
تقدير موقف – سوريا ممرًا بديلًا لتصدير الطاقة الخليجية
حرّكت الحرب الأخيرة على إيران كثيرًا من المياه في قضايا وملفات أساسية؛ أهمها: الطاقة وتأمين وصولها إلى المستهلكين؛ فقد باتت الممرات والمضائق المائية (مضيق هرمز ومضيق باب المندب) غير آمنة، وهنا تبرز حلول التصدير عبر البر، وأهم اتجاهين تذهب إليهما الطاقة من الخليج هما: الشرق الأقصى حيث الصين واليابان وكوريا الجنوبية، والغرب حيث دول القارة الأوربية، ويعنينا هنا هذا المسار الأخير، وفيه تظهر سوريا جزءًا من معادلة الحل، إلا أن المسألة شديدة التعقيد بسبب هشاشة الوضع الأمني في سوريا، ووجود تنافس محموم على طرق النقل التجاري، وكذلك أن حروب المنطقة لا تهدد الممرات فقط، بل تلحق الضرر أيضًا بالآبار والمنشآت النفطية والغازية.
البيئة الأمنية والسياسية:
رغم مرور سنة ونصف تقريبًا على انهيار نظام الأسد، إلا أن سوريا لا تزال تعاني من أوضاع أمنية غير مستقرة، وتهديدات انفصالية طائفية وعرقية كثيرة في الجنوب والشرق والغرب، وهو ما يجعل مرور خطوط الطاقة عبر الدولة السورية أمرًا محفوفًا بالمخاطر.
كذلك البيئة الأمنية في المنطقة بعمومها مضطربة، ولا تخدم مشروعًا يصدّر أخطر سلعة في العالم بالبر طوال آلاف الكيلومترات، وذلك بسبب الحرب على إيران ولبنان؛ إذ يمكن مع زيادة الضغط على حزب الله والمليشيات العراقية الموالية لإيران أن تلجأ إلى تفجير المشروع الذي لا يمكن مراقبته في كل نقطة منه.
مواقف الفاعلين الأساسيين:
لأن المشروع ذو أبعاد دولية واسعة؛ لعبوره خلال مجموعة من الدول، وخدمته مجموعة أخرى منها، ومنافسته لمشاريع تجارية مماثلة تتقاطع معه في نفس الاهتمامات، فنجد أنه يجد دعمًا من دول منتفعة دون أخرى متضررة:
- فتدعمه تركيا التي هي مدخل القارة الأوربية لمثل هذه التجارات البرية العابرة كونه يؤمن احتياجاتها المتزايدة من الطاقة، ما لم تشكل الجغرافيا السورية بديلًا جغرافيًا لمكانتها في معادلة نقل الطاقة بين الشرق والغرب. وكذلك دول الخليج العربي المصدِّرة للطاقة، والتي ترى المشروع قضاء على التهديد والضغط الذي يُمارَس عليها من قِبَل إيران والحوثيين، وما يصحب ذلك من عسكرة المنطقة بالقوى الكبرى بزعم حماية الطاقة ومصادرها. ولا شك كذلك من استفادة الدول الأوربية من المشروع بضمان وصول الطاقة إلى أسواقها بأسعار السوق وتحررها من الابتزاز الروسي والضغط الإيراني.
- وأما المتضررون من المشروع، فكثيرون، وأولهم إيران، إلا أنه ضرر سياسي ونسبي؛ لأن الطاقة العابرة نحو شرق آسيا تظل في حاجة إلى العبور خلال مضيق هرمز ما لم يقم مشروع مماثل يخدم تصدير الطاقة الخليجية بالبر إلى هذه الجهة أيضًا. وكذلك روسيا التي اقتاتت على أزمة الحرب الأخيرة على إيران، حتى سُمِح لها بتصدير حصص عالية من الغاز. ومثل ذلك الصين التي ترعى طرقًا أخرى للتجارة وعبور الطاقة، إلا أنها يمكن أن تعوض كثيرًا من ذلك بتعزيز وجودها التجاري في سوريا. ومن دول الإقليم التي تتضرر كثيرًا بمشروع كهذا: مصر التي يفقد شريانها التجاري الأهم (قناة السويس) قيمته مع الوقت بسبب مثل هذه المشروعات.
المشكلات التنفيذية:
لا تقف العوائق بسوريا عند حد التوتر الأمني ذاته، بل ما ينجم عنه كذلك من آثار؛ كخوف المموِّلين من المجازفة بضخ أموال في مشروعات ببيئة مضطربة، إضافة إلى معاناة سوريا من آثار عقوبات دولية طويلة؛ برغم رفعها إلا أن الإطار العقابي الذي صنعته يعوق التمويل والاستثمار طويل الأمد فيها، وتدمير البنية التحتية بعد حرب طويلة نجمت عن أحداث الثورة السورية وتطوراتها، والتعقيدات القانونية؛ كنزاعات الملكية والعقود القديمة؛ خاصة في مناطق الشرق السوري.
السيناريوهات المحتملة:
- النجاح في تنفيذ تدريجي للممر، لكنه رهن باتفاق الأطراف الدولية المستفيدة بالعمل على ضمان الاستقرار الداخلي بسوريا، وتأهيل البنية التحتية بما يخدم المشروع، وعدم استعداء القوى الدولية التي لا يصب المشروع في مصلحتها، ووقف الحرب على إيران وفي لبنان.
- بقاء المشروع في إطار الدراسات لا يتجاوزها باعتبار أنه غير ممكن -في الوقت الحالي على الأقل- بسبب العوائق التنفيذية المذكورة آنفًا.
- الفشل: ويعني المحاولة بدون الاهتمام بضمانات النجاح، وبدون خدمة المشروع بالتمهيد الجيد له.
الخلاصة:
يمثل مشروع تحويل سوريا إلى ممر طاقة نشط نقطة تقاطع معقدة بين الجغرافيا السياسية وأمن الطاقة العالمي، ففي حين يتيح فرصًا استراتيجية لإعادة تموضع سوريا إقليميًا، فإنه في الوقت ذاته يضعها في قلب تنافس دولي حاد بين قوى كبرى وإقليمية، في وقت لم تتعافَ فيه من آثار النظام المخلوع وأحداث الثورة والحرب.
ومن هنا فإن نجاح هذا المسار لا يعتمد فقط على الجدوى الاقتصادية، بل على عبور سوريا للفترة الاستثنائية أو التمهيدية التي صنعتها الأحداث السابقة؛ أي عودتها دولة طبيعية تسيطر على جغرافيتها، وتقيم علاقات طبيعية وندية مع الأطراف الدولية.
جميع الحقوق محفوظة لدى برق للسياسات والاستشارات©2026




