
موجز سياسي – إقليم بلاد الشام – صراع المركزية والانفصال
تشهد المنطقة تداخلات معقدة في الملفات السياسية والأمنية، حيث تؤثر التطورات الجارية في ساحةٍ ما على باقي الساحات بشكل تبادلي. يرصد هذا التقرير أبرز التطورات في الملفات السورية واللبنانية والفلسطينية والأردنية، مع تحليل للتشابكات والتداعيات المحتملة، في فترة زمنية حساسة تشهد مفاوضات متعثرة وصراعات متجددة لا جديدة.
ملف مليشيا قسد:
بتقييم المشهد في سوريا، يُبرز ترحيل ملف مليشياقسد إلى عام جديد عنوانًا للفشل في الوصول إلى تسوية نهائية، ولعل اشتعال الحرب من جديد بين الدولة والمليشيات في حلب هو من قبيل تنفيس الإحباط الناتج عن الفشل، أو من سعي كل طرف إلى الضغط على غريمه عسكريًا من أجل إقرار الواقع الذي يريده على الأرض.
رغم وجود بروتوكولات فنية كان من المفترض أن تنتهي بنهاية عام 2025، فإن التمعن في كواليس الاتفاق المبرم بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد مليشياقسد مظلوم عبدي يكشف عن فجوة عميقة بين الجوانب الفنية والممارسات السياسية على الأرض، حيث يظهر بوضوح أن التيار المتشدد داخل المليشيا، الذي يتأثر بقيادات كردية مرتبطة بالعمق التركي، لا ينظر إلى الاتفاق باعتباره مسارًا للاندماج في الدولة السورية، بل مناورة استراتيجية لكسب الوقت. الهدف النهائي لهذا التيار هو شرعنة سيناريو “الحكم المناطقي اللامركزي” الذي يتجاوز مفهوم الإدارة المحلية البسيطة ليصل إلى استقلال ثقافي وأمني واقتصادي شبه كامل، وهو نموذج تحاول مليشيا قسد تعميمه ليس فقط في شرق الفرات، بل في مناطق الأقليات السورية الأخرى مثل الساحل والسويداء.
وما يعزز هذا الاستنتاج؛ هو التطابق الصارخ بين ورقة المطالب التي قدمتها مليشيا قسد والوثيقة السياسية الصادرة عن المجلس العسكري في السويداء بقيادة حكمت الهجري، والتي حظيّت بتأييد قيادات دينية علوية، مما يشير إلى وجود حراك عابر للمناطق يهدف إلى تفكيك مركزية الدولة السورية لصالح ألوية عسكرية محلية مستقلة تدير شؤونها الأمنية ذاتيًا مع قبول رمزي بوجود قوات مركزية على الحدود فقط.
هذا الحراك الانفصالي أو “اللامركزي” لا يتحرك في فراغ، بل يستند إلى رهانات دولية وإقليمية معقدة؛ فمليشيا قسد تراهن على الموازنة المالية الأمريكية المخصصة لدعمها حتى نهاية عام 2026، وعلى تقاطع المصالح مع إسرائيل التي بدأت تظهر دعمًا علنيًا لهذه التوجهات في ظل تصاعد التهديد المتبادل بين تل أبيب وأنقرة.
إن التحرك الإسرائيلي لتوثيق التحالفات مع أثينا ونيقوسيا والاعتراف بـ “صوماليلاند” لاستفزاز الحليف الصومالي لتركيا، يعزز من قناعة مليشيا قسد بأنها باتت ورقة ضغط إقليمية رابحة لمصلحة إسرائيل ضد تركيا، وهو ما يفسر عدم اكتراثها بتهديدات أنقرة العسكرية، مراهنةً على هشاشة الوضع الداخلي التركي وتخوف الحكومة التركية من انهيار مسار السلام مع حزب العمال الكردستاني. وفي ظل هذا المشهد، تبرز أبو ظبي لاعبًا ماليًا وسياسيًا محتملًا لدعم الأقليات في سوريا، في إطار تكتيك “بعثرة الأوراق” لمواجهة النفوذ التركي في ملفات إقليمية أخرى مثل اليمن، وهو ما قد يدفع باريس أيضًا لتوسيع دورها الدبلوماسي والأمني في سوريا لموازنة الدور التركي ليس في الشام فحسب، بل في المتوسط والساحل الأفريقي.
ماذا تريد واشنطن من اللقاءات السورية الإسرائيلية؟
وعلى الجبهة الجنوبية السورية، تظهر الرغبة الأمريكية في إبرام اتفاق أمني بين دمشق وتل أبيب على أنه أحد أبرز ملامح السياسة الخارجية لإدارة ترامب في عام 2026. واشنطن لم تعد تنظر إلى الحكومة السورية على أنها خصم مطلق، بل شريك ضروري في تحجيم النفوذ الإيراني وقطع خطوط إمداد حزب الله، وصولًا إلى دمجها التدريجي في الكتلة الغربية رغم علاقاتها مع موسكو.
ومع ذلك، يظل التباين قائمًا بين المقاربة الأمريكية التي تسعى لضبط توازن القوى العالمي ضد بكين وطهران، والمقاربة الإسرائيلية التي تحركها هواجس الأمن القومي المباشر والخوف من أي استقرار سوري مؤسسي أو تمدد تركي في الطوق القريب. إن الموافقة الأمريكية على تمديد مهمة قوات “الأندوف” تندرج في هذا السياق، على أنها رسالة طمأنة لدمشق وتل أبيب بأن مسار الاتفاق الأمني لا يزال قائمًا، رغم إصرار إسرائيل على شروط قاسية تتضمن إنشاء منطقة آمنة في جبل الشيخ، ومنع أي نفوذ تركي في الجنوب، وتصفير أي فكر معادٍ لها داخل الجيش السوري. وفي المقابل، تبرز موسكو وسيطًا فنيًا في باكو لمحاولة تقريب وجهات النظر، بالتزامن مع سعي دمشق لتعجيل اتفاقات الحكم المناطقي في الساحل بدعم روسي، لمواجهة محاولات زعزعة الاستقرار الداخلي عبر خلايا داعش أو الجماعات التي تذكي الصراع الطائفي في حمص والساحل.
تل أبيب و”الحزب”:
انتقالًا إلى الملف اللبناني، يسيطر الانسداد التام على مشهد سلاح حزب الله والانسحاب الإسرائيلي، ورغم المهلة الحكومية اللبنانية التي انتهت بنهاية عام 2025 لتسليم السلاح مقابل دعم مالي أمريكي، إلا أن هذا المسار ظل حبرًا على ورق. إسرائيل، التي تعيش تحت وطأة “العقدة الأمنية الحادة” منذ أحداث 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، لم تعد تؤمن بـ “السلام الاقتصادي” أو الضمانات الدولية، بل تتبنى استراتيجية “الردع العقابي” والحلول الصفرية لإنهاء وجود حزب الله وقوته العسكرية. ورغم انسحاب الحزب فعليًا إلى شمال الليطاني، إلا أن الخروقات الإسرائيلية اليومية وبناء الجدران الأمنية في المناطق المحتلة حديثًا يشير إلى غياب النية للانسحاب.
وفي ظل عجز الجيش اللبناني عن حسم ملف السلاح منفردًا، تبرز محاولات دولية تقودها فرنسا لرفع قدرات الجيش العسكرية، لكنها تصطدم بانحياز واشنطن للمطالب الإسرائيلية، ووجود نفوذ سياسي قوي للحزب وحلفائه داخل مؤسسات الدولة اللبنانية، مما يبقي لبنان في حلقة مفرغة من التصعيد العسكري والجمود الدبلوماسي، خاصة مع عودة الدعم الإيراني القوي للحزب ومحاولات السعودية ومصر إيجاد مخرج إقليمي لا يزال يصطدم بتعنت الأطراف الميدانية.
تعويق منظمات العمل الإنساني في فلسطين:
أما في فلسطين، فإن إسرائيل تمضي في تحويل الأراضي المحتلة إلى “جغرافيا أمنية” بامتياز، إذ ألغت تراخيص المنظمات الإنسانية، وفرضت وصاية أمنية كاملة على العاملين فيها، في خطوة تهدف لتصفية أي سيادة للسلطة الفلسطينية، وتشجيع الهجرة الطوعية عبر تضييق الخناق المعيشي.
وبالنسبة لقطاع غزة، تظهر المقاربة الأمريكية لـ “المرحلة الثانية” من الاتفاق في صورة عملية تجميلية للمطالب الإسرائيلية؛ ففتح معبر رفح يظل مشروطًا بنزع سلاح حماس وتسليم جثمان الأسير الأخير، في حين يبارك ترامب العودة للعمل العسكري في حال عدم الامتثال. إن الإصرار على بقاء إسرائيل وراء “الخط الأصفر” في غزة، والبدء بإعادة الإعمار في مناطق السيطرة الإسرائيلية فقط، مع محاولة إشراك قوات دولية تدير الأمر من العريش المصرية، يؤكد أن واشنطن وتل أبيب تتبنيان رؤية أمنية مشتركة تهدف لتفكيك البنية العسكرية لحماس مع الحفاظ على سيطرة ميدانية طويلة الأمد تحت غطاء مدني دولي.
“أمننة” الجنوب السوري:
وفي خضم هذا، يبرز الدور الأردني على أنه أحد أكثر الأدوار ديناميكية؛ إذ تتبنى عمّان استراتيجية “أمننة” الجنوب السوري لمواجهة خطر المخدرات الذي تراه تهديدًا وجوديًا. الغارات الجوية الأردنية في السويداء والمشاركة في استهداف داعش تعكس رغبة عمّان في فرض نفسها شريكًا أمنيًا لا غنى عنه لواشنطن، مع محاولة موازنة الضغوط الإسرائيلية في الجنوب السوري عبر مقترحات لإنشاء غرف تنسيق مشتركة.
ولا يقتصر الدور الأردني على الأمن، بل يمتد للاقتصاد اللوجستي، حيث تبرز زيارة رئيس الوزراء الهندي مودي لعمّان ومسقط على أنها إشارة قوية إلى رغبة نيودلهي في الاندماج في “خط تركيا-عُمان” المار عبر سوريا والأردن، كبديل أو مكمل لخطوط التجارة الدولية الأخرى.
إن الجغرافيا الأردنية تتحول في عام 2026 إلى عنصر تكميلي حيوي لأي خط لوجستي يربط آسيا الوسطى بالخليج وأوروبا، مما يجعل من استقرار الجنوب السوري مصلحة دولية تتجاوز الحسابات الأمنية الضيقة إلى آفاق الاستثمار في البنية التحتية والاتصالات.
***
تظهر خريطة التطورات في منطقة الشام تشابكًا عميقًا بين الملفات؛ فالمماطلة في حل أزمة مليشيا قسد تتغذى على التنافس التركي-الإسرائيلي والخلافات الخليجية، وتعثر حل أزمة سلاح حزب الله مرتبط بالعقلية الأمنية الصفرية لإسرائيل بعد 7 أكتوبر، وتظهر السياسة الأمريكية في كل هذا محاولةً للتوفيق بين الأطراف المختلفة بدون رعاية التناقضات القائمة، بل بمعالجة ما يبرز من هذه التناقضات بالآلة العسكرية فقط.
جميع الحقوق محفوظة لدى برق للسياسات والاستشارات©2026


