الاصداراتالدراسات الاستراتيجية

المُحدِّدات الرُّوسية في ترتيبات شرق الفرات

تمهيد:

ضمن حدود السيطرة وآليات الردع والاحتواء تَجرى ترتيبات مكثفّة لإعادة رسم مناطق النفوذ من فاعلين دوليين في شمال شرق سورية، بعد حفاظها لسنوات على توازنات هشّة فرضتها ظروف مكافحة التنظيمات الإرهابية منذ 2014 حيث أدت العملية التركيَّة (نبع السلام) المُنفّذة في 9 أكتوبر- تشرين الأول 2019 إلى المسّ بتلك التوازنات التي راهنت عليها بعض الدول الأوربية وفق تصورات تقضي ببقاء طويل الأمد للقوات الأمريكية منعاً لارتهان كامل سورية للفضاء الروسي والإيراني، وعودة مُهددات التنظيمات الراديكالية وموجات اللجوء العابر للحدود.

وبشكل مدروس نفذت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عمليات إخلاء جزئي لقواتها المنتشرة في عدة نقاط شمال شرق سورية مع بقاء استثناء تواجد رمزي لبعض القوات في قاعدة التنف الواقعة على الحدود السورية الأردنية العراقية[1]، وقد جاءت هذه الخطوة بعد تفاهمات ضمنية جرت بين الرئيسين التركي والأمريكي في 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2019 باتصال هاتفي تم من خلاله منح تركيا ضوءًا أخضر لبدء عملية عسكرية محدودة النطاق على طول 120 كم وبعمق 32كم تشمل المناطق الواقعة بين بلدتي تل أبيض ورأس العين شمال شرق البلاد.

التطور الهام فتح المجال لروسيا لوضع قدمها في شرق الفرات، خصيصًا أنها كثفت جهودها مؤخرًا بالتعاون مع حلفائها في مسار أستانة لزيادة الضغوطات على الإدارة الأمريكية وتشجيعها على الانسحاب، إذ سبق لترامب أن أعلن في كانون الأول / ديسمبر 2018 سحب قواته من سورية بذريعة القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية[2]، لكن الضغوطات التي واجهها آنذاك من قبل معارضيه داخل المؤسسات الأمريكية حالت دون ذلك، فيما يتضح أن السياق العام للإعلان الأخير يبدو مختلفًا كليًا عن سابقه بعد وصول ترامب لقمة الإحراج في سياساته الداخلية، كما أن تركيا كانت بأمس الحاجة لإجراء عمل جراحي يُنهي أرقها التاريخي من مشروع إقامة كيان انفصالي كردي على مقربة من حدودها الجنوبية مع سورية، إضافًة إلى إسكات الجبهة الداخلية التركية من الهواجس الناتجة عن ورقة اللاجئين السوريين، ويبدو أن تلاقي هذه الأهداف هو ما مهد الطريق للكشف عن تفاهمات تركية أمريكية روسية يجري تنفيذها في شرق الفرات بما يتناسب مع أهدافهم الاستراتيجية وعلى حساب مصالح الأوربيين وبعض الدول العربية في المنطقة.

بيدَ أن هذه الأهداف والمصالح يتخللها تفاوت حول نسب التموضع والسيطرة، ففي الوقت الذي يكتفي فيه الطرف الأمريكي في تأمين مصالحه في قاعدة التنف وبعض الحقول النفطية، واقتصار تركيا على إنهاء الدور العسكري لوحدات حماية الشعب الكردية، يظهر الطرف الروسي كفاعل دولي وحيد له النصيب الأكبر من قسمة مناطق شرق الفرات، حيث تسعى موسكو لاستكمال استراتيجيتها في سورية كمحدد ثابت يضمن لها بناء قاعدة صلبة تنطلق منها نحو فرض نفسها كلاعب إقليمي في الشرق الأوسط، واستعادة مكانتها في النظام الإقليمي كدولة عظمى تعيد إحياء الإرث التاريخي للاتحاد السوفيتي.

وأمام هذه التطلعات الروسية في المنطقة لا تزال التحديات في تصاعد مع غياب عامل الثقة بين كل الأطراف، وتداخل مصالحهم، إذ إن عملية الحفاظ عل مكاسب طويلة الأمد تتطلب استراتيجيات ثابتة وبعيدة، وإن نجحت موسكو حتى الآن في تحقيق بعض أهدافها، فهي تفتقر لمعرفة النتائج الكلية للحلول النهائية السورية، ولعل هذا ما يدفع موسكو إلى التركيز على تقييم أي تطور في سورية بشكل آني والتريث لمعرفة أداور الفاعلين ومن ثمَّ التوجه إلى رسم أهداف قريبة المدى تأمل من خلالها الوصول إلى غايتها النهائية في سلم الأولويات للخارجية الروسية، ومن هذا التكتيك تنطلق موسكو نحو ترتيب الهندسات النهائية لمناطق شرق الفرات السوري بالتعاون مع شريكتها تركيا.

تناقش الورقة الدور الروسي في عمليات شرق الفرات، ضمن سلّم الأهداف والنتائج للسياسة الخارجية الروسية في سورية.

حسابات موسكو في عملية نبع السلام

على مدار سنوات حاول الرئيس التركي رجب طيب أردوغان حث الولايات المتحدة الأمريكية على موافقتها لخلق منطقة آمنة على كامل الشريط الحدودي الشمالي مع سورية، بعمق 32كم وطول 440 كم، بأهداف معلنة تتعلق بحماية الأمن القومي التركي وإنهاء فكرة إقامة كيان انفصالي كردي وتأمين عودة اللاجئين السوريين، لكن لم تلقَ رغبات أنقرة أي قبول داخل الأوساط الأمريكية، وقوبلت بمحاولات مماطلة وتمييع كالذي حصل في اتفاق منبج في حزيران 2018 [3]، ما دفع لزيادة تنسيق علاقاتها مع موسكو وتتويجها مؤخرًا بشراء تركيا منظومة الدفاع الروسية أس 400، حيث كانت هذه الصفقة نقطة فارقة وتحول استراتيجي في المرتكزات الخارجية للرئيس الروسي فلاديمير بوتين في سورية وكامل منطقة الشرق الأوسط[4].

التطور المذكور إضافة إلى تعزيز البنية العسكرية الروسية  في سورية منحها تواجد طويل الأمد، واستطاعت فرض حماية لإنجازاتها عبر نشرها منظومة اس 300 التي أّمَّنَت لها عُمقًا دفاعيًا على طول الخط الساحل السوري يصل حتى وسط سورية وبنشرها منظومة اس 400 شمال غرب سورية أَمَّنَت عُمقًا دفاعيًا يصل حتى جنوب الأناضول، وللحفاظ على هذه الإنجازات وجعلها أهداف بعيدة، لم يبق لها إلا الدخول إلى منطقة شمال شرق سورية لتثبيت كامل الأهداف وتتويجها بفرض تسوية سياسية تقود لحالة استقرار على كامل الجغرافية السورية.

وانطلاقًا من هذا المحدد الاستراتيجي كانت موسكو تُصر دائمًا في أي مناسبة أو جولة مباحثات متعلقة في الشأن السوري على المطالبة بخروج كامل القوات الأجنبية من منطقة شرق الفرات، على اعتبار أن وجودها غير شرعي، وفي قمة أنقرة التي جمعت رؤساء الدول الضامنة في 17 أيلول الماضي، عززت موسكو هذا الهدف بعد تحويل الاجتماع لمنصة انطلاق ضد التواجد الأمريكي، إذ اتفق الجميع على ضرورة خروج كامل للقوات الأجنبية المنتشرة في شرق البلاد.

ومع بدء تركيا حملتها العسكرية 9 أكتوبر 2019 بعد التوافق مع إدارة الرئيس ترامب، بدت موسكو أنها حاضرة في كامل التفاصيل، فمن ناحية كان التنسيق حاضرًا مع تركيا بإجراء مكالمة هاتفية [5] قبل بدء المعركة كشفت عن تبادل الطرفين  نقاشات موسعة حول حزمة الاتفاقيات التي تم التوصل لها في مساري أستانة وسوتشي إلى جانب تفهم موسكو المصالح الأمنية لأنقرة من جراء العملية العازمة لها، لكنها أكدت فيما بعد عبر تصريحات صدرت عن الكرملين على ضرورة أن تقوم تركيا بتقييم  دقيق لمسار العملية بغية منع أي أضرار بالجهود الثنائية في مسار الحلول السياسية والحفاظ على وحدة الأراضي السورية [6]، وقد فسرت هذه المكالمة وما عقبها من تصريحات على موافقة موسكو على عملية نبع السلام. ومن جانب أمريكي كشفت بعض المصادر أن الرئيس الأمريكي اتفق مع نظيره الروسي بوتين لإتمام صفقة كاملة في الشمال السوري، تقضي بمنح تركيا جزء من مشروع المنطقة الآمنة مقابل ملء الفراغ من قبل روسيا بعد تأمين الانسحاب الأمريكي باتجاه العراق [7]. ومن خلال تتبع الأحداث المتسارعة لعملية نبع السلام فإن نتائجها تشير إلى أن تفاهمات أمريكية روسية حدثت قبل وبعد بدء العملية.

قُبيل إعلان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان البدء بعملية عسكرية، أوفد مبعوثين لكل من موسكو وواشنطن لإبلاغهما بسير التحركات المتفق عليها مع بقاء الاتصالات المكثفة بينهما، وحسب مصدر خاص فإن التفويض الأمريكي الذي مُنح لتركيا متعلق فقط بالمنطقة الممتدة على الشريط الحدودي بطول 120كم وبعمق 32كم، تشمل بلدتي تل أبيض ورأس العين، على عكس ما كان يتمناه الرئيس التركي في أن تشمل العمليات كامل الشريط الحدودي بطول 440كم، وصولاً إلى أقصى الجهة الشرقية عند المالكية، وقد سرَّعت تركيا من خطواتها لتحقيق أهدافها بوقت قياسي مدروس لأنها على علم بأنها ستتعرض لمواقف دولية رافضة للعملية، حيث تصدَّر الاتحاد الأوربي الرأي العام ووصف نبع السلام بأنها غزو تركي وطالب المجتمع الدولي بإيقافها، وقدموا لمجلس الأمن مقترح لإدانة العملية وإيقافها، لكنها أُجهضت بفيتو روسي أمريكي في 10 أكتوبر، وتم بموجبه منع عرقلة العملية وإعطاء تركيا مزيدًا من الوقت لإتمام الانجازات، ما يعني أن المساندة الأمريكية الروسية لتركيا في مجلس الأمن كان متفقًا عليها مسبقًا ولم تكن وليدة اللحظة، والأمر اللافت أن عملية التقدم التركية رافقها تقدم للقوات الخاصة الروسية وقوات تابعة للنظام الحاكم في دمشق التي بدأت بملء الفراغ من النقاط التي انسحبت منها أمريكا، والتي تجاوزت حدود العمليات التركية ليتضح فيما بعد أن التحركات الروسية كانت منسقة لوضع قيود تمنع تقدم القوات المدعومة من تركيا، وذلك من خلال ما كشفت عنه موسكو من تفاهمات جرت مع الأكراد لإبرام اتفاق مع النظام الحاكم في دمشق والذي أجرى مباحثات في قاعدة حميميم بعد يومين من بدء المعركة، حيث آلت تلك الجهود إلى تقدم قوات النظام والشرطة الروسية إلى كامل المناطق الممتدة من منبج وصولاً  لتل تمر بريف الحسكة الشمالي الغربي.

 وبعد ثمانية أيام استطاعت تركيا بسط السيطرة على المنطقة الممنوحة لها، لتنتقل الأمور إلى المرحلة الثانية الرامية لوقف العملية ومنع تركيا التقدم وحصر تواجدها بحدودها التي وصلت لها، فبحلول 17 أكتوبر وصل وفد أمريكي إلى أنقرة بقيادة نائب الرئيس الأمريكي مايك بنس بهدف إقناع أنقرة إيقاف العملية بعد تحقيق الأهداف المطلوبة للجميع، حيث نجحت تركيا جزئيًا في إبعاد قوات سورية الديمقراطية عن حدودها، و استطاعت واشنطن تأمين خروج قواتها بنجاح و الحفاظ على بقاء حقول النفط بيدها واستمرار المهمات الموكلة لجنودها في قاعدة التنف، أما موسكو فنجحت بفرض حدود السيطرة الخاصة لكل من تركيا والأكراد، بعد دفعهم للتنازل أمام النظام. وحسب عدة تسريبات فإن قسد قدمت تنازلات كاملة للنظام الحاكم في دمشق مقابل منحهم بعض الامتيازات الإدارية مستقبلًا في مناطق تواجدهم، فيما رجحت مصادر أخرى أن الاتفاق هو عسكري فقط لحماية الحدود السورية ضد ما أسموه بالاعتداء التركي مقابل أن تتابع كافة الإدارات الذاتية والمدنية ومؤسساتها أعمالها كما كانت سابقاً [8].

وأمام جملة التطورات الميدانية غيرت موسكو رأيها حول العملية التركية لتطلق عدة تصريحات تمهد من خلالها إيقافها في 12 أكتوبر أطلق الكرملين سلسة تحذيرات أمام تركيا تطالبها بإيقاف العملية و صرح بوتين أنه يجب على جميع القوات المنتشرة بشكل غير قانوني داخل أية دولة ذات سيادة، كما في حالة سورية، المغادرة، ويجب الحفاظ على وحدة الأراضي  السورية بشكل كامل[9]، ووصف مبعوث بوتين إلى سوريا، أليكسندر لافرينيتيف، العملية العسكرية التركية في شمال شرق سورية بأنها غير مقبولة وأنكر أن تكون قد جاءت بضوء أخضر من روسيا. وأمريكيًا استطاع نائب الرئيس في 17 أكتوبر بعد تهديد تركيا بفرض عقوبات تقود لتدمير كلي لاقتصادها من إقناع الرئيس التركي بقبول وقف العملية عند حدودها الحالية لمدة 120 ساعة يتم بموجبها السماح للقوات الكردية الخروج من كامل المنطقة الحدودية على طول 120 كم، كذلك تم الاتفاق على إيجاد حل للمنطقة الآمنة، وتعهدت تركيا بحماية الأقليات في مناطق شمالي سورية، ومواجهة تنظيم الدولة الإسلامية وحماية السجون.[10].

الأهداف والمكاسب الروسية ( اتفاق موسكو- أنقرة)

يُعد التفاهم الثنائي بين أردوغان ترامب فرصة سانحة لموسكو لتوظيفها في تسوية أوضاع شرق الفرات لصالحها، سيما أن الرئيس الروسي بوتين هو الذي دعا الرئيس التركي لعقد لقاء ثنائي في 22 أكتوبر 2019، وقبل انقضاء فترة 120 ساعة صرح أردوغان أنه سيناقش مستقبل بقية المناطق التي دخلها النظام السوري في الإشارة إلى عين العرب كوباني ومنبج، أي أن تركيا ورغم إعلانها إيقاف المعركة إلا أنها أبقت الآمال مفتوحة لانتزاع مناطق جديدة تتيح لها ولو سياسيًا إخراج وحدات حماية الشعب من كامل الشريط الحدودي، وهو ما دل عليه بتصريحات سبقت قمة 22، بقوله أن لا مشكلة لديه مع روسيا بخصوص منطقة عين العرب كوباني، كما لا توجد خلافات حول سيطرة النظام على المناطق التي كانت بيد الأكراد طالما أن هناك  بعض الجهات ستتكفل بنزع سلاحها الثقيل وإبعادها عن حدودنا[11]. بالمقابل أرسلت موسكو بعض الإشارات لتركيا تشير إلى صلابة الموقف الروسي وإصراره على ضرورة سيطرة النظام على الحدود مع تركيا، إلى جانب تفعيل وسائل الضغط في جبهات ريف إدلب الجنوبي عبر قصف بعض المدن والبلدات [12].

وسياسيًا أعاد المتحدث باسم الرئاسة الروسية دميتري بيسكوف تذكير تركيا بموقف بلاده من الأوضاع في شرق الفرات منوهًا إلى أن توتر الأوضاع جاء بسبب العملية التركية [13]، وبهذا الشكل تكون موسكو قد حددت الإطار العام لأجندات القمة قبل تنفيذها ضمن سياق أهدافها المعلنة والخفية والتي يمكن استشرافها كما يلي:

_ إعادة تموضع قوات النظام لمسك الحدود الشمالية مع تركيا كبديل عن وحدات حماية الشعب الكردية.

_زيادة المساحة الجغرافية للنفوذ الروسي ومنع ذهابها لإيران.

_ استحواذها على ورقة الأكراد وتنظيم الدولة والتحكم بهما بما يخدم ضمان الضغط على إيران وتركيا والاتحاد الأوربي.

_ محاولتها تقليص حقول النفط من يد الولايات المتحدة والسيطرة عليها.

_ تعزيز مسار أستانة للحل السياسي وفق جهود اللجنة الدستورية ومسك زمام عملها ومصادرة قرارها السياسي بما يخدم رؤيتها للتسوية النهائية.

_ فرض سياسة أمر واقع على الأوربيين للمشاركة في إعادة الإعمار وإعادة اللاجئين.

جملة الأهداف يبدو أنها لم تخلُ من الاتفاق الذي نتج عن اللقاء الثنائي بين الرئيسين في سوتشي 22 أكتوبر 2019، حيث أعلن الطرفان عن توقيع مذكرة اتفاق وصفت بالتاريخية مؤلفة من عدة بنود كما يلي:

_ يؤكد الطرفان التزامهما الحفاظ على الوحدة السياسية والسلامة الإقليمية لسورية، وكذلك ضمان الأمن القومي لتركيا.  _ محاربة الإرهاب بجميع أشكاله ومظاهره ومقاومة التطلعات الانفصالية على الأراضي السورية.

_الحفاظ على الوضع الراهن القائم في المنطقة الحالية لعملية نبع السلام بين تل أبيض ورأس العين بعمق 32 كم. _التأكيد على أهمية الالتزام في اتفاقية أضنة الموقعة 1998 بين تركيا والنظام الحاكم في دمشق.
_ ابتداءّ من 23 أكتوبر 2019  يتم إدخال وحدات من الشرطة العسكرية الروسية التابعة للخدمة الحدودية السورية على الجانب السوري من الحدود السورية التركية خارج منطقة عملية مصدر السلام تُسهل سحب وحدات الحماية وأسلحتهم على بعد 30 كم من الحدود السورية التركية، والتي يجب أن تكتمل في غضون 150 ساعة يليها تسيير دوريات مشتركة روسية تركية على عمق 10 كم من الحدود إلى غرب وشرق منطقة عملية “نبع السلام” ، باستثناء مدينة قامشلي.
_ يتم سحب جميع القوات الكردية من منبج وتل رفعت مع اتخاذ الطرفين تدابير لمنع أي تسلل داخلها.
_ التزام العمل على إيجاد حل سياسي للنزاع السوري في إطار أستانة وجهود اللجنة الدستورية.
_ تأمين عودة طوعية للاجئين السوريين[14].

وبشكل أولي يتم تطبيق كافة البنود على الأرض كما في الشكل.

المصدر: TRT

بالنظر لمضامين الاتفاق يبدو أن موسكو استطاعت تحقيق معظم أهدافها الآنفة الذكر من خلال اللقاء الأخير ولعل أهم ما جاء في الاتفاق هو إعطاء شرعية للتواجد التركي داخل الأراضي السورية وحصره باتفاق أضنة بعد إجراء التعديلات عليه على اعتبار أن موسكو ألمحت مسبقًا بقبول إدخال بعض التعديلات [15]، ومنه فإن موسكو تكون قد مهدت الطريق أمام حصر التواجد التركي ضمن حدود تم الاتفاق عليها، إلى جانب تهيئة أرضية مشتركة مستقبلًا لفتح قنوات تواصل مباشرة بين أنقرة ودمشق إذ سيتطلب على المدى البعيد استمرار التنسيق بين دمشق وأنقرة لضمان حماية الحدود ومنع أي عودة للقوات الكردية. كذلك الاتفاق يُتيح لموسكو الدخول لمناطق عين العرب كوباني من الجهة الغربية لمنطقة تل أبيض لتنفيذ بند تسيير دوريات مشتركة مع تركيا بعمق 10كم، ومن الطرف الشرقي بعد القامشلي سيتم تنفيذ نفس الإجراء وصولاً للمالكية، وسيعتبر هذان الخطان شرقًا وغربًا ممرات خالية ومنزوعة السلاح، فيما التخوف يكمن من الجهة الغربية للممر الضيق والذي سيَسمح بفتح خط تواصل مع مناطق المعارضة في جرابلس ومنها إلى إدلب، فهناك خشية أن يتم استخدام هذا الممر من قبل روسيا في تهجير آلاف السوريين حيال أي تحرك مفاجئ في جبهات إدلب. وضمن بنود الاتفاق لا يزال الغموض متعلق حول مصير المناطق الواقعة في غرب وشرق منطقة نبع السلام التي ستنسحب منها القوات الكردية باتجاه الجنوب بعمق 32كم وحتى خط الطريق الدولي M4  فهذه المناطق ليست مشمولة في عملية نبع السلام وسيتم إفراغها من الأكراد وسحب السلاح الثقيل منهم، ومن المُرجح وفق المعطيات أن تخضع تحت وصاية النظام وروسيا. أما عن مصير المكون الكردي وحسب الاتفاق فيتضح أنه تم تعزيز موقعهم في جنوب الشريط التركي والشكل التالي يشير للمناطق التي سيبقى فيها الأكراد كالحسكة ومحيطها، إلى جانب تعزيز المكون العربي في الرقة والمناطق الإدارية التابعة لها.

المصدر: suriyegundemi

والجدير ذكره أهمية التفريق بين المكون العربي وبين مشروع وحدات حماية الشعب الكردية التي تعد ذراع لحزب العمال الكردستاني المصنف على لوائح الإرهاب، فمن خلال الجهود التركية الروسية يظهر أن تفكيك هذه المليشيات هو هدف مشترك بين الطرفين، بالنسبة لتركيا لا تفصلها مطلقًا عن ذراع وصل لقوات قنديل والتي دخلت معها بصراع تاريخي على مدار 35 عام، وأما عن موسكو فهي تعتبرها ذراعًا أمريكية لا يمكن الوثوق بها، لا سيما بعد محاولات سحبها من تحت الغطاء الأمريكي لعدة سنوات التي باءت بالفشل، لذا فمن المُرجح أن تتبع موسكو معها نفس السيناريوهات التي قامت بها مع فصائل المصالحة في جنوب سورية في مسار التسويات وعودتها لحضن النظام، وما يعزز هذا الطرح تصريحات أطلقها مدير المركز الإعلامي  لقوات سورية الديمقراطية مصطفى بالي في 24 أكتوبر 2019 بقبوله مناقشة الانضمام لما وصفه بالجيش السوري [16]

خاتمة

لقد شكل قرار ترامب سحب قواته من سورية والاكتفاء ببقاء محدود في منطقة الرميلان السورية، تحول استراتيجي في مسار الرؤى الأمريكية المتخبطة تجاه سورية، فعمليًا لولا إصرار الرئيس الأمريكي تنفيذ كامل وعوده الانتخابية واتفاقه مع الأتراك على إنشاء منطقة آمنة، لما نجحت روسيا بالدخول إلى منطقة شرق الفرات والاستفراد بها، وقد عكست المواقف داخل الأوساط الأمريكية المنددة والرافضة لسياسات الرئيس ترامب عن حجم الهوة والتباعد بين أهداف أمريكا كدولة عظمى تقليدية، وبين أمريكا ترامب الذي ينتقي قراراته بالاستناد إلى مزاجية براغماتية نفعية، ولعل مسألة عزله مؤخرًا بتهمة المكالمة المسربة مع الرئيس الأوكراني هي التي دفعته نحو الإقدام على خطوة كانت مؤجلة منذ آب الماضي.  ورغم تعرضه لمسألة التخوين بالتخلي عن الأكراد وزعزعة هيبة ومصداقية الولايات المتحدة، إلا أنه لم يتراجع عن موقفه، بل على العكس لجأ إلى وسائل تُتيح له تخفيف الضغط والدفاع عن نفسه من خلال تعهده بحماية المكون الكردي والدفاع عن حقوقهم، واستطاع الالتفاف على رغبات الكونغرس ومنعها من فرض عقوبات جدية على تركيا بعد نجاحه في التوصل معها لاتفاق في 17 أكتوبر 2019 والذي تطلب تنفيذه موافقة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إذ من الصعوبة أن يتم إطلاق مثل هذه العملية دون تنسيق مسبق وتفاهمات ثلاثية تحت عنوان تنفيذ الانسحاب الأمريكي من سورية، لكن قد لا يمثل هذا الانسحاب انتهاء الدور المؤثر الفعلي للولايات المتحدة في المنطقة، وبخلاف تصريح سابق للرئيس ترامب أن سورية أصبحت رمال متحركة [17] فإن الضغوط التي مُورست على إدارة الرئيس في ظل تنفيذه سحب قواته بشكل تدريجي من كامل سورية ظهر تحشيد تكتل لمواقف بعض الجمهوريين والديمقراطيين تحت مظلة البنتاغون بهدف اتخاذ إجراءات مضادة لتوجهات ترامب، حيث تم  إعادة انتشار لبعض قوات المشاة المجهزة بمعدات ميكانيكية حول منطقة دير الزور الغنية بالنفط  [18]، ما يفسر أن أمريكا لن تترك موقعها بشكل كامل لأطراف أخرى وأن المنطقة مرشحة لمزيد من التفاعلات الدولية ولن تُترك الأمور بشكل مطلق لصناع القرار في الكرملين.

وعليه فإنَّ جملة التحولات الداخلية في الولايات المتحدة الأمريكية هي التي أفضت بشكل نسبي إلى تنامي الوجود الروسي في سورية بالتعاون مع حليفتها تركيا إلا أن هذا التحول الأخير في شرق الفرات لا يُعبٍّر عن موقف أمريكي متكامل بسبب تنامي صراع الإرادات داخل الولايات المتحدة والمرشح استمرارها حتى حسم انتخابات 2020م، ولحينها ستبقى موسكو تستثمر في هذه الخلافات لنزع أكبر قدر ممكن من المكاسب بشكل تشاركي مع تركيا إذ لم يعد بالإمكان إغفال العلاقات المشتركة بين البلدين، حيث رسم الملف السوري إطارًا هامًا لتعزيز العلاقات على الصعيد الاقتصادي والتبادل التجاري المرجح وصوله لـ 100 مليار دولار سنويًا إضافًة إلى ملفات الغاز والطاقة والمجال العسكري، وكل هذه العلاقات يتم أخذها دائمًا بعين الاعتبار داخل أروقة الكرملين بهدف جر تركيا نحو المعسكر الشرقي على حساب تقليل رصيدها في حلف الناتو.

ومن جهة أخرى فإن الحفاظ على العلاقات المشتركة بين البلدين ستعزز الفرص المشتركة في تسوية النزاع السوري، ويبدو أن إرضاء موسكو لمخاوف أنقرة ومراعاة متطلباتها تحققت بتكتيك روسي مدروس دون أن يمس ذلك بالثوابت الروسية تجاه سورية، وقد تم ذلك من خلال سعي موسكو فصل تركيا صلتها بشكل تدريجي عن المعارضة السورية، وترك الأخيرة لمصيرها المحتوم. ومن الممكن استشراف الغايات الكلية التي ترمي موسكو الوصول لها من المسألة السورية وفق الآتي:

_ التوصل لتسوية سياسية تسمح لها ضمان الحفاظ على مثلث قواعدها العسكرية في سورية ( جورين- حميميم – طرطوس).

_ جعل سورية قاعدة روسية صلبة تأمن قناة اتصال بحرية لقواعدها في أقصى غرب سورية مع فرقاطات متنقلة خارج طوق البحر الأسود.

_توسيع العمق الإسرائيلي الدفاعي وتأمينه من مرتفعات الجليل وحتى مثلث الشمال في جسور الشغور السوري.

_ بسط السيطرة على عمق شرق الفرات السوري لمنع وقطع الطريق على جعله منصة تهديد جديدة تجاه فلسطين والعراق والخليج العربي.

 

الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر برق للسياسات والاستشارات

جميع الحقوق محفوظة لدى برق للسياسات والاستشارات © 2019 

[1] http://bit.ly/2pLAvcv

الشرق الأوسط ترامب يطلب البدء بـ «انسحاب مدروس» من سوريا، ن- بـ 14- أكتوبر/ تشرين الأول 2019.

[2] http://bit.ly/32KdkO1

فرنس 24 ترامب يأمر بسحب القوات الأمريكية من سوريا بعد تحقيق هدف “هزيمة” تنظيم “الدولة الإسلامية”، ن- بـ 19- ديسمبر/ كانون الأول 2019.

[3] http://bit.ly/2N8p8mR

برق للسياسات والاستشارات، خارطة الطريق الأمريكية التركية حول منبج، ن- بـ 16 يوليو/ تموز 2018.

[4] http://bit.ly/2pV0FJB

الجزيرة، منظومة إس 400.. هكذا يحاول بوتين زعزعة موازين القوى في العالم، 22- أكتوبر/ تشرين الأول  2018.

[5] http://bit.ly/2JkHu33

الأناضول، نبع السلام” التركية.. خطوات دبلوماسية تسبق العملية العسكرية، ن- بـ 10- أكتوبر/ تشرين الأول 2019.

[6] http://bit.ly/33VjJGk

الشرق الأوسط، بوتين يدعو أردوغان إلى «تقييم دقيق» لتداعيات العملية العسكرية، ن- بـ 10- أكتوبر/ تشرين الأول 2019.

[7] http://bit.ly/31Gzpfm

المرصد الاستراتيجي السوري، كواليس العملية التركية وتداعياتها، ن- بـ 22- أكتوبر/ تشرين الأول 2019.

[8] http://bit.ly/33UUjst

المدن، على ماذا اتفقت “قسد” والنظام، ن- بـ 14- أكتوبر/ تشرين الأول 2019.

[9] http://bit.ly/2PeZK1w

الجزيرة، بوتين يطالب بتحرير سوريا من القوات الأجنبية وإيران تعرض الوساطة بين تركيا والأكراد والنظام، ن- بـ 12 أكتوبر/ تشرين الأول 2019.

[10] http://bit.ly/2p7pGkV

عنب بلدي، اتفاق أمريكي- تركي على وقف إطلاق النار شمال شرقي سوريا، ن- بـ 17- أكتوبر/ تشرين الأول 2019.

[11] http://bit.ly/2W8eH6I

الجزيرة، أردوغان لا خلاف مع موسكو وواشنطن بشأن عين العرب ومنبج، ن- بـ 14- 10، 2019.

[12] http://bit.ly/31ILvnW

العربي الجديد، النظام يستغل الأوضاع ويفتح جبهة في ريف إدلب، ن- بـ 15- أكتوبر 2019.

[13] http://bit.ly/2JphEdZ

الأيام السورية، تطورات الموقف الروسي من عملية ” نبع السلام التركية، ن- بـ، 18- أكتوبر/ تشرين الأول 2019.

[14] http://bit.ly/2olEz2L

الأناضول، نص الإعلان التركي الروسي المشترك عقب قمة أردوغان – بوتين(وثيقة)، ن- بـ 22- أكتوبر/ تشرين الأول 2019.

[15] http://bit.ly/2JjB0B8

روسيا تدعم إدخال تعديلات على اتفاقية أضنة الخاصة بالحدود السورية، ن- بـ 21- 10- 2019.

[16] http://bit.ly/2MLJLpX

قسد مستعدة للانضمام لقوات الجيش السوري، ن- بـ 24- أكتوبر/ تشرين الأول 2019.

[17] https://bbc.in/343cxYY

BBC دونالد ترامب: سوريا ضاعت ولم يبق فيها إلا الرمال والموت، ن- بـ 3- يناير/ كانون الثاني 2018.

[18] http://bit.ly/2pZBSo4

عتب بلدي، رتل أمريكي يدخل شرقي سورية قادماً من العراق، ن- بـ 26- أكتوبر/ تشرين الأول 2019.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الرجاء الانتظار ..

النشرة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقى على اطلاع بأحدث الأخبار و الفعاليات
إغلاق
إغلاق