
محاولة فصل المسار اللبناني عن الإيراني؛ هل تنجح؟
يحظى مسار التفاوض بين بيروت وتل أبيب هذه الأيام باهتمامٍ أمريكيٍ كبير، في سعيٍ حثيث من أطرافه إلى حل المشكلات القائمة بين الطرفين المتفاوضينِ ضمن مسار خاص بها يفصلها عن أزمات المنطقة الأخرى؛ خاصةً مساق الحرب والتفاوض الأمريكي الإيراني، ويُبدي حزب الله اللبناني وبعض مؤيديه معارضةً صريحةً وقويةً لهذه المحاولات ونتائجها المتوقعة.
فما مدى إمكان نجاح هذا الفصل بالنظر إلى العوامل والأطراف المختلفة التي تشارك في صناعة السياسة الإقليمية عامة واللبنانية خاصة؟
موقف حزب الله:
رفض الحزب مخرجات التفاوض اللبناني الإسرائيلي التي تمت برعاية أمريكية في أواخر يونيو الماضي، ونصت على تبادل الاعتراف بين الطرفين، وانسحاب الجيش الإسرائيلي من الأرض اللبنانية مقابل نزع سلاح حزب الله وحصر السلاح اللبناني في الجيش، واستمرار التفاوض. لم يكن هذا الرفض مجرد تعبير عن رفضٍ سياسي، بل هو رسمٌ لخلافٍ كبير بين الدولة اللبنانية التي ترفع قيادتها شعارات الاستقلال عن الخارج وحماية السيادة الوطنية، وبين مشروع المحور الإيراني الذي يرى في لبنان عمقًا استراتيجيًا لا يمكن التخلي عنه.
يربط حزب الله مصير سلاحه بشرط الانسحاب الإسرائيلي أولًا من كل لبنان، ويعتبر موضوع سلاحه شأنًا داخليًا تناقشه أطراف الدولة اللبنانية من دون أي تدخلٍ خارجي، ويسانده في موقفه حركة أمل الشيعية وزعيمها التاريخي نبيه بري رئيس مجلس النواب اللبناني، كما يشارك الحزبَ رفضَ الاتفاق أطرافٌ أخرى ذات هويات مختلفة، مثل: جبران باسيل والتيار الوطني الحر، ووليد جنبلاط والحزب التقدمي الاشتراكي، وهذا يزيد في التعقيد الداخلي للبيئة السياسية اللبنانية وتعاطيها مع ثنائية الفصل والوصل مع إيران.
وتحاول طهران من جهتها تقديم المسألة باعتبارها شأنًا لبنانيًا خاصًا، رغبة منها في عدم تحمّل تبعات المواجهة المباشرة حول سلاح حزب الله، مع بقائها متمسكة ببقاء هذا السلاح باعتباره أداة نفوذ لها، واعتبار الحزب نفسه حليفًا سياسيًا وطائفيًا مفضلًا.
هذا التناقض بين الخطاب الدبلوماسي لبعض الأطراف والموقف الاستراتيجي لبعضها الآخر يكشف عن صعوبة الفصل الحقيقي بين المسارين اللبناني والإيراني.
الاتفاق الأمريكي-الإيراني:
نصّ الاتفاق الإطاري بين واشنطن وطهران على “إنهاء فوري ودائم للحرب على جميع الجبهات، بما فيها لبنان، وضمان وحدة أراضي لبنان وسيادته”، وهو ما يحمل في طياته اعترافًا أمريكيًا بالنفوذ الإيراني في لبنان، في مقابل التزام إيراني بوقف التصعيد العسكري.
لكن التطوّرات الميدانية تفيد أن هذا الاتفاق يعاني من هشاشةٍ مقلقة، فقد تبادل الطرفان الأمريكي والإيراني القصف العنيف، وأعلن كل منهما عن إنهاء اتفاقية وقف القتال، ومع أن العودة إلى الحرب الشاملة لم تقع إلى الآن، إلا أنها تبدو وشيكة، مما يهدد باشتعال الجبهة اللبنانية، وإن كان هذا متوقفًا بطبيعة الحال بدرجة كبيرة على عدم بقاء تل أبيب على الحياد.
وتشير التحليلات إلى أن استراتيجية الردع الإيرانية، التي ارتكزت على البرنامج الصاروخي، والعتبة النووية، وشبكة الحلفاء، قد تداعت بعد الضربات الأمريكية للمنشآت النووية الإيرانية في يونيو 2026، وإضعاف حزب الله، وسقوط نظام الأسد. هذا الضعف النسبي للردع الإيراني قد يدفع طهران إلى الحفاظ على الاتفاق خيارًا استراتيجيًا لتجنب حرب استنزاف لا تستطيع تحمّل كلفتها، لكنه في الوقت نفسه قد يزيد من تشبثها بحزب الله باعتباره امتدادًا لها في المنطقة، وداعمًا مهمًا للنظام ضد أي انتفاض داخلي.
تناقض المواقف بشأن سلاح حزب الله:
في جوهر معضلة الفصل والوصل بين الجبهتين الإيرانية واللبنانية تكّمُن قضية سلاح حزب الله، وتتباين حوله الرؤى بين الأطراف المعنية بشكل حاد، مما يجعل هذه القضية الأكثر تعقيدًا في ملف الفصل عن المسار الإيراني:
يسعى لبنان الرسمي بالمفاوضات المباشرة مع إسرائيل إلى تحقيق الانسحاب الكامل للاحتلال، وانتشار الجيش الوطني، وعودة الأسرى والنازحين، وإعادة الإعمار. كما أقرّت الحكومة اللبنانية حصر السلاح بيد الدولة.
وأما الموقف الأمريكي الإسرائيلي، فيصرّ على ربط أي انسحاب بنزع سلاح الحزب، ويطالب الدولة اللبنانية بالقيام بالواجبات المطلوبة منها في هذا الصدد. هذا الموقف، وإن كان مفهومًا من منظورٍ أمني، يحمل في طياته تجاهلًا للتعقيدات السياسية والداخلية اللبنانية، ويهدد بإشعال مواجهة داخلية.
وأما حزب الله، فقد أعلن مرارًا أن سلاحه “خط أحمر”، ويرفض أي نقاش حول نزعه، رغم استعداده النظري لمناقشة “كيفية” ضبط السلاح ومناطق انتشاره. هذا الموقف المتصلّب يعكس إدراك الحزب أن سلاحه هو ورقة التفاوض الوحيدة التي تضمن بقاءه لاعبًا رئيسيًا في الساحة اللبنانية على الأقل.
الخلاصة أن تحقيق نزع السلاح يتطلب تقاربًا بين هذه المواقف المتناقضة، وهو أمرٌ يبدو بعيد المنال في المدى المنظور، خاصة في ظل انعدام الثقة بين الأطراف المذكورة.
سوريا: عامل وصل أم عائق فصل؟
كان سقوط نظام بشار الأسد أحد المتغيرات الأكثر تأثيرًا في معادلة الفصل اللبناني-الإيراني؛ فسوريا كانت حلقة الوصل البرّي الرئيسة بين إيران وحزب الله، والممر الأساس لتهريب الأسلحة والإمدادات، فشكّل انهيار هذا النظام ضربةً قويةً لشبكة الإمداد الإيرانية، مما حدّ من قدرة طهران على دعم حزب الله بالشكل المطلوب.
لكن السؤال المطروح هو: ما موقف سوريا الجديدة من هذه القضية؟ والحقيقة أن سوريا الآن لا ترحب بنفوذٍ إيراني فيها وفي الجوار على السواء؛ خاصةً أنها مشغولة بمشكلات الداخل، وإعادة تشغيل دولاب الدولة بصورةٍ طبيعية، وفي هذا السياق يمكن لحسِها البراجماتي أن يحركها باتجاه إقامة علاقات مع أي طرف لضبط التوازنات مع الأطراف الإقليمية والدولية وتبادل المنافع الاقتصادية، لكن لن تكون دمشق بوابة يمر عبرها الإيرانيون إلى لبنان، كما لن تكون دمشق شريكًا في نزع سلاح الحزب بالقوة انطلاقًا من العوامل المذكورة آنفًا، والتي يأتي على رأسها انشغال الدولة السورية بإعادة إنتاج ذاتها بعد انهيار نظام الأسد.
طهران ودحرجة الأمور:
استراتيجية طهران في التعامل مع الملف اللبناني تدور بين التفاوض، والتهديد، فتتمسك بإدراج لبنان في أي اتفاق مع واشنطن، وتعتبره شرطًا لمواصلة المباحثات، وهذا يعكس رغبة لديها في إبقاء نفوذها ضمن إطار شرعي ومقبول دوليًا. ومن ناحيةٍ أخرى هدد مندوب إيران لدى الأمم المتحدة بأن بلاده سترد إذا انتهكت إسرائيل مذكرة التفاهم بأي شكل، بما في ذلك مهاجمة لبنان وحزب الله.
يشير هذا إلى أن إيران ليست مستعدة للتخلي عن حزب الله بسهولة، لكنها أيضًا غير مستعدة لخوض حرب شاملة من أجله في الظروف الراهنة؛ لذلك، تميل طهران إلى تحريك الأمور ضمن حدود مقبولة، في محاولة منها لتحقيق أقصى استفادة من ورقة حزب الله دون الوصول إلى نقطة الانهيار. وهنا يبرز جوهر الصراع الأمريكي الإيراني الحالي المتأرجح ما بين تمسك طهران بأوراق التفاوض ومحاولة واشنطن نزع هذه الأوراق تدريجيًا؛ لا سيّما ورقتي هرمز وحزب الله اللتين ترى فيهما واشنطن مركز توازن التهديد الذي تحاول طهران بناء معادلة ردعها بالاستناد إليه.
نتنياهو ولبنان: حسابات انتخابية أم استراتيجية أمنية؟
يمثل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عنصرًا حاسمًا في معادلة الفصل بين إيران ولبنان، ومع هذا فهو يسعى إلى ضبط حال الجبهة اللبنانية بحيث تخدم طموحه السياسي في البقاء بالسلطة باستحقاقات الانتخابات الإسرائيلية القادمة في نهايات أكتوبر القادم.
وقد أشاد المسؤول الإسرائيلي بنتائج التفاوض والاتفاق مع لبنان، إلا أنه أعلن في الوقت نفسه التمسك باستمرار الوجود العسكري هناك؛ وذلك لأن الانفتاح على الاتفاق يسمح لنتنياهو بإظهار إنجاز دبلوماسي أمام الناخبين الإسرائيليين، والتمسك بالوجود العسكري ونزع السلاح يلبي متطلبات التيار اليميني المتطرف في حكومته، ويحافظ على ورقة التهديد العسكري للضغط بها.
لكن السؤال الأهم هو: إلى أي مدى سيتحمل نتنياهو ضغوط إشعال الجبهة اللبنانية؟ يشير واقع الحال إلى أن إسرائيل تفضل في الوقت الراهن إبقاء التوتر في لبنان ضمن حدود دفاعية، مع توجيه ضربات محدودة لمنع التهديد، بدلاً من الانخراط في حرب شاملة. لكن المتغيرات الإقليمية، خاصة إذا فشل الاتفاق الأمريكي-الإيراني، قد تدفع نتنياهو إلى تصعيد أكبر، سواء لأسباب أمنية أو انتخابية.
وأدق جوانب الموقف من قضية الفصل والوصل بين إيران ولبنان يتركز الآن فيما لو تصاعدت المواجهة الحالية بين الولايات المتحدة وإيران، فهل – في هذه الحالة – ستتخلى تل أبيب عن واشنطن، وحزب الله عن طهران، أو سينتظر كل طرف من الجارتين أي خطأ للآخر لإشعال الجبهة؟ ولا شك أن هذا الإشعال يصب في خانة الوصل مع إيران.
إلا أن هذا القول ليس مطلقًا؛ لأن بقاء النظام في إيران لو اشتدت الحرب ليس بالأمر المضمون، وزواله يعني وقوع حزب الله فريسة سهلة بين أطراف وطنية وإقليمية وقوى دولية عدة.
الخاتمة:
يبدو أن محاولة فصل المسار اللبناني عن الإيراني تمضي قدمًا، لكنها تواجه عقباتٍ جمة تقلل من احتمالات نجاحها؛ وذلك بسبب التوتر الأمريكي-الإيراني المستمر، وعدم ضمان استمرار المسار التفاوضي اللبناني-الإسرائيلي، وتصلب موقف حزب الله، مع عدم القدرة على فرض واقع جديد عليه.
لذا قد يؤدي فشل الاتفاق الأمريكي-الإيراني إلى عودة التصعيد في جنوب لبنان ولو على مستوى منخفض، وزيادة الاستهداف الأمريكي لإيران، مما يعيد إنتاج المعادلة القديمة التي ترى في لبنان ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
ومع هذا قد ينجح لبنان في تحقيق شكلٍ من أشكال الفصل الجزئي المشروط، يتمثل في وقف إطلاق نار هش، وانتشار عسكري محدود للجيش اللبناني، واستمرار المفاوضات دون حسم قضية السلاح بشكل جذري. لكن هذا الوضع لن يحقق السيادة الكاملة، وسيبقي لبنان في منطقةٍ رمادية بين الاستقلال والتبعية. وهنا لا بد من الإشارة إلى تصنيف لبنان ضمن معادلة تسلسل هرم القوة الدولي على أنه دولة صغيرة؛ أي أن شكل سيادة لبنان لا يُرسم إلا عبر هامش أو طبيعة المعادلة الجيوسياسية التكتلية التي تُبقي لبنان ضمن صراع جيوسياسي يدور بين أطرافٍ إقليميةٍ أو كُبرى عدة تسعى لتحقيق النفوذ، وبالتالي فإن ظفر لبنان بالاستقلال أو السيادة الكاملة كما يُشار من بعض الفرقاء اللبنانيين بعيد المنال، وهو ما يجعله ضمن معادلة صراع جيوسياسية مستمرة. وهذه النقطة تجعل احتمال إحراز الحكومة اللبنانية لنجاحٍ كامل في المفاوضات الجارية مجافٍ للواقع خاصةً وأن لبنان بلدٌ مفرقٌ ديموغرافيًا تحكمه طوائفُ متفرقة لم تكد تجتمع يومًا واحدًا على قلب رجلٍ واحد في تحديد أولويات مصلحته الوطنية.
وثمة احتمال آخر يبدو واردًا بقوة، وقد أشير إليه سابقًا، وهو سقوط النظام الإيراني الحالي برمته تحت وطأة الحرب الأمريكية عليه، فتزول بذلك فكرة الوصل نفسها، ويبقى حزب الله في العراء.
وفي المحصلة؛ فإن فرص الفصل الكامل بين المسارين اللبناني والإيراني لا تزال محدودة، بينما يبدو الفصل الجزئي أكثر ترجيحًا، من خلال احتواء التصعيد واستمرار التفاوض دون حسم ملف سلاح حزب الله. وسيبقى مصير هذا المسار مرتبطًا بتطور الحرب الأمريكية الإيرانية، وقدرة الدولة اللبنانية على تعزيز دورها، واستعداد إيران للحفاظ على نفوذها بأدوات أقل تصعيدًا. أما انهيار التفاهمات الإقليمية، فسيعيد لبنان سريعًا إلى دائرة الصراع الإقليمي ويقوض فرص الفصل.
جميع الحقوق محفوظة لدى برق للاستشارات ©2026




