الاصداراتمقالات

القنابل الموقوتة.. أطفال عاشوا في ظل داعش

على أهميّة الأمن الاجتماعي كَـ نواة لِـ فهم وتحليل ملفات الإرهاب، والتطرفّ الفكري والسلوكي، يقدّم برق الاستشاري، بِـ التعاون مع الكاتب أحمد طلب الناصر، هذه المادة الاستقصائيّة عن عمليات التأطير الفكري، والتنفيذ السلوكي لِـ عمليات تجنيد الأطفال التي قام بها تنظيم الدولة في البيئات المُسيطَر عليها مِن قبلِه.

منذ بداية سيطرته على المناطق المحررة من النظام وتمركزه فيها، قام تنظيم الدولة الإسلامية- داعش بإغلاق المدارس الميدانية التي استمرت بعملها في ظل تواجد فصائل الجيش الحر رغم القصف الذي استهدفها.

وبعد أن استتبت له الأمور في الرقة ثم ديرالزور قام بإنشاء مراكزه “الدعوية” على هيئة مدارس بعد أن عطّل العمل بمعظم المواد الدراسية وخاصة التاريخ والتربية الدينية والمواد النظرية الأخرى، ليتم اختيار معلمين موثوقين لتدريس المواد الشرعية التي تطغى على باقي المواد، ومن ثم إجراء دورات تأهيل خاصة رشحتهم لاحقاً للتدريس في مراكز تعليم التنظيم وحسب المناهج التي خصصها كبدائل للمنهاج القديم، مع العلم أن المنهاج السوري القديم كان قد طرأ عليه تعديلات وتنقيحات ليتماشى مع واقع الثورة السورية ضد نظام الأسد الذي صبغ المناهج الدراسية بصبغته “البعثية” طيلة أكثر من أربعين عام.

-طرائق التدريس في “أرض الخلافة”:

العلوم الشرعية والفقهية تعتبر المواد الرئيسة في تعليم الأطفال إضافة إلى اللغة العربية، فكما هو معروف أن جزءاً من تركيبة التنظيم الديموغرافية هم من أبناء الغرباء الأجانب الذين دخلوا الأراضي السورية برفقة أسرهم، وسنمرّ على ذكر أهم جنسياتهم خلال هذا التقرير.

غالباً ما كان يشرف على تعليم تلك المواد من “الشرعيين” العرب القادمين من المغرب والخليج العربيين إضافة إلى المعلمين الاختصاصيين السوريين الذين اضطروا للبقاء بمدنهم وبلداتهم وبايعوا التنظيم ليحظوا بفرصة العمل في مؤسساته التعليمية وغيرها، يشبهون بذلك نظام البعث الذي كان يشترط الانتساب لحزبه لقاء الحصول على والظائف الحكومية.

يتعلّم الأطفال قراءة وتلاوة القرآن، والحديث، والسيرة النبوية، وبعض مؤلفات ابن تيمية، وخاصة المتعلّقة بفتاوى ومسائل “الجهاد” وأحكام القصاص ضمن تفاسير تبتعد بمجملها عن عناصر التوبة والاستتابة التي ذكرتها آيات القرآن والأحاديث وعلوم ابن تيمية، يراد من ذلك تنشئة الطفل على قاعدة حربية قتالية بحتة حتى ضمن الحالة المدنية المعاشة التي تتطلب وتستوجب أحكاماً مغايرة لأحكام الحروب و”الجهاد”.

أما المواد الأخرى كالتاريخ مثلاً، فيتم من خلاله تدريس الأطفال كتب “السيِر والمغازي” المتعلقة بسيرة الرسول والتركيز على غزواته وحروبه إضافة إلى معارك الخلفاء الراشدين التي بدأها الخليفة أبو بكر الصديق المسماة تاريخياً بـ “حروب الردة” التي يعتمدها التنظيم كمنطلق أساسي في حروبه ضد الفصائل الثورية السورية وعناصرها المدنيين على اعتبارهم “مرتدين” يجوز قتالهم وقتلهم، رغم أن سبب محاربة أبي بكر للمرتدين كان بسبب إحجام القبائل المرتدة عن أداء فريضة الزكاة بعد وفاة الرسول وليس لسبب آخر. يضاف إلى ذلك تدريس تاريخ معارك الفتوح الإسلامية التي اتسعت أثناء خلافة عمر بن الخطاب والتي قضت على التواجد الفارسي في العراق، والبيزنطي في الشام وشمال أفريقيا وصولاً إلى فتوحات الأمويين في الأندلس. ممّا يعمّق بداخل الطفل المتعلّم شعور الكراهية ضد أوروبا “الصليبية” وحلفائها من الحكومات العربية والدول الإقليمية وأهمها تركيا.

وتأتي مادة الجغرافية متممة لعلم التاريخ، حيث تعتمد خارطة التنظيم على المسميات التاريخية المعاصرة للفتوحات الإسلامية، فنجد ولاية الشام وولاية العراق والجزيرة العربية ومصر والمغرب العربي، وخراسان “إيران وما حولها”، وأرض الروم “أوروبا”.

في الدرجة الثانية يأتي تدريس المواد العلمية من رياضيات وفيزياء وكيمياء وعلوم طبيعية، وهي لا تختلف كثيراً عمّا يدرّس في معظم مدارس المدن الأخرى والدول المحيطة. إلا أن مادة الكيمياء تركّز جيداً على تعليم الطلاب الذكور التراكيب والتفاعلات والتداخلات الكيمائية التي من شأنها تمكينهم على صناعة المواد المتفجرة المستخدمة في المفخخات والأحزمة الناسفة والعبوات المتفجرة التي يعتمدها التنظيم بشكل رئيسي في حروبه ضد الجميع.

-دورُ إعلامِ وإصداراتِ التنظيم:

اعتمد تنظيم الدولة بالدرجة الأولى على المنشورات والمطويات الورقية التي يقوم بطباعتها وتوزيعها على المراكز الدعوية التعليمية التي تتبع لـ “ديوان الدعوة” والذي تتبع له أيضاً “النقاط الإعلامية” المسؤولة عن نشر الأخبار ومراقبتها ورقياً وإلكترونياً، كما وقامت بوظيفة استقطاب الأطفال للالتحاق بالمراكز التعليمية والمعسكرات “الجهادية” في أراضي الدولة.

انتشرت تلك النقاط في جميع مدن وبلدات سيطرة التنظيم في الأماكن النشطة والمكتظة عادة كالأسواق وقرب المساجد.

 في مدينة ديرالزور مثلاً كانت توجد نقطة إعلامية واحدة، وواحدة في بلدة حطلة القريبة من المدينة، وأكثر من ثلاث نقاط في الميادين، ونقطتان في البوكمال ومثلها في البصيرة، وأكثرها عدداً وأهمية تقع في مدينة الرقة التي اعتبرها التنظيم عاصمته في “ولاية الشام”.

 وكما ذكرنا، فإن تلك النقاط الإعلامية لها التأثير المباشر، وخاصة على الأطفال من خلال عرض الإصدارات التي تثير اهتماماتهم، وبالتالي تدفعهم للالتحاق بصفوف التنظيم و غالباً ما يكون ذلك خارج إرادة ذويهم.

أما القسم الآخر من الأطفال فالتحق بسبب ظروف عائلية كالخلافات أو الأحوال المالية أو تقليد لأقرانهم الذين انخرطوا في صفوف التنظيم وحصلوا على ميزات مادية وسلطوية أياً كان حجمهما. وكذلك قام الإعلام باستغلال تلك النقاط، لإقناع هذا القسم بأن خيارهم هو خيار الحق، أما البقية فهم على باطل.

 ومن هنا برزت أهمية دور الإعلام الجلي في مجمل مرافق تنظيم الدولة، بل وأضحت شخصية الناطق الإعلامي للتنظيم تحل في المرتبة الثانية من ناحية الأهمية والهيبة بعد شخصية “الخليفة البغدادي”.. في البدء كانت شخصية “العدناني” وبعد مقتله انتقلت إلى “أبو الحسن المهاجر” المغاربي الأصل.
وكما كانت حال الإعلام وأهميته داخل أراضي سيطرة التنظيم، كذلك كان الحال خارجها. فالمواقع والصفحات الإلكترونية التي أدارها وأشرف عليها العديد من “الدعويين” كان لها، وما زال، الدور الأساسي في تجنيد العديد من الأطفال من خارج أراضي الدولة ومن الدول المحيطة، فمن خلال بثّها لتعاليم الدين والأناشيد الدينية الجهادية الحماسية المرفقة بالمشاهد ذات الإخراج العالي في الأداء والتصوير لمعارك التنظيم “الممنتجة” بالإضافة إلى محاكاة مشاعر الأطفال السوريين المهجّرين خارج وطنهم من خلال طروحات مآثر الجهاد والشهادة دفاعاً عن منازلهم المدمّرة وأرضهم التي احتلها الغزاة والتي تتعرض للقصف والغزو “الصليبي الكافر”، أو الثأر لمقتل آبائهم أو أحد أفراد أسرهم وأصدقائهم بفعل قصف عصابة النظام وحلفائه.. من خلال كل ذلك استطاع إعلام التنظيم استقدام العديد من الأطفال من دول اللجوء المحيطة بحدود أراضي التنظيم، وخاصة السوريين المتواجدين في تركيا، حيث شهدت العديد من الأسر اللاجئة في المخيمات والمدن الحدودية اختفاء أبنائهم ليفاجؤوا لاحقاً بالتحاقهم بمعسكرات التنظيم داخل الأراضي السورية.

التحق الأطفال، بعد لعب دور الإعلام بالسيطرة على عقولهم، بالدورات الشرعية كباقي الراغبين بالبيعة من البالغين وبنفس الطريقة من خلال التسجيل في “ديوان الجند”، في الميادين مثلاً بالنسبة لـ “ولاية الخير” ديرالزور، ثم أعطي لهم تواريخ للالتحاق بالدورات الشرعية لتهيئتهم نفسياً وفكرياً للخطوات اللاحقة..

-الأطفال.. العمود الفقري لمعسكرات تجنيد “دولة الخلافة”:

“أشبال دولة الخلافة” التسمية التي أطلقها تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام على الأطفال الذين تم زجّهم في معسكرات التدريب العسكرية في مناطق سيطرته.

تراوحت أعمار أولئك الأطفال بين سن الثامنة والخامسة عشر من العمر، ومعظمهم من أبناء المقاتلين ضمن صفوف التنظيم من الداخل “الأنصار” والقادمين من خارج حدود الدولة “المهاجرين” أما البقية فهم من أبناء أسر المدن المغلوب على أمرهم ضمن سيطرة التنظيم.

خضع “الأشبال” في معسكراتهم لبرامج تدريبة عدّة تتطابق في مجملها مع برامج المقاتلين البالغين ابتداءً من التدريب الجسدي الشاق وانتهاءً بدروس التكتيك العسكري النظرية والعملية مع استخدام الأسلحة الحيّة وكامل العتاد العسكري، يتخلل تلك التدريبات دروس في الفقه والشريعة والتوجيه النفسي والمعنوي للحضّ على قتال “الكفّار والصليبيين والفرق المرتدة” حسب مفهوم ورؤية التنظيم لجميع من يحيط بدولته.

-الأطفال المجنّدون.. أصولهم وتصنيفهم:

المجندون كانت تعود أصولهم إلى الدول المنفصلة عن الاتحاد السوفييتي بعيد تفككه والمتاخمة لدولة روسيا الاتحادية الآن، كالشيشان وتركمانستان وقيرغيزستان وأوزبكستان. يضاف إليهم دول المغرب العربي والخليج العربي، ودول أوروبا الغربية. وهذا الفريق حظي باهتمام خاص من المدربين الذين هم أصلاً من أبناء تلك الدول إلا ما ندر.

من خلال تتبّع سير تدريبهم، يبدو أن التنظيم هيّئهم لتسلّم المهام “الجهادية” القيادية نظراً لقدرتهم الزائدة على تحمّل التدريبات واستعدادهم المسبق لتلقي كافة التعليمات والأوامر نظراً للتربية المنزلية التي نشأوا عليها منذ ما قبل “هجرتهم” إلى “أرض الخلافة” من قبل آبائهم الذين شارك معظمهم في حروب “جهادية” سابقة في أفغانستان والبوسنة والشيشان والعراق..

أما أطفال المناطق التي سيطر عليها التنظيم من أبناء مدن الرقة وديرالزور، فقد شكّلوا الفريق الأوسع عدداً والأقل اهتماماً والأكثر اعتماداً في التجنيد الإحصائي لزجّهم مستقبلاً في الخطوط الأمامية للاشتباكات أو قيادة المفخخات والعمليات التفجيرية الأخرى.

-العسكرة والتدريب:

أول عملية كانت تقوم بها قيادة المعسكر هي فرز الأطفال حسب الاختصاصات التي كانوا يرغبون بها، وأهمها على الإطلاق اختصاص “الاستشهاديين” بواسطة المفخخات والأحزمة الناسفة،  ثم “الانغماسيين” ثم تتبعها باقي الاختصاصات. والجدير بالذكر أن معظم العمليات “الاستشهادية” يقوم بها أولئك الأطفال وليس البالغين كما يُشاع عند البعض!

والحال، كما كل القطع العسكرية المتعارف عليها، تم تدريب المجندين الأطفال منذ الصباح الباكر (بعد صلاة الفجر بمسجد المعسكر ثم تلاوة القرآن) لتبدأ التمارين الرياضية الصباحية ووجبة الإفطار الجماعي.

بعد ذلك كانت تبدأ التدريبات العسكرية الاختصاصية، نظرياً وعملياً، باللباس والعتاد العسكري الكامل، وأهم تلك الدروس هو درس التكتيك العسكري، بشقّيه النظري والعملي، الذي أشرف على شرحه في جميع المعسكرات عناصر التنظيم من أصحاب التجارب العسكرية السابقة، ومعظمهم كما أسلفنا من الغرباء الذين يتقنون اللغة العربية. وعلى وجه الخصوص الشيشانيين. وغالباً ما كان يُدرّس في التكتيك كل ما يتعلّق بحروب المدن واقتحام التجمعات والمباني وزرع المفخخات والألغام والعبوات المتفجرة.

أما التدرّب على الأسلحة الفردية الخفيفة، كالمسدس والرشاش الآلي، فيأتي في مقدمة المهام. حيث تمكن الطفل، وخلال وقت قياسي، من فك وتركيب وتنظيف السلاح، إضافة إلى استخدامه. والاستخدام عادة ما كان يتم بالتعامل مع مجسمات حيّة، ونقصد ضد الأفراد الذين أسرهم التنظيم أو وقع عليهم حكم القصاص لأسباب تراوحت بين الكتابة عن أحوال العباد تحت حكم التنظيم والتخابر مع الأعداء ضده. حيث كان يتم تقييد أيديهم وإطلاقهم ضمن أبنية خاصة للتدريب ثم يُعطى أمر اقتحام المبنى للأطفال المسلحين، بمسدسات غالباً، والقضاء على “الأعداء” المتمترسين بداخله.

وهنا أيضاً كان يأتي دور الإعلام الحربي للتنظيم ليرصد تلك العمليات بالكامل من خلال “كاميرات” مزروعة وموزّعة داخل غرف المبنى، منذ بدء الهجوم حتى لحظة القضاء على “الأعداء” العزّل، ومن ثم تحميله وبثّه على صفحات ومواقع التنظيم و”اليوتيوب” لاستخدامه كوسيلة إرهاب ضد “أعدائه” والمقصود بهم العالم بأسره.

-ممارسات “دولة الخلافة” تدفع السوريين للهروب من أرض “الخلافة”:

لاحقاً، ضاق ذرع السوريين من تصرفات وممارسات التنظيم التي بدأت تتضح يوماً بعد يوم، وخاصة حين بدؤوا يستشعرون الخطر المحدق بمستقبل أبنائهم الذين حرموا من أدنى متطلبات الحياة الآمنة كأطفال لهم حقوقهم في التعلّم واللعب واكتساب الثقافة والمعرفة، ما دفعهم للمخاطرة والهروب إلى خارج أراضي سيطرة التنظيم، ومنهم من استطاع الخلاص بأطفاله بعد أن تم تجنيدهم داخل المعسكرات، فاستغنوا عن منازلهم وأملاكهم وأموالهم ولاذوا بالفرار رغم إدراكهم المسبق بأنهم ربما سيلاقون حتوفهم بمجرد اكتشافهم أو تخطيهم لحدود التنظيم أو الدول المجاورة كما حصل مع العديد من الأسر على يد “الجندرمة” التركية التي تتخوف من تسلل عناصر للتنظيم إلى داخل أراضيها.

استطاع قسم لا بأس به من العوائل النزوح مع أطفالهم إلى ريفي حلب الغربي وإدلب، ولا يزال العديد من أولئك الأطفال يعانون من تبعات وانعكاسات ممارسات التنظيم التي جئنا على ذكرها على الرغم من التحاق عدد منهم بالمدارس الموزعة في تلك الأرياف. وسيبقى جزء يسير منهم عبارة عن قنابل موقوتة تتفجر في أي لحظة مستقبلية إذا لم تتم معالجة آثار تلك الممارسات التي نُقشت في أدمغتهم في ظل ذلك التنظيم المعقّد.

-إشارة لا بد منها:

يبدو أن مشرفي التنظيم، بنشاطهم التدريبي والتعليمي الذي مارسوه على الأطفال، كانوا من المطّلعين على النظريات والقواعد التربوية التي لا تخلو كتب “المنطق” و”التربية” و”علم النفس” و”الأخلاق” من الإشارة إليها. لكنهم جيّروها لخدمة “عقيدتهم” التكفيرية الإلغائية، ومن ثمّ قاموا بزراعتها داخل عقول أولئك الأطفال الذين جنّدوهم.

المفكّر والفيلسوف الإنكليزي “جون لوك”، صاحب المقولة الشهيرة “العقل صفحة بيضاء”، وعلى الأخص في مرحلة الطفولة، في تصوره لنظرية “المعرفة”، يعتبر أن مصدر المعرفة والأفكار ليس العقل وإنما التجربة التي نحتك معها عن طريق الحواس ذلك أن العقل يتلقى إحساسات من الخارج من التجربة أو الواقع وتتحول هذه الانطباعات والأحاسيس إلى أفكار في العقل وهي التي يتشكل أساس اشتغال الذهن وأساس العمليات الفكرية التي يقوم العقل فقط بالربط بينها واستنتاج القواعد والمبادئ منها.

ولا شك بأن التنظيم عمل بجدّ على تطبيق هذه النظرية في معرض نشر تعاليمه وتدريباته في الوسط الطفولي، حرصاً منه على الاقتناع بها وتجذّرها في العقل المعرفي عند الطفل، وبالتالي استمراريتها.. وهنا مكمن الخطورة. فانهيار التنظيم لا يعني بالضرورة انتهاء ما زرعه في عقول الأطفال أو مسحه ببساطة.

وأيضاً، يرى “لوك” والكثير من المفكرين، أن التربية تهتم أيضاً بالأجسام وقوتها، إذ ليست التربية قاصرة على تربية العقول بقدر ما هي ترمي إلى تربية الأجسام ومحاولة تعلم الأطفال تحمل الصعاب والمثابرة على العمل.

وهذا بالضبط ما رمى إليه التنظيم في صقله للمهارات الجسدية الفردية والجماعية، من خلال مزج عقيدة “الجهاد” بالتدريب الجسدي ليتمكّن من خلالهم محاربة أعداء “دولة الخلافة” والتغلّب عليهم، وتصفيتهم.

-ختاماً، ماذا يجب؟

للتمكن من سحب “صواعق” تلك القنابل الموقوتة اليوم، لزاماً علينا تناول الأسباب التي أدّت لصناعتها كخطوة أولى، ومنها ما قد مررنا عليه، لذا تأتي الخطوة الثانية متمثلةً في نشر ثقافة تربوية عند عائلات الأطفال الذين نشؤوا في ظل التنظيم، إضافة إلى المربين والمعلمين المشرفين عليهم في مدن الداخل ودول الجوار التي نزحوا إليها، وتكمن تلك الثقافة التربوية في تخصيص مناهج موجّهة تُعنى بِـ الدعم النفسي لِـ شريحة الأطفال القادمين من مناطق سيطرة التنظيم أو الذين ما زالوا يقيمون فيها بعد انسحاب الأخير. ولأن ثقافة التطرف والعنف التي اكتسبها الأطفال من التنظيم كانت تستند بمعظمها على الفقه الإسلامي الذي أخذ منه التنظيم ما يتماشى مع توجهه وثقافته الأصولية، فيجب أن تعمل المناهج على إظهار الشرح الصحيح للعقيدة الإسلامية التي تنمّي القيم الدينية الإنسانيّة، والمتمثّلة في غرس مبادئ الرفق، والإيثار، وروح التسامح، وذلك من خلال إعداد خطة تربوية لإرشاد الطلاب الأطفال من خلالها إلى السلوكيات الصحيحة، التي يجب اتبعاها داخل المدرسة وخارجها مع مراعاة المراقبة الجادة لسلوكهم. بالإضافة إلى استخدام الوسائل التعليمية التي تحاكي أعمارهم، وخاصة تلك المستخدمة في طرائق التعليم (المتمايز)، لصهرهم مع أقرانهم من أبناء المناطق الأخرى.

 على أن يكون المعيار لمدى التقدم النفسي والسلوكي هو جديّة ومدى التنسيق الكامل بين المؤسسات التعليمية وأسر الأطفال، للاطلاع على تطورات نشاطهم السلوكي.

كما يتوجّب توفير عدد من الاختصاصيين الاجتماعيين والنفسيين للكشف عن السلوك المتطرف الذي زرعه التنظيم لدى الأطفال، وعلاجه في وقتٍ مبكّر، وتوفير وسائل الأنشطة المختلفة؛ لإعطاء الأطفال الفرصة لممارسة هوايتهم داخل المدرسة، والتخلّص من رواسب الأنشطة التي زرعها التنظيم.

وبالإمكان أيضاً فتح باب الحوار والمناقشة بين أولئك الأطفال والمدرسين وإدارة المدرسة، من خلال عقد ندوات ومسابقات داخل المدرسة وخارجها، وإتاحة الفرصة لهم للتعبير عن آرائهم في جميع القضايا، مع مناقشة الآراء الخاطئة التي كان يتبناها التنظيم، بهدوء، وذكر الأدلة على خطأ هذه الآراء، حتى يتم إقناع الطلاب بالرأي الصواب.

وتعتبر وسائل الإعلام، بأشكالها وأنواعها، مسؤولة بالدرجة الأولى عن ترسيخ عقائد ومفاهيم تؤثر سلبا أو إيجابا على عقلية المتلقي وفكره وثقافته، فلابد من العناية بما يعرض على الشاشات أو غيرها من وسائل الإعلام بجميع أنواعها.. مع التركيز الشديد على إدانة التطرّف والعنف وسياسة أخذ الحقوق بالقوة باسم الدين دون الرجوع إلى القوانين والضوابط الموضوعة.

بالرغم من كل ذلك، تبقى الأسرة هي الحلقة الأقوى في معالجة المشكلة، فعلى الرغم من أنها كانت مرغمة في السابق على ترك ابنها مجنداً تحت ظل التنظيم، نتيجة الضغط والخوف، إلا أن باستطاعتها اليوم إنقاذه من خلال تعاونها مع المؤسسة التعليمية خارج المنزل، والعمل داخل المنزل على الاستقرار وتهيئة الجو المناسب لتنشئة أسرة صالحة، دينياً وفكرياً. فإذا ساد الحب والتفاهم والتعاون بين أفراد الأسرة، أدى ذلك إلى اجتناب حالات التطرف والعدائية، والحؤول دون عودة تعاليم التنظيم إلى عقل الطفل مرة ثانية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الرجاء الانتظار ..

النشرة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقى على اطلاع بأحدث الأخبار و الفعاليات
إغلاق
إغلاق