تقدير موقف

الاعتراف الإسرائيلي باستقلال “أرض الصومال”

قضية ما يُسمَّى جمهورية “أرض الصومال” (صومالي لاند) من القضايا الحساسة الكثيرة التي لم تلق اهتمامًا عربيًا مناسبًا منذ عقود، وذلك رغم حضور هذه القضية منذ أكثر من ثلاثة عقود دوليًا وإقليميًا؛ فهل تنجح الأطراف العربية المعنية وجامعتهم، أو حتى الدول الإسلامية المعترضة، في حصار الاعتراف الإسرائيلي المنفرد باستقلال “أرض الصومال”؟

علاقة أرض الصومال بالخارج:

قبل يوم 26 من ديسمبر الحالي لم تكن هناك أي دولة في العالم تعترف باستقلال “أرض الصومال”، إلى أن أعلنت إسرائيل اعترافها بها على لسان رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو في اليوم المذكور، وهذا الاعتراف ليس سوى بيان لحقيقة تتخفى في الزحام السياسي والأمني المستمر في القرن الأفريقي، وهي أن بعض الدول صنعت لنفسها نفوذًا فعليًا داخل “أرض الصومال” خلال العقود التي تولت إدارتها فيها بعض القوى الوطنية بصورة مستقلة منذ سنة 1991 بعيدًا عن الفوضى التي ضربت دولة الصومال عقب انتهاء حكم الجنرال الديكتاتور سياد بري.

كان من الطبيعي أن أي طرف يسعى إلى الإفادة والاستفادة من هذا الكيان المعزول دبلوماسيًا والواقع في زاوية خطيرة من ممرات العالم البحرية الحيوية جغرافيًا؛ كان من الطبيعي أن يجد هذا الطرف استجابة من الداخل للخروج من هذه العزلة، وبحثًا عن اعتراف دولي ما، وعن طريقٍ لتبادل المصالح مع الخارج، وهذا السعي هو ما فعلته بعض دول الجوار الأفريقي؛ مثل: إثيوبيا، وأوغندا، وجيبوتي، وأطراف أخرى عرفت قيمة هذه البقعة الصغيرة، ومنها: الولايات المتحدة، والصين، وإسرائيل، والإمارات، والمملكة المتحدة، والاتحاد الأوربي.

إلا أن الدول التي صنعت لنفسها مصالح استراتيجية في “أرض الصومال” تعاملت مع هذا الملف ببراغماتية عالية، معتمدة على أن مصالحها في هذه البقعة ما دامت مصونة فلا داعي إلى إغضاب بعض الأطراف بالاعتراف باستقلال “الأرض” عن الجسم الصومالي. ومن أهم الأطراف التي اتبعت هذه السياسة إلى الآن: الإمارات، فهي من أكثر الدول نفوذًا هناك بإدارة ميناء بربرة ومطارها الدولي بعد تطويرهما تطويرًا كبيرًا وإنفاق عشرات ملايين الدولارات على ذلك، ومع هذا لم تجد إلى الآن فرقًا بين الاعتراف باستقلال “أرض الصومال” وعدم الاعتراف بالنسبة لمصالحها.

عوامل عززت الاستقلالية:

ثمة عوامل بعينها أدت إلى تعزيز النزعة الاستقلالية لأرض الصومال، وأهمها ما يلي:

  • ضعف الدور العربي والإسلامي بإزاء الصومال، وإن كان قد بدأ ينحو منحى الاهتمام به في العامين الأخيرين، لكنه لا يزال أقل تأثيرًا من الدور الأفريقي من خلال اتحاد الدول وبعض الأقطار الفاعلة في المنطقة. وقد كانت مصر قبل محاولة اغتيال الرئيس المصري الراحل حسني مبارك بأديس أبابا سنة 1993 تعتبر علاقتها بالصومال عسكريًا وثقافيًا جزءًا من استراتيجيتها العامة، ثم تراجع هذا الدور بعد محاولة الاغتيال المذكورة، ولعل القاهرة أدركت الآن أهمية هذا الدور إلى جانب أطراف عربية أخرى.
  • طول فترة اعتماد الإقليم الصومالي على نفسه في إدارة مختلف شؤونه بمعزل عن دولة الصومال الأم.
  • اضطراب الصومال منذ عقود، وشيوع الفوضى وانعدام الأمن في كثير من أنحائه، وما ارتبط بهذا من نشاط “حركة الشباب” وتمددها حتى هددت العاصمة مقديشو نفسها قبل شهور.
  • مع أنه لا يوجد انقسام عرقي حاد بين منطقة من الصومال وأخرى إلا أن العامل القبلي داعم قوي للنزعة الاستقلالية في “أرض الصومال”؛ إذ تسيطر فيه قبيلة بني إسحاق التي ترفع نسبها إلى الأشراف من بني هاشم، وكذلك قبيلة دارود، وغيرهما، وقد نال هذه القبائل كثيرٌ من التدمير والقتل في عهد سياد بري، وصنعوا لأنفسهم قوة عسكرية لتحرير مناطقهم والدفاع عنها ضد نظامه.

أهمية الاعتراضات العربية والإسلامية والدولية:

أيد كثير من الدول موقف الصومال – الدولة الأم – في رفض الخطوة الإسرائيلية رفضًا تامًا، ما بين أطراف عربية وإسلامية ودولية، وحتى الاتحاد الأوربي نفسه دعا إلى المحافظة على وحدة الصومال، وكذلك الصين التي تراقب نوعًا من التقارب بين تايوان وأرض الصومال، وتحذر الأخيرة من نزعتها الاستقلالية. في حين صرح الرئيس الأمريكي بأنه لا ينوي الاعتراف باستقلال “أرض الصومال” الآن، وكأنه يرى أن الوقت ليس مناسبًا لمثل هذه الخطوة، وإن كانت قد تجِدّ فيما بعد أمور تدعو إليها.

وهذا الظرف المواتي يمكن أن يخدم مقديشو لا في دعم موقفها الثابت والرافض للقرار الإسرائيلي فحسب، بل أيضًا في تقوية مطالبها بعودة “أرض الصومال” إلى الوطن الأم، وشجب أي محاولة للاعتراف بأي جزء من الصومال على أنه كيان مستقل عن الصومال الكبير.

هل تصبح عضوًا في الأمم المتحدة؟

يكاد يكون من المستحيل أن تنال أرض الصومال اعترافًا دوليًا يصل بها إلى أن تصبح عضوًا في الأمم المتحدة ولو اعترفت بها الولايات المتحدة نفسها؛ نظرًا لتداخل مصالح الدول الخمس دائمة العضوية مع دولة الصومال ومع كثير من الأطراف الإسلامية والعربية المعترضة على الاعتراف باستقلال “أرض الصومال”، وكذلك دخول بعض هذه الدول الكبرى في صراع نفوذ ومصالح بعضها مع بعض في القرن الأفريقي وغيره، فاعتراف دولة أو عدة دول بكيان ما على أنه دولة مستقلة (تايوان أو قبرص التركية مثلًا)، لا تبقى له قيمة قانونية كاملة إلا إذا حصل على أغلبية الثلثين بالجمعية العامة للأمم المتحدة، ولم يعترض عليه أحد الخمسة الكبار أصحاب حق الفيتو.

أين المشكلة إذن؟ تتمثل المشكلة في أن مزيدًا من الاعتراف باستقلال أرض الصومال يكرس انفصالها عن مقديشو، ويزيد من حجم الصعوبات التي يمكن أن تقابلها مساعي مقديشو وحلفائها لتوحيد الصومال من جديد بعد أن قاربت أربعة عقود من الاضطراب والتمزق.

كذلك هذا الاعتراف يزيد من ترسيخ أقدام بعض الدول والمحاور التي تسعى إلى زيادة نفوذها في القرن الأفريقي بما يضر بمصالح مجموعة دول البحر الأحمر وحلفائها الدوليين.

التقدير:

ترتبط التطورات المتوقعة في ملف الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال بمدى نشاط الدبلوماسية العربية والإسلامية وقدرتها على الضغط في سبيل حصار هذا الاعتراف وتقليل تأثيره، ودعم مقديشو أمنيًا واقتصاديًا ودبلوماسيًا في سبيل التقدم نحو توحيد الصومال، وتثبيت نقطة العودة إلى الصومال الموحَّد باعتبارها ثابتًا من ثوابت سياسة هذه الدول ومن ثوابت الاتحاد الأفريقي، بل الأمم المتحدة.

جميع الحقوق محفوظة لدى برق للسياسات والاستشارات©2025

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى