسف تمامًا كامل جهود إسرائيل في عملية السلام العربي الإسرائيلي والذي تعتقد أنها قطعت شوطًا كبيرًا فيه بعد مسيرة التطبيع مع بعض دول العالم العربي.

والأهم من كل ذلك أن إسرائيل لا ترغب في تغيير النظام في طهران، فهي من أوزعت لها الدخول في سورية منذ 2011 لحماية حليفها الأسد من السقوط.

أما بالنسبة لإيران فهي أكثر رغبة من تل أبيب في تفادي هذا الخيار مع تصاعد أزماتها الداخلية الناجمة عن الخناق الاقتصادي المفروض عليها من قبل الولايات المتحدة الأمريكية والتي تسعى لتطويقها اقتصاديًا وإضعاف قطاع النفط والذي يمثل الجانب الرئيسي في اقتصادها، إضافةً إلى الانقسامات الحادة الداخلية المتمثلة بصراع الأجنحة لأحزابها وانعكاسها على توجهاتها التوسعة خارج الحدود، فإيران تخشى من أن تقود الحرب الكلية إلى خسارة نفوذها العسكرية داخل سورية والتي عملت على تأسيسه منذ دعمها لحكومة النظام في دمشق، وما يعزز ذلك تعويلها على التعامل مع الدول الأوربية وأخرى تربطها معها علاقات تجارية واقتصادية في سبيل تحقيق ضغط إقليمي يمنع إسرائيل الانزلاق في حرب مباشرة وشاملة. وهذا من شأنه أن يقودها في نهاية المطاف القبول برفع يدها عن دعم المليشيات والاكتفاء ببعض الامتيازات الاقتصادية والتجارية التي وقعتها مع حكومة النظام.

2_ الحرب الجزئية

يعتمد هذا الخيار على قيام إسرائيل تشكيلها شراكة نصف تكاملية مع الولايات المتحدة وموسكو من أجل توجيه ضربات جوية مزدوجة ( التحالف الدولي- إسرائيل) تستهدف المليشيات الأجنبية في كل من سوريا ولبنان والعراق، ويبدو أن هذا الخيار دخل حيز التنفيذ بعد استهداف نقاط عسكرية لقوات الحشد الشعبي العراقي في الحدود السورية العراقية 18- يونيو 2018م وقد يُرجح أن منشأ الغارات هو التحالف الدولي[10] وبناءّ عليه فإن التنسيق الأمريكي الإسرائيلي سيستمر إذا ما قررت إسرائيل توسيع مجال نطاق الاستهداف الجوي على أكثر من جبهة، لكن مع ذلك لا يشي هذا الخيار أيضًا في إنهاء الدو الإيراني الكامل في سورية لأنه قائم على سياسة الاستنزاف والاحتواء دون بلوغ حد الإنهاء الكامل، كما أن التوافقات الإيرانية الإسرائيلية هي أكثر من نقاط الخلاف المنحصرة فقط بسلوك إيران الخارجي.

3_ قوة ناعمة تشاركية

يُعد هذا الخيار هو الأقرب بناءً على جملة المعطيات السابقة التي تم ذكرها، فإسرائيل تعمل حاليًا على تطوير استراتيجية تكاملية مع حلفائها بهدف بلورة خطة بعيدة الأمد تحقق لها في المدى البعيد استنزاف القوات البرية المدعومة من إيران، فعلى سبيل المثال السياسات الأمريكية الخارجية تصب في مجملها من ناحية الإطار النظري على حشد دولي لمواجهة تلك المليشيات، ولعل قرار الانسحاب الأمريكي المقصود منه إعادة الانتشار والتموضع في الحدود العراقية السورية قد يدخل في سياق استراتيجية أمريكية بعيدة الأمد لتقطيع طريق إيران بريًا في العراق وسورية، وكل ذلك يتم بالتنسيق مع تل أبيب ويصب في قائمة مصالحها.

على صعيد آخر تعمل إسرائيل على استمالة موسكو لصالحها بهدف تخلي موسكو الاعتماد على مليشيات إيران واستبدالها بقوات منظمة سورية، ورغم أن الأمر يدخل في معادلات الخيارات الصعبة إلا أن إسرائيل تعمل عليها وفق سقف زمني مفتوح. وعلى الصعيد الإقليمي حققت إسرائيل وعن طريق موسكو مقاربة مع بعض الدول العربية بهدف تشكيل عامل ضغط على إيران، ويشير كل ذلك إلى أن إسرائيل تنتقل من الاستراتيجية الأحادية إلى الاستراتيجية التكاملية بهدف استنزاف إيران خارجيًا وإخضاعها للقبول بالقواعد الجديدة، ولا يستبعد أن من الأهداف الكامنة من وراء التنسيق الأمريكي الإسرائيلي إجبار إيران مستقبلًا على تقديم تنازلات على صعيد سياساتها الخارجية وبرامجها النووية والصاروخية وصياغة اتفاق نووي جديد، ودليل ذلك أن أمريكا صرحت أكثر من مرة أن هدفها ليس إسقاط النظام في إيران بل تغير سلوكها.

خاتمة

استنادًا على ما سبق فإن استراتيجية إسرائيل في سورية مرت بالعديد من المراحل واتجهت بخط تصاعدي وفق َتحولات مبنية على التطورات التي فرضتها المتغيرات في سورية، وفي كل المراحل اتضح سرعة التعاطي الإسرائيلي في تطوير الاستراتيجيات أو البناء عليها بما يتناسب مع معادلة الحفاظ على عوامل الضبط والسيطرة والاحتواء، لذا فإن التحولات الإسرائيلية هذه المرة قد تغير من قواعد اللعبة نحو اتجاهين إما بإعادة الاستقرار للمنطقة عبر سياسات تشاركية منضبطة أو اللجوء إلى اتساع دائرة الفوضى أكثر والتي قد تدخل دولًا جديدًا في دائرة الصراع والمواجهة.

أما المتغير الوحيد في التحولات الإسرائيلية هو  اتباعها خط تصاعدي بما يتعلق بسياسة إيران التوسعية، وعلى صعيد العلاقات مع النظام الإيراني فإسرائيل تضمر الوفاء لإيران بعد تنفيذه أجنداتها في سورية وإضعاف النفوذ السني واستنزاف مقدرات الدولة السورية وتفكيكها وإنهاء القوة الصلبة للمؤسسة العسكرية، إزاء ذلك فلا وجود لأي نية إسرائيلية في إحداث أي تغيير داخل النظام في إيران. ومادامت طهران غير منخرطة بجيشها النظامي فلن تُبدي أي اهتمام بموت مئات المليشيات، وليس مستبعدًا أن تكون إيران وإسرائيل في حالة تنافس وتوزيع للأدوار لتحقيق هدف مشترك مفاده تفتيت المزيد من شعوب المنطقة.

الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر برق للسياسات والاستشارات 

جميع الحقوق محفوظة لدى برق للسياسات والاستشارات © 2019

[1] https://bit.ly/2Ra0LVF

بلدي نيوز، الجيش الإسرائيلي استهدفنا مواقع للحرس الثوري الإيراني في دمشق ومحيطها، ن- بتاريخ 21- يناير/ كانون الثاني 2019، شوهد بـ 23- يناير2019م

[2] https://bit.ly/2RfbkqG

الجزيرة، الطيران الإسرائيلي يحلق فوق قصر الأسد، ن- بتاريخ 29-6- 2006، شوهد بـ 24- يناير 2019م

[3] https://bit.ly/2RPmOWS

تمايز أوف إسرائيل، الجيش الإسرائيلي يعلن عن تنفيذ أكثر من 200 غارة في 2017 ن- بتاريخ 4 سبتمبر 2018م، شوهد بـ 24- يناير 2019م

[4] https://bit.ly/2MC8uv0

تايمز أوف إسرائيل، جنزال إسرائيلي يحذر من وجود قواعد عسكرية لإيران في سورية، ن- بتاريخ 15- يونيو/ حزيران 2018 شوهد بـ 27- يناير 2019م

[5] https://bit.ly/2HMHHOb

تايمز أوف إسرائيل، الضربات السورية يقال أنها دمرت 200 صاروخ، ن- بتاريخ 5-8-2018 شوهد بـ 27- يناير 2019م

[6] https://bit.ly/2BgUvXp

موقع الكتاب، إيران تتهم روسيا بالتواطؤ مع إسرائيل، ن- بتاريخ 25- يناير 2019، شوهد بـ 28 يناير 2019م

[7] https://bit.ly/2CL4jIV

TR بالعربي الولايات المتحدة تسعى لتشكيل تحالف استراتيجي في الشرق الأوسط، ن- بتاريخ 10-1- 2019 شوهد بـ 28- يناير 2019م

[8] https://bit.ly/2S3h9ft

عربي 21، موسكو هذه هي خسائر القصف الإسرائيلي لمواقع في سوريا، ن- بتاريخ 21- يناير 2019، شوهد بـ 28- يناير 2019

[9] https://bit.ly/2FV6ZYG

عنب بلدي، نتنياهو إيران تريد تطويقنا من ثلاثة جهات وسنقوم بمحاربتها، ن- بتاريخ 23-1- 2019 شوهد بـ 28- يناير 2019م

[10] https://bit.ly/2RXjAAG

تلفزيون سوريا، غارات جوية تقتل العشرات من قوات الحشد الشعبي العراقي في سوريا، شوهد بـ 29- يناير 2019م

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الرجاء الانتظار ..

النشرة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقى على اطلاع بأحدث الأخبار و الفعاليات
إغلاق
إغلاق