تقدير موقف

18 يوم حرب سيناريوهات التسوية وتوازنات الردع الإقليمي

(حرب إيران… التسوية المرة عبر بوابة الغاز والمياه)

الملخص التنفيذي:

بعد مرور 18 يومًا على اندلاع العمليات العسكرية الواسعة ضد إيران، دخل المشهد الميداني والأمني للحرب بمرحلة “الجمود النشط”؛ فرغم النجاح التكتيكي للتحالف (الأمريكي-الإسرائيلي) في شلّ القدرات العسكرية التقليدية لإيران بنسبة تجاوزت 75%، إلا أن الهدف الاستراتيجي المتمثل في تغيير النظام أو إحداث انتفاضة داخلية لم يتحقق بعد.

تبرز مؤشرات على مسار تفاوضي خلفي يسعى لاستبدال الحسم العسكري الكامل بتسويات جيوسياسية كبرى تشمل ملفات الغاز اللبناني ومياه الليطاني، مما يضع المنطقة أمام هزيمة استراتيجية “لمحور المقاومة” مقابل مكاسب اقتصادية قصيرة المدى لإسرائيل.

المتغير الاستراتيجي الأكبر: خروج العمق السوري من تبعية إيران

يمثل إسقاط النظام السوري الموالي لطهران التحول الأكثر جوهرية في مسار هذه الحرب؛ حيث أدى هذا السقوط إلى بتر “الجسر البري” الذي يربط طهران بالمتوسط، هذا الانقطاع الجغرافي حوّل أذرع إيران في لبنان إلى “جزر معزولة” عسكريًا ولوجستيًا، مما أفقد طهران أهم أوراق الضغط الإقليمي (وحدة الساحات) وجعل موقفها التفاوضي في أضعف حالاته التاريخية منذ عام 1979.

الواقع الميداني والعملياتي

تآكل القدرات التقليدية: تشير المعلومات إلى نجاح التحالف في إعادة القدرات الصاروخية والجوية والبحرية الإيرانية عقدًا إلى الوراء، هذا التحييد نتج عنه تقيلص قدرة طهران على شن هجمات مضادة واسعة النطاق في المدى المنظور.

صمود الهيكل السياسي: بخلاف التوقعات، لم يؤدِ القصف العنيف إلى تفكك الجبهة الداخلية أو سقوط النظام، مما يعني أن أدوات “القوة الخشنة” وصلت إلى سقفها دون تحقيق التحول السياسي المنشود.

معادلة الاستنزاف: تواجه واشنطن ضغوطًا داخلية (إدارة ترامب) والاتحاد الأوروبي والصين بسبب تضخم أسعار الطاقة وتوقف الملاحة، مما يدفع نحو البحث عن “مخرج آمن” يحفظ ماء الوجه ويحقق مكاسب نوعية.

المسار التفاوضي: “الغاز والمياه مقابل البقاء”

يُشير توجه الأحداث (بناءً على تسريبات قنوات التواصل بين طهران وواشنطن/ موسكو) إلى بروز مقايضة تاريخية محتملة تتجاوز الجغرافيا الإيرانية لتشمل العمق اللبناني:

ملف الغاز (بلوك 8 و9): بعد فشل الاستكشافات التجارية السابقة في لبنان، تبرز الضغوط الإسرائيلية لفرض سيطرة غير مباشرة أو حصص ربحية في “البلوك 8” الاستراتيجي كشرط لوقف التصعيد ضد طهران.

ملف الليطاني: إعادة إحياء الطموحات الإسرائيلية في مياه نهر الليطاني كضمانة أمنية ومائية طويلة الأمد، مقابل ضمان استمرار النظام الإيراني بتركيبته الحالية (مع تحجيم نفوذه الإقليمي).

الرؤية الجيوسياسية: هذه التسوية -إن تمت- ستمثل “نصرًا اقتصاديًا” لترامب و”تثبيتًا للمكاسب” لإسرائيل، لكنها ستكرس حالة من “السيادة المنقوصة” للدول العربية المحيطة (لبنان نموذجًا).

مصفوفة الأرباح والخسائر (بعد 20 يومًا)

• إيران: خسارة عسكرية فادحة + صمود سياسي + الاحتفاظ بالورقة النووية (مقيدة).

• إسرائيل: نجاح تكتيكي مبهر + مكاسب إقليمية (غاز ومياه) + فشل في إنهاء التهديد الوجودي كليًا.

• الولايات المتحدة: استعراض قوة + ضغوط اقتصادية متزايدة + الرغبة في إغلاق الملف قبل تجاوز مهلة الـ 30 يومًا.

 السيناريوهات المتوقعة

السيناريو الأول: التسوية العبثية

وقف العمليات العسكرية مقابل تنازلات إقليمية كبرى من جانب إيران (تتعلق بأذرعها في لبنان وسوريا وملفات الطاقة)، مع بقاء النظام والبرنامج النووي، هذا السيناريو المرجح سيُنتج حالة من الترقب في الأوساط العربية ويعزز الشعور بحاجة ملحة لإنشاء تحالف سياسي أمني جديد يحمي الموارد والجغرافيا من أي حرب قادمة.

السيناريو الثاني: الحسم المتدحرج

رفض إيران للمقايضة، مما يدفع التحالف لتوسيع العمليات لتشمل البنية التحتية المدنية والمنشآت النووية مباشرة، وهو ما قد يؤدي إلى انفجار إقليمي شامل غير محكوم النتائج.

هيكلة التحالفات الإقليمية في ظل السيولة الأمنية الدولية:

يؤدي استنزاف القوى المباشرة بين إيران وإسرائيل، معطوفًا على الارتباك الأمني الإسرائيلي الداخلي وانكفاء طهران لمعالجة أزماتها البنيوية، إلى خلق فراغ قوة يمهد لولادة خارطة تحالفات غير تقليدية، تُقرأ وفق المعطيات التالية:

محور أنقرة – الخليج كقطب استقرار:

 يتوقع أن يدفع هذا الصراع نحو نضوج تحالف (تركي-خليجي) استراتيجي، يتجاوز التنسيق الاقتصادي إلى بناء منظومة أمنية وإقليمية قادرة على ملء الفراغ الناتج عن انشغال القوى التقليدية، هذا التحالف سيسعى لفرض “منطقة عازلة” سياسيًا واقتصاديًا تحمي مصالح الإقليم من تداعيات الصدام المباشر.

سوريا الجديدة كساحة توازن:

 مع سقوط النظام السوري الموالي لطهران وانتصار الثورة، ستتحول سوريا من “ساحة نفوذ إيراني” إلى “نقطة توازن” يبرز فيها دور التحالف التركي-الخليجي لترسيخ واقع سياسي جديد يقطع الطريق على أي محاولات إسرائيلية للتمدد الجيوسياسي تحت ذريعة الأمن المائي أو الغازي.

الاستثمار في الارتباك الكبير:

في ظل انشغال القوى العظمى (الصين وروسيا) بمواجهة الهيمنة الأمريكية، وفي ظل التخبط الأمني الداخلي في إسرائيل، ستجد القوى الإقليمية (تركيا، السعودية، قطر، الأردن) فرصة تاريخية لفرض أجندة محلية للصراع، بعيدًا عن الإملاءات الدولية، مما قد يؤدي إلى نشوء تحالفات “ضرورة” تقلب موازين القوى التقليدية.

تحييد التهديدات العابرة للحدود:

إنشغال إيران بملفاتها الداخلية وانكسار أذرعها الخارجية سيحفز دول المنطقة على بناء منظومة أمنية مشتركة لمكافحة التهديدات غير النمطية (المليشيات، تهريب السلاح)، مما يعزز من سيادة الدولة الوطنية في مواجهة مشروع “وحدة الساحات” الذي تآكل عسكريًا وسقط جغرافيًا في دمشق.

 التوصيات:

على صناع القرار في المنطقة العربية الانتباه إلى أن الحرب الحالية قد تنتهي بـ “صفقة تبادلية” تُدفع أثمانها من الموارد السيادية العربية (الغاز والمياه اللبنانية)؛ لذلك يجب التحرك لضمان عدم تحويل الموارد الوطنية إلى أوراق تفاوض في صراع “إيراني-أمريكي-إسرائيلي”، والتحذير من أن أي تسوية تبقي الجوهر النووي مع منح إسرائيل مكاسب أرض ومياه ستؤدي إلى جولات صراع أكثر عنفاً في المستقبل.

صادر عن: وحدة الدراسات الاستراتيجية بمركز برق.

جميع الحقوق محفوظة لدى برق للسياسات والاستشارات©2026

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى