
اتجاهات عسكرة باب المندب عبر الساحة الصومالية
الحروب المؤثرة هي تلك التي تترك من التطبيقات والاستراتيجيات ما يغير شيئًا في مستقبل الحروب بعدها، وقد كانت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران من هذا النوع؛ إذ دفعت الطرف الضعيف لاستغلال المضائق المائية لتحقيق أهدافه وفق معادلة “توازن التهديد” لا “توازن القوى”، وهذا ما تحاوله بعض الأطراف في القرن الأفريقي والصومال خاصة بالنسبة لباب المندب؛ فما مستقبل مغامرة خطرة من هذا النوع تمس شريانًا آخر من شرايين التجارة العالمية، وعلى رأسها صادرات الطاقة؟
خلفية التحركات المرتبطة بالفصائل الصومالية قرب باب المندب:
إن لم يكن لها تمركز في مساحات متصلة يمكن أن تمثل نواة لمشروع سياسي إلا أن لـ “حركة الشباب الصومالية” نفوذٌ في مناطق متفرقة من الدولة. ومن أبرز أماكن تمركزهم: مناطق بالقرب من الساحل الصومالي الممتد، ولم يسبق لهم تهديد الملاحة البحرية، لكن لديهم القدرة على فتح جبهة جديدة في هذه الناحية بما عُرفوا به من عمليات فردية ومفاجئة.
ومن جهة أخرى تفيد مصادر مغلقة لمركز برق بوجود اتصالات بين الحركة وجماعة الحوثيين اليمنية بوساطة إيرانية، وأنه حدث بينهما تعاون في نقل الخبرات الخاصة بالتصنيع العسكري للمسيَّرات والمواد الناسفة، ويحدث هذا في ظل عداوة مشتركة لتل أبيب التي اعترفت من ناحية باستقلال “أرض الصومال”، وشاركت الولايات المتحدة في حربها على إيران الحليف الأساس للحوثيين من ناحية أخرى.
طبيعة التهديد الحالي وإمكانية تحوله لمسار ميداني فعلي:
مجرد انتقال خبرات تصنيعية عسكرية متقدمة شيئًا ما إلى حركة الشباب، في ظل شواطئ بحرية طويلة غير محمية أمنيًا، يرفع من احتمالات فتح الحركة لهذه الجبهة إلى درجة يترجح أن تؤدي إلى مزيد من خلط الأوراق في المنطقة، وإن لم تكن قوة التهديد تصل إلى حد إغلاق باب المندب تمامًا، فإنها تهدد بتعطيله جزئيًا، وإثارة خوف السفن العابرة، كما أن مستقبل الحركة البحرية في هذه الأنحاء سيكون غامضًا كثيرًا.
الأطراف المستفيدة من عسكرة الممرات البحرية في البحر الأحمر:
تستميت حركة الشباب لأجل البقاء برغم تعقيدات الساحة الصومالية، ويمثل وجود نفوذ وتأثير لها في مناطق الشاطئ فرصة انتعاش جديدة لمشروعها، إلا أنه كذلك سيثير عليها كثيرًا من القوى الدولية والإقليمية التي تتعرض مصالحها للضرر بسبب تهديد الملاحة البحرية.
وأما إيران وحلفاؤها باليمن، فسيتيح فتح هذه الجبهة لحسابهم مزيدًا من القدرة على تشتيت خصومهما في واشنطن وتل أبيب، والإمساك بمزيد من خيوط الملاحة البحرية العالمية المؤثرة بالتحكم في مضيق باب المندب من الشرق عن طريق الحوثيين وجزء من الغرب عن طريق حركة الشباب وما يمكن التواصل معه من الحركات المسلحة في القرن الأفريقي الذي سيتبيّن بأنه موضع صراع ساخن بارد في قادم الأيام عقب إعلان تل أبيب بكل وضوح بأنها ستنزل إلى الساحة عبر اعترافها باستقلال أرض الصومال، إذ أن هذا الأمر سيدفع ببعض دول الإقليم؛ السعودية ومصر وتركيا وقطر وجيبوتي على وجه التحديد، للتكاتف في اتخاذ مواقف مشتركة وإجراءات تعاونية من شأنها كبح أو موازنة التأثير السلبي للتحركات الإسرائيلية على الصعيدين الأمني والعسكري بغيّة تجنيب مضيق باب المندب ومحيطه سيناريو العسكرة.
تأثير القواعد والموانئ الأجنبية في الصومال في إعادة تشكيل التوازنات الأمنية والعسكرية بباب المندب:
الصراع الدولي على النفوذ في المنطقة محموم، وتُمثل القواعد والموانئ الأجنبية في الصومال أحد تجلياته (في بربرة قاعدة إماراتية إسرائيلية، وفي مقديشو قاعدة تركية، وفي بوساسو قاعدة أمريكية، إضافة إلى قاعدة أخرى بجيبوتي لقوات متعددة الجنسيات)، ومن هنا لن تكون الجماعات المسلحة بالساحة الصومالية طرفًا مستقلًا له شأن كبير، لكن يمكن أن تمثل جماعات وظيفية تقوم بأدوار مؤثرة لحساب هذا الطرف أو ذاك، وإن بدا أنها تعادي طرفي التنافس الرئيسين حاليًا ويعاديانها؛ أي الحلف الإثيوبي الإماراتي الإسرائيلي، والحلف التركي المصري السعودي المساند لحكومة مقديشو.
وظهور مسلحي الصومال في الساحة مهددين للملاحة البحرية بدعم إيراني سخي؛ سيعني انتظار ظهور طرف ثالث منافس في القرن الأفريقي يمثل قوة مدَّخَرة لحل مشكلات ساحات أخرى تنتظر الحل، كما هو حال كل الجماعات التي تشغّلها إيران.
انعكاسات التصعيد على أمن الملاحة والطاقة والتجارة الإقليمية:
لا تملك الجماعات المسلحة في الصومال الآن قوة كافية للقيام بعمل ضخم في باب المندب، إلا أن مجرد ظهورها فيه في صورة تهديد للملاحة بأي عمل مسلح تقوم به في المضيق؛ من شأنه أن يؤثر في مستوى الأمان المحيط بحركة التجارة البحرية، ومن شأن هذا بدوره أن يرفع من تكلفة انتقال السلع والتأمين عليها بهذا الطريق، والأرجح الهروب إلى وسائل وطرق أخرى لنقل السلع.
وأكبر من ذلك بالنسبة لدول المنطقة تضرر حركة السلع الواردة إلى شرق أفريقيا، وهو أمر في حال تفاقمه يمثل مشكلة كبيرة لهذه الدول التي تعاني أصلًا من أنواع عديدة من الهشاشة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
وسيزيد هذا الوضع المحتمل من الدعم الدولي للحكومة المركزية في الصومال، لكنه كذلك سيجعل الدولة برمتها بؤرة لتوترات وصراعات دولية تهدد كيان الدولة برمته.
تقدير المسار المتوقع خلال المرحلة القادمة:
ثمة مسارات ثلاثة محتملة في تهديد الجماعات المسلحة الصومالية للأمن في باب المندب؛ بيانها فيما يلي:
- عجز حركة الشباب والجماعات المسلحة الصومالية عن تحقيق الأمل الإيراني والحوثي فيها بأن تصبح جبهة مساندة في حومة الصراع على البقاء ضد الآلة العسكرية والدبلوماسية العاتية لواشنطن وتل أبيب؛ بسبب تشرذم الحركة، ووجود تحالف دولي معاد لها (10%).
- تمكّن المسلحين من السيطرة على حركة الملاحة خلال المضيق، والتحول إلى تهديد دائم وآني لها (10%).
- وأما الاحتمال الأخير والأرجح وقوعه على المدى القريب أو المتوسط، وما دامت الحكومة المركزية قائمة في مقديشو، وتحصل على دعم دولي وإقليمي، وتسيطر على أغلب مناطق الدولة على الأقل؛ هذا الاحتمال هو أن يمثل المسلحون بالسواحل الصومالية قوة مهدِّدة بشكل متقطع لحركة الملاحة، وسيزداد تهديدها اضطرادًا في حال أظهرت تل أبيب نشاطًا أوسع في جغرافيا أرض الصومال.
الخلاصة:
تمثل عسكرة باب المندب عبر الصومال لإيران ورقة مؤثرة تفتح بها جبهة جديدة على خصومها، ورغم أن حركة الشباب لا تستطيع إغلاق المضيق، فإن قدرتها على تعطيله بشكل متقطع تكفي لرفع تكاليف الشحن والتأمين، ودفع التجارة للبحث عن بدائل أعلى كُلفة.
السيناريو الأرجح هو بقاء تهديد متقطع ومُدار من قبل الجماعات المسلحة ومن وراءها، تبقى فيه الحكومة الصومالية رأس الحربة في المواجهة، في حين تتحول البلاد إلى بؤرة صراع دولي يهدد كيانها.
جميع الحقوق محفوظة لدى برق للسياسات والاستشارات©2026




