الاصدارات

إسرائيل (حدود الوجود والتأثير)

ملخّص استشاريّ في صناعة السياسات، ينظر على حالةٍ داخليّةٍ مضطربة، وخارجيّةٍ هشّة لإسرائيل، في ظل تغيّر الوجود الدفاعي الإقليمي والاستناد الدولي للكيان الذي يصنع قواعد اشتباك جديدة يفرضها الانتقال بين نظريتين وجوديتين قديمة وجديدة، نقدّمها كَقاعدة في قراءة مستقبل الدولة، وطريقة الإدارة التي ستتبعها الحكومات القادمة، في ظل صراع سياسي بين الأحزاب السياسيّة.

إسرائيل.. قواعد جديدة في تثبيت الوجود: حجمُ تفاعلاتٍ سياسيّةٍ كشفتها ثلاث انتخابات تشريعية في أقل من عام ويبدو أن الرابعة قادمة، في مرحلة تدافعٍ داخل جسم الدولة أظهر أثرَ تغيراتٍ في العقيدة الوجوديّة الإسرائيليّة لم تحصل سابقًا في تاريخها أُحدثتها ضرورات أمنيّة مهّدت لها الاضطرابات الإقليميّة منذ نهاية 2010، تُلخَّص على أنّها “عقيدة وجودية يهوديّة جديدة على أرض لا تتجاوز حدود فلسطين التاريخيّة، أي _يهوذا والسامرة، وأورشليم_ تقوم على استراتيجيّة أمن دفاعي يراعي تغيرات دوليّة أنهت حاجة الاستمرار في العقيدة الصهيونية السابقة التي استخدمها اليهود في فترة إنهاء الشتات، وقيام الدولة على أرض الميعاد، بينما انتفت الآن الحاجة لها، بعد أن تحوّلت إلى عبء خارجي، وخطر وجودي”.

إنّ انحسار خيارات القدرة على إيجاد قيادة فاعلة بعد موت الكبار المؤسِسين يُضَافُ إلى الفقرة السابقة التي يمكن تفسيرها أنّ إسرائيل التي عُرِفَتْ بجيشٍ قوي، وطموحٍ ساستها وحكامها التمدد عسكريًّا بين الفرات والنيل، انتهى هذا الأمر وهي تدرك الآن أنّها دولة مهمّة في الشرق الأوسط، لكنّها ذات سطوة إقليميّة محدودة، وليست كيان عالمي ذو تأثير دولي واسع كما في مخيلة الكثيرين، وهي تعاني الآن خطرًا وجوديًا يتمثل في انهيار الإقليم حولها، وبدء تخلي أمريكا عنها لصالح استراتيجيّة أمنية دفاعيّة جديدة تقودها ترويكا ثلاثية روسيّة أمريكيّة إسرائيليّة، بدعم التاج الإنكليزي، تتحمّل فيها إسرائيل عبء الدفاع عن وجودها كما كل الدول التي سيقدّر لها البقاء في الشرق الأوسط.

في العقيدة الوجوديّة الإسرائيليّة الجديدة وأمام جهد المحافظة على تفوقها العسكري والأمني والاستخباراتي تخشى إسرائيل مِنْ عدم استقرار تعاون عالي وغير مسبوق يقدمه الإقليم لها، لهذا شهدت هذه العقيدة انعطافه استراتيجيّة من كونها تؤمن بالحرب التعرضيّة التوسعية سلاحًا وحيدًا في ثباتها، إلى استخدام الحرب الوقائيّة الدفاعيّة المحدودة كخيار يحفظ نواة الكيان الصلبة التي تمتد غرب نهر الأردن في ثلاثة أقاليم أولها: يهودا، المنطقة الممتدة جنوب القدس، بما في ذلك منطقة غوش عتصيون (محافظة بيت لحم) وجبل الخليل (محافظة الخليل)، بينما الثاني: إقليم السامرة، منطقة شمال القدس (محافظة نابلس ورام الله)، أمّا الإقليم الثالث: القدس /أورشليم الشرقيّة والغربيّة، وهو استحداث جديد لتفاسير الكتاب المقدّس بعد ضم الجبال الأربعة “الموريا”، و”صهيون”، و”أكرا”، و”بزيتا” إلى الدولة تمهيدًا لإقامة الهيكل الثالث.

استفسار: لماذا باتت الصهيونيّة عبء خارجي، وخطر وجودي داخلي على إسرائيل؟ عبءٌ خارجي لأنّ النظام العالمي القديم الذي شكّل مبرر وجودها والقائم على نظام الدول الوطنية انتهى، ونحن نتجه بخط أفقي إلى نظام عالمي جديد يقوم على استبدال السيادة الوطنيّة بسيادة فوق وطنيّة لا تعترف بالجنسيات والحدود بل تعتمد الشركات الأمنيّة متعددة الجنسيات كَضامن بدل الجيوش السياديّة، لعمل مجموعات تجاريّة عابرة للحدود، تتولى إدارة العالم وخصوصًا الشرق الأوسط على شكل أقاليم استثماريّة وليس دول سياديّة وطنيّة.

أمّا الخطر الوجودي الداخلي فهو العقيدة الصهيونيّة ذاتها التي تقوم على مبدأ توسعي إقليمي خطير يحتاج قوّة عسكريّة ثقيلة ومكلفة، وسياج حماية دولي، وهذا غير متوافر الآن بالمطلق، ويمكن في هذا الشأن مراجعة اِلتفات العالم عن إسرائيل في أزمة 19-COVID واضطرارها تسوّل دعم دول إقليميّة كما تركيا، وقطر، والمساومة على أمنها مع شريك جديد هو روسيا.

على حالة انكماش نحو مركز الدولة بدأت إسرائيل التخلي عن أطراف مزعجة، ضمن سياسة احتواء ناري بدأته مطلع الألفيّة الثانيّة، وهنا نتحدث عن انسحابها مِن غزة وقبلها جنوب لبنان الذي نناقض النظريات القائلة أنّه جاء بضغطٍ لِمليشيات حزب الله وأمل، بل نتيجةَ إدراكٍ مبكر بنته معلومات استخباريّة أنّ الإقليم على أبواب اضطراب واسع سيبدأ مِن العراق.

النظرية الصلبة في تماسك إسرائيل مفادها ثلاث قواعد تشكّل حيّز السلامة والبقاء، وهي:

أولًا. في الأمن الدفاعي: تعتمد محورين عسكري، واستطلاعي: آ- عسكريًّا: إنهاء فكرة التمدد بين الفرات والنيل، واستبدالها بنطاق دفاعي يعتمد ضربات باستخدام القوّة الجويّة والصاروخيّة المحدودة في النطاق الإقليمي لأيّ قوّة تهدد استقرار الكيان، دون الاشتباك معها مباشرة، ومثال ذلك الضربات في غزّة، وسوريّة، ولبنان، والعراق، وسيناء.

ب- استطلاعي: يقوم على التمدد استخباراتيًّا وأمنيًا خارج قواعد الاستطلاع والاستشعار المركزي في الجليل الأعلى التي كانت مهمتها حماية عمق الكيان في ظل وجود أنظمة إقليميّة تساهم في تأمين هذا العمق، كما النظام السوري الذي تفكك فعليًا.. مما اضطر إسرائيل إلى استبدال عمق الجليل الأحادي، بعمق هرمي ثلاثي ضلعه بين جبال سنجار العراقيّة، حتى الشغور السوريّة، بينما تبقى قاعدته في الجليل الأعلى، وهذا هو السرّ وراء إنشاء منصّة آستانا التي تتجاوز صلاحياتها القضيّة السوريّة لتكون تفاهم على إدارة الإقليم ومِنْ ضمنه حماية عمق إسرائيل، وهذا أيضًا يفسّر إصرار روسيا على إنشاء قبة دفاعيّة من أنظمة صاروخيّة وقائيّة متعددة جنوب الأناضول وفي الشغور عصبها مجموعة الدفاع الجوّي (S).

ثانيًا. العقيدة المتأقلمة في محيطها: أدّت السياسية الضيقة والمصالح الحزبيّة إلى انزياح أكثر تطرفًا اتجاه حركات دينية متشددة، حيث صعدت هذه التيارات في كل مرافق الدولة خاصة الجيش والوزارات والمراكز القيادية ما شكّل خطر على قدرة إسرائيل الانفتاح على محيطها في المستقبل، فكان البديل في التخلي عن إظهار تفوّق اليهود باعتبارهم شعب الله المُختار في الخطاب الإعلامي الموجّه للمحيط العربي والإسلامي، واستبداله بخطاب تصالحي مع أديان المنطقة بدأته وحدات الدعاية في جيش الدفاع، ثم شمل قطاعات الدولة الإعلاميّة.

 /لو دققنا في الأداء الإعلامي العبري خلال السنوات الأخيرة لرأيناه بدأ يُظهِر انعزال المتطرفين اليهود عن المجتمع، ووصمهم بِمعادات الحضارة، وعدم النظافة، وهذا ما برز في حملة يقوم بها الإعلام الداخلي عبر تسريب صور تعقيم متطرفين دينيًّا بعد تجميعهم وسط الشارع لِمكافحة (19-COVID)، في مشهد لم يره العالم منذ رشهم بِمبيدات حشريّة أثناء الحرب العالميّة الثانيّة عندما كانوا منبوذين أوروبيًّا.. ولهذا الاتجاه قاعدة في الإعلام الدولي بدأت مع قضيّة إنزال أسرة يهودية من طائرة تتبع خطوط أمريكيّة متجهة إلى ديترو بِسبب رائحتهم مطلع فبراير 2020، وكذلك مداهمة مكتب التحقيقات الفدرالي الأمريكي (FBI) نزلًا لحاخامات يهود في نيويورك يخبئ القائمون عليه آلاف الكمامات N95 لِبيعها بأسعار مضاعفة.

ثالثًا. الاقتصاد التشاركي: تدرك إسرائيل أنها لم تعد تمتلك القدرة على فرض رؤيتها الاقتصاديّة المطلقة في المنطقة، وخصوصًا في مجالي الطاقة، والمياه باعتبارهما أهم ركائز الاقتصاد الحديث، مع الترانزيت أمام شركاء إقليميين جدد منهم تركيا، ودوليين كروسيا، ولهذا سلّمت بِاستبدال نظريتها في التفوّق الاقتصادي، إلى تشاركيّة تكون إسرائيل طرف فاعل ورئيسي يقبل الشركاء، ويقلل مخاطر الاصطدام المباشر في الخصومات حال حدثت، وهذا نجده بوضوح في الصراع على غاز المياه المتوسطيّة، الذي يتراوح بين تصعيدٍ، وتفاهم، وكذلك الدور الذي تسعى له إسرائيل في خطوط الترانزيت التي تتجه مِن شمال وغرب الأناضول عبر سوريّة إلى العقبة وإيلات، دون أن ننسى الدور الإسرائيلي المُتصالح مع الاستثمارات التركيّة والروسيّة والعربيّة في سدّ النهضة الذي سيطوّق مصر دون أن يخنقها نهائيًّا.

والآن يُمكن تحديد اتجاه الحدث الحزبي السياسي في إسرائيل: على أنّه اشتباك داخلي يتجاوز خلافات الليكود، وتحالف أزرق أبيض، والمتدينين، على تشكيل وزعامة الحكومة العبريّة، ليكون الصراع بدل ذلك على شكل دولة إسرائيل في العهد الثاني الذي حددناه في المعطيات سابقة التفصيل.

على أنّ هذا الصراع الحزبي لا يتجه لمأزق وإغلاق دائم يهدد وجود الدولة _كما يروجه بعض أنصار نظرية زوال الكيان_ بل سيستمر بأشكال متعددة، وحكومات مؤقتة فاشلة إلى حين انتهاء الانتخابات الأمريكيّة وتحديد شكل الإدارة في البيت الأبيض وهذا لا يتناقض مع الطرح أنّ أمريكا لم تعد تلتفت لإسرائيل كما سبق، بل كون الولايات المتحدة ستبقى طرف موازن في تثقيل الشرق الأوسط مع الروس باستخدام الميزان الإسرائيلي كضامن لاستمرار الموازنة.

ملاحظة: في مسارٍ مُعاكسٍ لما يظهره دعم غير مسبوق مِنْ إدارة /ترامب للكيان، يُلحَظ أنّه معنويٌّ أكثر منه نوعي أو كمي فَإعلان القدس عاصمة أبديّة ، والاعتراف بإسرائيليّة الجولان يأتي ضمن سياسات أمريكيّة انكماشيّة تريد الابتعاد عن الغرق أكثر في الشرق الأوسط والأدنى، واستبدال سياسة التغطيّة الحمائية المُباشرة لإسرائيل بِسياسة المنح عن بعد لكل متطلبات بقاء الدولة وأهمها العاصمة الدائمة، وتثبيت الحدود باعتراف دولي تبدأه أمريكا.

يبقى أمام هذا العرض ربط ما تمّ بِمصالح عليا تجسدها دول فاعلة إقليمًا بأشكال متعددة منها تحالف، أو خصومة مع الكيان، لكنّ هذه الدول ترى في الشراكة مع إسرائيل حلًا وسطًا يقوم على قاعدة الالتزام بِمبادئها في الدفاع عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وحماية المقدسات من طرف، وبين مصالحها السياديّة المتوسطة والبعيدة المدى من طرف آخر. وعليه.. تبنى نظرية الشرق الأوسط الجديد على تغيرات هيكليّة وسياديّة واسعة ستضرب دوله “السابقة”.. وتكون مبرر مقبول شعبيًا في الشراكة بين دول المنطقة التي ستعتمد الطاقة وقضايا السلام الدولي المستدام والاقتصاد الواسع كمقومات الشراكة في صناعة شرق أوسط جديد أتلفته الحروب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
برق في صندوق بريدك !

اشترك في قائمة مركز برق البريدية ليصلك كل جديد عبر بريدك الإلكتروني