الاصداراتالنافذة السوريةتقدير موقفمتفرقاتمتفرقات 1

التدخل العسكري التركي في سورية، الأسباب والأهداف والتحديات

8741

ملخص:

يبدو التّدخل العسكري التركي الأخير في عملية “درع الفرات” خطوة اضطرارية متأخرة في وقتها قياساً إلى سرعة التطوّرات التي شهدها الشمال السوري على حدود تركيا الجنوبية، والتي تمثّل تهديداً حقيقياً غير مسبوق للأمن القومي التّركي، و يُقيّم هذا التّدخل على أنّه خطوة دفاعية استباقية لا بدّ منها لحماية وحدة وأمن البلاد على المدى البعيد، وذلك على الرّغم من وجود مخاطر وتحديات عديدة تحفُّ العملية، في المقابل، تمتلك أنقرة عوامل نجاح متميّز لعمليتها نظراً لوجود القبول الشعبي السوري، ووجود مصالح مشتركة واضحة وارتباط عضوي مع قوى المعارضة السورية ذات النفوذ الأكبر في الشمال السوري خاصّة، وذلك بعد أن حيّدت أنقرة أهمّ المعادين لهذا التّدخل على المستوى الدّولي والإقليمي.

أولاً -مقدمة:

مع حلول فجر الرابع والعشرين من آب من العام 2016، دخلت دبابات الجيش التركي إلى الأراضي السورية قرب مدينة جرابلس الحدودية، بهدف مساندة قوات مشتركة من مختلف فصائل المعارضة السورية في توغلها داخل الأراضي السورية انطلاقاً من الأراضي التركية ضدّ تنظيم الدولة، وذلك بعد أن استطاعت قوات المعارضة وبدعم من الطيران والمدفعية التركية طرد تنظيم الدّولة من بلدة الراعي الحدودية الاستراتيجية، والتي تعتبر ذات أهمية خاصة كونها المنطقة التي تتمّ من خلالها عمليات التهريب المختلفة لصالح تنظيم الدولة من وإلى تركيا.

 وخلال يوم واحد بعد التدخل التركي، نجحت قوات المعارضة السورية في السيطرة على مدينة جرابلس الحدودية الاستراتيجية بعد ورود الأنباء عن انسحاب مقاتلي تنظيم الدولة من المدينة دون إبداء مقاومة تذكر[1]، ترافق ذلك مع تصريحات أمريكية لنائب الرئيس الأمريكي “جو بايدين” ووزير خارجيته “جون كيري” بوجوب انسحاب وحدات حماية الشعب الكردية[2] من منطقة غرب الفرات التي بدأ فيها التّدخل التركي، جاء ردّ وحدات الحماية سريعاً عبر بيان لها يؤكّد على أنّهم كانوا قد انسحبوا مسبقاً منذ الخامس عشر من آب من منبج والمنطقة في غرب الفرات عموماً بعد تسليمها إلى مجلس منبج العسكري (الذي يعتبر حليفاً لوحدات الحماية وشريكاً لها في ما يسمى بقوات سورية الديمقراطية)، ورغم تصدير وسائل الإعلام لبيان “وحدات حماية الشعب” على أنّه إعلان عن الانسحاب استجابة للتصريحات الأمريكية والضغوط التركية[3]، إلا أنّ نصّ البيان يدلّ بوضوح على إنكار لأصل تواجدهم في المنطقة من خلال تأكيدهم على أنّهم انسحبوا مسبقاً دون حديث عن نية الانسحاب مجدداً، مع محاولة التّستر بغطاء “قوات سورية الديمقراطية”، على اعتبار أنّ جزءاً من هذه القوات، هم من أهل المنطقة، تزامن ذلك مع تقارير تتحدث عن انسحاب لبعض قوات “وحدات الحماية” باتّجاه منطقة شرق الفرات، في حين أكّدت تقارير أخرى على أنّ هذه التحركات مجرد مناورات لإظهار الاستجابة للضغوط الأمريكية، فيما تستمر هذه القوات في إشغال مواقعها السابقة غربي نهر الفرات بشكل عملي تحت غطاء قوات سورية الديمقراطية التي تسيطر عليها هذه الوحدات وتستثمر غطائها سياسياً.

لاحقاً، اشتبكت قوات المعارضة المدعومة من تركيا مع قوات سورية الديمقراطية اثناء توسعها في المنطقة جنوباً، وفي تطور نوعي وذي دلالة، قتل أول جندي تركي وجرح آخرون بعد استهداف دبّابات تركية من قوات سورية الديمقراطية[4]، ويُرجّح بحسب وسائل الإعلام التركية والموالية لوحدات الحماية[5] على حدّ سواء بأنّ مسلحي “وحدات الحماية” هم من قام باستهداف الدبابات التركية، الأمر الذي يؤكد على أنّ الحديث عن انسحاب لهذه القوات لم يكن إلا مجرد مناورة إعلامية، وفي ذات السياق، كان “صالح مسلم” زعيم حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي (PYD) قد توعّد تركيا بأنّها سوف تغرق في المستنقع السوري.

ردّت المدفعية والطائرات الحربية التركية بقصف مواقع “وحدات الحماية” قرب جرابلس، كما قصفت المدفعية والطائرات الحربية التركية مواقع هذه القوات في محيط مطار منغ وبلدة تل رفعت في ريف حلب الشمالي، في سابقة تعدّ الأولى من نوعها في استخدام سلاح الجو ضدّ مسلحي “وحدات الحماية” بعد حادثة إسقاط الطائرة الروسية في سورية.

لاحقاً، تمكنت قوات المعارضة السورية المدعومة من تركيا من التقدم سريعاً في موازاة الضفّة الغربية لنهر الفرات وباتّجاه مدينة منبج، لتغدو على بعد 15 كم من منبج التي تسيطر عليها قوات سورية الديمقراطية.

خارطة تظهر الوضع في 27 آب في منطقة غرب الفرات – المصدر: مركز عمران للدراسات.

ثانياً-الدوافع والأسباب:

لم تُخف أنقرة قلقها الشّديد من تدحرج كرة الثلج في الأزمة السورية، وكان هاجس تفكك سورية، وصعود القضية الكردية فيها حاضراً منذ بداية الأزمة، ولذلك حرصت أنقرة على استيفاء كلّ الفرص المتاحة للوصول إلى حلول توافقية مع نظام بشار الأسد. ولكنها وبعد الفشل في هذا الخيار، دعمت فصائل المعارضة السورية، وحرصت على دعم التّوافق بين المجلس الوطني السوري (كممثل للمعارضة) مع المجلس الوطني الكردي، والذي يُمثّل عدّة أحزاب كردية مدعومة من إقليم كردستان العراق ورئيسه مسعود برزاني، صديق وحليف أنقرة في مواجهة حزب العمّال الكردستاني (PKK) وفرعه السوري (حزب الاتحاد الديمقراطي PYD).

وبشكل مشابه لحالة انفصال المجلس الوطني السوري (والائتلاف الوطني فيما بعد) عن القوى على الأرض، ظلّ المجلس الوطني الكردي بدون جناح عسكري، ممّا هيأ الفرصة للجناح العسكري ل (PYD) – وهي وحدات حماية الشعب الكردي YPG -للسيطرة على المناطق ذات الغالبية الكردية في أجزاء من محافظة الحسكة، وكوباني وعفرين في محافظة حلب.

مع بداية العام 2013، حصلت صدامات بين بعض الكتائب الإسلامية و”وحدات حماية الشعب”، ومع شيوع التعميم في خطاب التخوين والتكفير عند بعض هذه الكتائب في تعاملها مع مجتمعات الأقلية الكردية، ازدادت شرعية وشعبية “وحدات حماية الشعب” داخل المجتمعات الكردية باعتبارها تقوم بحماية الأقلية الكردية من ممارسات المتشددين وسط غياب البديل المنافس (لعدم وجود جناح عسكري للمجلس الوطني الكردي).

ازدادت شرعية “وحدات حماية الشعب” رسوخاً مع هجوم تنظيم الدولة على مدينة “عين العرب – كوباني” ذات الأغلبية الكردية، بعد أن تمّ تضخيم قضية التّعاطف مع “كوباني” في الإعلام العالمي دون بقية المدن السورية (لا سيّما حلب التي كانت تتعرض لإبادة براميل نظام الأسد) لأهداف سياسية عنوانها حماية الأقليات، فيما بدى ذلك استخداماً لذريعة تنظيم الدّولة لفرض واقع متوافق مع خطط الانفصال والتًقسيم التي تحدّثت عنها مختلف مراكز الدّراسات الغربية، والتي تعني إعادة تشكيل المنطقة على الأسس العرقية والطّائفية والمذهبية، والذي سيؤدي أيضاً إلى استثمار سياسي للورقة الكردية ضدّ تركيا.

وفي مقابل ذلك، حرصت أنقرة على إعطاء الطابع الوطني للقوّات التي تدافع عن “كوباني”، فدعمت مشاركة الجيش الحر بقيادة العقيد “عبد الجبار العكيدي”، ولكنّ فصائل المعارضة لم تدعم العقيد ” العكيدي” بالشّكل الكافي وسط استنزاف قوى المعارضة وتشتتها على مختلف الجبهات، الأمر الذي أبقى “وحدات حماية الشعب” القوة الأكبر في المنطقة[6].

وبذريعة استكمال محاربة تنظيم الدّولة، تمكّنت “وحدات الحماية” من تحقيق التّواصل الجغرافي لكانتونها في الحسكة مع كانتونها في “كوباني” بعد السيطرة على مدينة تل أبيض، كنتيجة لذلك، سيطرت وحدات الحماية بحلول الشهر السابع من العام 2015 على أكثر من 400 كم من الحدود السورية – التركية، يشمل ذلك كل الحدود في المنطقة الواقعة في شرق نهر الفرات والتي تمتدّ من الحسكة وحتّى مدينة “جرابلس”، إضافة إلى مدينة عفرين ومحيطها في محافظة حلب.

بهذه السيطرة، امتدت سيطرة حزب العمّال الكردستاني وفرعه السوري إلى أجزاء كبيرة من الحدود التركية في كل من سورية والعراق، مع وجود عسكري نسبي لحزب العمّال داخل المحافظات الجنوبية الشرقية التركية ذات الأغلبية الكردية ذات الحدود مع كل من سورية والعراق، الأمر الذي يقوّي حزب العمّال الكردستاني عسكرياً لوجود طرق الإمداد بالأسلحة من خلال التهريب عبر الحدود الطويلة التي بات يسيطر عليها، بالتّالي، يهيء هذا لحزب العمال أن يرفع من سقف مطالبه في المفاوضات مع الحكومة التركية.

ويبدو أنّ زخم تقدّم وحدات الحماية في سورية قد ساهم في تصلّب مواقف حزب العُمّال الكردستاني في تركيا، ممّا دفعه لإعلان استئناف العمل العسكري ضدّ السلطات التركية في تشرين الأول من العام 2015.

وبدا أنّ آخر خطوة يريدها حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي (PYD) هي تحقيق الاتّصال الجغرافي بين كانتونها في كوباني (والذي تمّ مسبقاً إيصاله بكانتون الحسكة) بكانتونها في عفرين، ويقتضي ذلك السيطرة على المنطقة الواقعة بين جرابلس واعزاز والتي تقع غربي نهر الفرات.

بناء على ما ذكر، أنجزت “وحدات الحماية” الكثير في ما يتعلق بمشروعها الانفصالي، وبقيت مسألة السيطرة على المنطقة الاستراتيجية الواقعة غرب الفرات كخطوة أخيرة لاستكمال تحقيق الاتّصال الجغرافي بين كانتوناتها الثلاث، وهو الأمر الذي أعلنته أنقرة كخط أحمر، والجدير بالذّكر، أنّ أنقرة تحدثت كثيراً عن مشروعها الذي يقتضي جعل المنطقة غربي نهر الفرات منطقة آمنة وخالية من الإرهاب، وتقصد أنقرة بالإرهاب كل أنواعه العابرة للحدود، المرتبطة بتنظيم الدولة أو ب”وحدات حماية الشعب” الانفصالية المرتبطة بحزب العمال الكردستاني كما تراها أنقرة، لكنّ الإدارة الأمريكية وحلف الناتو لم يدعموا خيار أنقرة المتعلق بالمنطقة الآمنة، الأمر الذي جعل حسابات أنقرة تميل إلى ترجيح كفة عدم التورط في المستنقع السوري منفردة، مع تكثيف العمل من وراء الحدود على حماية الأمن القومي التركي ومنع وصول وحدات الحماية لمنطقة غرب الفرات.

خارطة توضح كيف استغلت كل من وحدات الحماية والولايات المتحدة وجود تنظيم الدولة كذريعة للسيطرة على كامل المنطقة الواقعة شرق نهر الفرات.

الأصفر: وحدات حماية الشعب الكردية (YPG/PYD)، الأسود: تنظيم الدولة – الأحمر: النظام السوري – الأخضر: قوى الثورة (المعارضة) السورية المسلحة.

ثالثاً -محاولات سابقة للتّدخل:

في تشرين الأول من العام 2015، سُجّل أوّل رد فعل مباشر من الجيش التركي ضدّ الانفصاليين الأكراد الذين حاولوا عبور نهر الفرات، حيث قصفت الطائرات التركية زوارق تابعة لوحدات الحماية وهي تحاول عبور الفرات باتّجاه مدينة جرابلس[7]، كانت هذه العملية أول اختبار لردّات فعل أنقرة تجاه آخر خطوطها الحمراء التي حددتها في سورية.

تزامن ذلك من بدء أنقرة بالتدخل المباشر لدعم فصائل المعارضة بالضربات الجوية ضدّ تنظيم الدولة، ونجحت المعارضة مدعومة بالطيران التركي في تحرير قريتي دلحة وحرجلة في ريف حلب الشمالي (تقعان في المنطقة الاستراتيجية غرب الفرات)، في الوقت الذي أكّد مسؤولون أتراك على أنّ الهدف النهائي من العملية هو إنشاء “المنطقة الآمنة”[8] الممتدة من جرابلس إلى اعزاز بطول 90 كم وبعمق (30 – 40 كم)، والتي تضمّ حكماً البلدات ذات الأهمية الرئيسية في المنطقة (الباب ومنبج)[9].

لكنّ العملية توقفت تماماً بعد إسقاط الطائرة الروسية من قبل سلاح الجو التركي، حيث نشرت روسيا مزيداً من الدفاعات الجوية قرب قواعدها في منطقة الساحل، تضمّن ذلك منظومة الدّفاع الجوي الاستراتيجية الروسية S- 400، وهددّت روسيا أنقرة بإسقاط طائراتها إن عادت إلى التحليق في الأجواء السورية، الأمر الذي حدا بالولايات المتحدة للطّلب من أنقرة إيقاف طلعاتها الجوية منعاً لزيادة التوتر بين الطرفين، في الحقيقة، بدا هذا حجة قوية للولايات المتحدة لتحقيق مآربها، حيث تظهر دعم أنقرة علناً، فيما تدعم الأجندات الانفصالية الكردية في نفس الوقت بذريعة قتال تنظيم الدولة.

الجدير بالذّكر أنّ العملية التركية في ذلك الوقت كانت قد استُبقت بإشارات تحذيرية ذات دلالة واضحة على شدّة معارضة هذه الفكرة من كلّ من روسيا وحلف النّاتو على حدّ سواء، حيث قام حلف النّاتو بسحب منظومة صواريخ الباتريوت الدفاعية (MIM-104 Patriot)[10] من تركيا، وتزامن هذا مع نشر روسيا لـ 6 طائرات من طراز ( Meg – 31) في مطار المزة العسكري قرب دمشق، وربطت بعض المصادر الإسرائيلية بين الحدثين[11] في إشارة إلى توافق غربيّ روسيّ على إجهاض فكرة المنطقة الآمنة، حيث لا تمتلك طائرات (Meg – 31) أي ميزات إضافية في القصف الأرضي، فيما تمتلك قدرات هجومية ضد الطائرات الأخرى ( كالطائرات التركية التي يمكن أن تدعم قوات المعارضة ضد تنظيم الدولة لفرض المنطقة الآمنة)، علاوة على ذلك، كان واضحاً تركيز الدعم الجوي الروسي لقوات النّظام السوري التي تقدّمت وفكّت الحصار عن مطار كويرس العسكري القريب من المنطقة، ثم تابعت التّقدم باتّجاه مدينة الباب الهامة، والتي تقع ضمن المنطقة الآمنة التي حددتها تركيا في غرب الفرات، وسط تقارير تؤكّد أنّ روسيا قد وضعت دفاعات جوية متقدّمة داخل مطار كويرس العسكري في خطوة تحذيرية ذات دلالة.

فيما بعد، اقتصرت المحاولات التركية لإحلال قوات المعارضة الموالية لها في المنطقة الاستراتيجية المذكورة (غرب الفرات) من على دعمها بالقصف المدفعي دون الجوي نظراً لحظر الأجواء السورية على الطيران التركي بعد أزمة إسقاط الطّائرة الروسية، وتمكّنت قوات المعارضة مدعومة بالمدفعية التركية من تحرير بلدة الراعي الحدودية المهمة (منطقة عمليات التّهريب الخاصة بتنظيم الدولة) ومحيطها مرات عدّة دون أن تستطيع المحافظة عليها، حيث استطاع تنظيم الدولة شنّ الهجمات المعاكسة التي كان يستعيد من خلالها السيطرة على الراعي والقرى المحيطة[12].

بناء على ما تمّ ذكره، فإنّ محاولات التّدخل في سورية كانت موجودة منذ أكثر من سنة، ولكن لم تسمح الظروف الدولية والإقليمية بها، علاوة على ذلك، فإنّ الحكومة التركية كانت مُكبّلة بالكثير من ضبّاط الجيش الذين ينتمون إلى التنظيم الموازي الذي دعم محاولة الانقلاب الفاشل فيما بعد، ويُعتقد بأنّ تغلغل التنظيم الموازي (جماعة غولن) كان قد عرقل خطط التّدخل التركي في سورية[13].

رابعاً -أهداف التدخل العسكري التركي (عملية درع الفرات):

باستقراء ما سبق تبيانه يتوضّح أنّ الهدف الاستراتيجي الأبرز من عملية (درع الفرات) هو منع “وحدات حماية الشعب” الانفصالية الكردية من استكمال مشروعها وفرض الأمر الواقع في الشمال السوري، يتحقق ذلك الهدف من خلال تنظيف منطقة غرب الفرات من تنظيم الدولة الذي كان الذّريعة لدى وحدات الحماية وداعميها الأمريكيين لإعطاء الصبغة الشرعية لسيطرة “وحدات الحماية” على الشمال السوري، تطهير المنطقة من تنظيم الدولة ومن وحدات الحماية ( حيث بدأ الصدام معها)، سيكون متبوعاً بإحلال فصائل المعارضة المعتدلة، والتي لن يُشكّل وجودها ذريعة لاستهدافها كما هو الحال مع تنظيم الدّولة.

يندرج تحت هذا الهدف الاستراتيجي العام أهداف أخرى تكتيكية، فلا شكّ بأنّ تطهير المنطقة من تنظيم الدولة مع إقامة منطقة تعزله عن الأراضي التركية يساهم في تعزيز الأمن الدّاخلي التّركي الذي استهدفه تنظيم الدولة بالعديد من العمليات الإرهابية (كتفجير غازي عنتاب الأخير -تفجيرات مطار أتاتورك الانتحارية – تفجير السلطان أحمد في استنبول…الخ)، فضلاً عن أنّ عزل تنظيم الدولة عن الحدود التركية يعني عزله عن آخر حدود له مع العالم، وقطع شريان إمداداته، وتقويض عمليات تهريب الأشخاص والبضائع والأموال إلى مناطق سيطرته من تركيا، الأمر الذي سيسهم في إضعاف تنظيم الدولة الذي يعتبر أيضاً عدواً لدوداً لأنقرة، وإن كان لا يمثّل تهديداً استراتيجياً لوحدة البلاد وأمنها القومي بالقدر الذي يمثله تهديد حزب العمّال الكردستاني.

خامساً -عوامل نجاح عملية (درع الفرات):

ممّا سبق تبيانه، يظهر بأنّ أنقرة قد تعلّمت الدّرس من محاولتها السابقة للتّدخل في العام الماضي عندما أرادت معاكسة السياسات الروسية والأمريكية في آن واحد، فالتقديرات تشير إلى أنّ التّدخل الحالي يأتي بضوء أخضر روسي بعد إعادة تحسين العلاقات مع الروس[14]، الأمر الذي يفسّر السكوت الروسي عن التّدخل التركي، ولربّما يعدّ هذا من أهمّ عوامل النجاح، والذي يعني استخدام أنقرة لعلاقاتها وثقلها الإقليمي والّدّولي لشراء سكوت الدول عن تدخلها في سورية بهدف حماية أمنها القومي، وبشكل مشابه، بدا أنّ الموقف الأمريكي يدعم تدخّل أنقرة (على الأقل علناً) في محاولة لإعادة إحياء علاقات متميزة مع أنقرة بعد توتّرها الشديد في أعقاب محاولة الانقلاب الفاشلة، والحنق التركي من تملّص واشنطن من تسليم “غولن”.

وعلى الأرض، تحظى أنقرة بدعم وقبول محلي من السكّان الذين يعتبرون التّدخل التركي مشروعاً باعتباره تدخّل “الأخ الكبير”، وفي المقابل، يعربون عن سخطهم على قوات PYD معتبرين إياها قوات احتلال[15]، فتركيا هنا ليست دولة محتلة ك”إسرائيل” مثلاً، والتي كانت تحاول تأمين مناطق عازلة في لبنان أو فلسطين دون تعاون حقيقي من السُّكان المحليين بسبب نظرتهم لها كقوة احتلال، على العكس من ذلك، تحظى تركيا بسمعة طيبة لدى مختلف شرائح الشعب السوري وفصائل المعارضة السورية.

على المستوى الدّاخلي التركي، يبدو أنّ هناك تماسكاً وانسجاماً أكبر في الرؤية والقرار بين الحكومة والجيش التركيين بعد محاولة الانقلاب الفاشلة وعمليات التّطهير التي تبعته، الأمر الذي يساعد على نجاح العملية.

سادساُ -التحديات والمخاطر:

على الرّغم من عوامل النّجاح المذكورة آنفاً، هناك العديد من المخاطر والتحديات التي تحيط بعملية “درع الفرات”، يتلخّص معظمها بالمخاوف التركية التقليدية التي شابت مناقشة عملية التّدخل سابقاً، والمتمثّلة بالتورّط والاستنزاف في المستنقع السوري، تزداد هذه الاحتمالات طرداً مع امتداد العملية زمنياً، ومع ازدياد تغلغل الجيش التركي في العمق السوري، ويمكن التقليل من هذه المخاطر بزيادة الاعتماد على قوات فصائل المعارضة السورية ودعمها بشكل مكثّف مع تقليل الاعتماد المباشر على القوات التركية.

وعلى الرّغم من أنّ أنقرة قد قامت هذه المرة بنوع من تحييد للمواقف الدّولية المعارضة لتدخّلها (الروسية ثم الأمريكية بشكل خاص)، إلا أنّ رياح السياسة متغيّرة متقلّبة، فلا يمكن ضمان استمرار الموقف الروسي الذي كان بالأمس يتوعّد تركيا في حال إقدامها على مثل هذا التّدخّل، أمّا الموقف الأمريكي المتذبذب، فهو أكثر مراوغة وميلاً لاستجرار تركيا لحالة من الاستنزاف ( ربّما بشكل مشابه لاستنزاف السّعودية في الحالة اليمنية، حيث تدعم أمريكا السعودية علناً، فيما تدعم الحوثيين سراً لإبقاء جذوة الصّراع والاستنزاف مشتعلة)، فقد تقوم بدعم تركيا في العلن في خياراتها في حماية حدودها، مع الطّلب من وحدات الحماية أن تنسحب إلى غرب الفرات (كما يصرح المسؤولون الأمريكيون حالياً)، في الوقت الذي يدعمون (أو يهيئون الدّعم بطريقة ما ) للوحدات الانفصالية التي استهدفت الدبابات التركية مؤخراً ممّا أدّى إلى مقتل أول جندي تركي في العملية على الرّغم من الدّعوات الأمريكية للوحدات للانسحاب، ورغم بيان الوحدات الّذي ادّعت فيه أنّها انسحبت إلى شرق الفرات.

من التّحديات الواردة أيضاً، أن يقوم خصوم تركيا عند تغير رياح السياسة خاصّة بابتزاز تركيا من خلال ادّعاء تنفيذها لمجازر بحق المدنيين[16]، إضافة إلى محاولات وصم فصائل المعارضة المدعومة من تركيا بالتطرف والإرهاب، وبكونها لا تضمّ كافة المجموعات العرقية المُمثّلة لمختلف أطياف الشعب السوري، على اعتبار أنّ قوات الجيش الحر في معظمها من العرب إلى جانب بعض التركمان دون وجود للأكراد، الأمر الذي قد يدفع تركيا إلى الاستعانة بقوات البيشمركة السورية المدربة والمقربة من حليف تركيا الكردي “مسعود برزاني” رئيس إقليم كردستان العراق[17].

سابعاً -التقييم:

يتمّ تقييم التدخل العسكري التركي (عملية درع الفرات) على أنّه إجراء دفاعي اضطراري لحماية الأمن القومي التركي من الخطر الأكبر الذي يتهدّد تركيا تاريخياً بعد قيام الجمهورية التركية، ألا وهو خطر تفتيت الأمة التركية وتقسيم أراضيها، وبقدر ما يعتبر هذا التّدخل متأخراً نسبياً مقارنة مع التطورات السريعة التي جرت في الشمال السوري، فإنّه يحمل مخاطر الاستنزاف الطّويل، مع ذلك تبدو فرص نجاحه كبيرة نظراً للقبول الدّاخلي السوري لدور أنقرة ذات السّمعة الطيبة لدى مختلف شرائح الشعب السوري، وترتبط فرص نجاح التّدخّل أيضاً بمدى استمرار نجاح الدبلوماسية التركية (المعهودة بالبحث عن تصفير المشكلات) في تحييد الخصوم والبناء على المشتركات بهدف تحقيق الأهداف المرحلية.

للتحميل من هنا

جميع الحقوق محفوظة لدى مركز برق للأبحاث والدراسات © 2016

 
 

[1]  قد يعزى عدم وجود مقاومة كبيرة لتنظيم الدولة إلى أنّ المقاومة مهما طالت فلا فائدة منها سوى الاستنزاف الشديد، كما حصل في منبج، حيث صمد مقاتلو التنظيم لأكثر من عشرة أسابيع، ولكنّهم انسحبوا في النتيجة تحت ضغط الحصار وشدّة الضربات الجوية للتحالف، كما أنّ التنظيم كسر بعد خسارته لمنبج، المدينة الأهم في المنطقة، الأمر الذي يجعل التنظيم يفضل تجنب الاستنزاف مع السماح لأعدائه باستنزاف بعضهم البعض (تركيا و PYD).

[2]  لعل من المفيد التذكير بأنّ “وحدات حماية الشعب الكردية – YPG” تعتبر الجناح العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي (PYD) والذي يعتبر بدوره الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني (PKK) الذي ينفذ

[3]     أنظر مثلاً: «وحدات حماية الشعب» تعلن انسحابها إلى شرق الفرات… بما في ذلك «منبج»، و وحدات الحماية الكردية تعلن انسحابها من منبج.

[4]  أنظر الخبر في BBC: مقتل جندي تركي خلال اشتباكات مع مسلحين أكراد شمالي سوريا.

[5]  أنظر مثلاً في صفحة كوباني اليوم، مع وضوح اللغة الكردية في المقطع المصور لتدمير الدبابة هنا.

[6]  أنظر: عبد الجبار العكيدي: لو كنا 200 أو 300 مقاتل في كوباني لما سمحنا بدخول ‹PYD› إلى أي قرية عربية.

[7]  أنظر: مقاتلات تركية تقصف لأول مرّة أهداف لتنظيم حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري.

[8]  أنظر خارطة المنطقة الآمنة كما تنشرها وكالة الأناضول المقربة من الحكومة التركية هنا.

[9]  أنظر الخبر في الجزيرة: المعارضة تقاتل تنظيم الدولة بحلب بإسناد جوي تركي، وكذلك –  مصدر تركي : المنطقة الآمنة خلال أسبوع.

[10]  أنظر الخبر: أمريكا تقرر سحب منظومة صواريخها الدفاعية “باتريوت” من تركيا، وكذلك: سحبٌ لصواريخ الباتريوت أم سحبٌ للثقة؟

[11]  ورد هذا في تقرير خاص لموقع “ديبكا” الأمني الإسرائيلي.

[12]  قد يرجع هذا إلى عدم فعالية سلاح المدفعية لوحده في إسناد فصائل المعارضة، أو يرجع هذا – كما يرى بعض الكتّاب الأتراك – إلى تغلغل التنظيم الموازي في صفوف الجيش التركي، والذي كان معارضاً لرؤية الحكومة بالتدخل في سورية، بل وردت معلومات أنّ بعض ضباط التنظيم الموازي كانوا يقصفون مدينة كيليس بالمدفعية تزامناً مع قصفها من قبل تنظيم الدولة، لإيقاع الفتنة بين السوريين والأتراك في المنطقة.

[13]  “وقال مسؤول تركي كبير – مشترطا عدم ذكر اسمه كمسألة بروتوكولية – أن العديد من القادة قد قاوم أي عملية في سوريا في السنوات الأخيرة، وقد أكّد المسؤول التركي على ذلك بالقول: أحد القادة البارزين المعارضين لعملية سوريا كان الرئيس السابق للقوات الخاصة التركية، العميد الجنرال سميح تيرزي، الذي كان واحدًا من أبرز المتآمرين، وتم قتله خلال محاولة الانقلاب” أنظر: أردوغان يُظهِر نفوذه الجديد على الجيش التركي عبر عملية عسكرية في سوريا.

وفي ذات السياق، أفيد أنّ قائد القوات التركية المشاركة في عملية درع الفرات هو الفريق “أكساكالي” والذي أدّى دورًا رئيسيًا في هزيمة محاولة الانقلاب. وتمّت ترقيته مؤخرًا من رتبة لواء إلى فريق من قبل المجلس العسكري الأعلى برئاسة رئيس الوزراء بن علي يلدرم في أول اجتماع له بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 تموز/ يوليو.

[14]  كشف العقيد أحمد الحمادة القيادي في الجيش الحر أنّ فكرة المنطقة الآمنة تم التوافق عليها مع الجانب الروسي خلال زيارة الرئيس التركي إلى روسيا في التاسع من شهر آب/ أغسطس الجاري، وسيبحث تنفيذها خلال لقاء الرئيس أردوغان نائب الرئيس الأمريكي بايدن في أنقرة، أنظر: عقيد سوري مشارك في درع الفرات: العملية تهدف إلى إنشاء منطقة آمنة بالتوافق مع روسيا، كما اعتبر محللون إسرائيليون بأنّ أنقرة قد حصلت على ضوء أخضر روسي للقيام بالعملية، أنظر: معلقون إسرائيليون عن درع الفرات: موسكو وواشنطن غير قادرتين على منع الهجوم التركي.

[15]  أعرب عدد من مندوبي المجالس المحلية لمدن منطقة غرب الفرات (الباب – منبج – جرابلس) عن اعتبارهم لقوات “PYD” كقوات احتلال.

[16]  يبدو أنّ هذا قد بدأ من خلال نسب صحيفة الإندبندنت البريطانية لغارة جوية للنظام السوري إلى الطائرات التركية، أنظر: جريمة لطيران النظام في حلب، تنسبها “الإندبندنت” للطيران التركي.

[17]  ويبدو أنّ هذا الأمر قيد النقاش، حيث قالت مصادر متطابقة في المعارضة السورية خلال تصريحات خاصة لـ بلدي نيوز إن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بحث مع البرزاني إمكانية أن تقوم قوات البشمركة السورية (تم تدريبها في إقليم كردستان العراق) بملء الفراغ الذي ينشأ عن طرد قوات الـ PYD، أنظر:

بعد تحركات برازني.. هل يتم استبدال “ب ي د” بـ”البشمركة” في سوريا”؟

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
الرجاء الانتظار ..

النشرة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقى على اطلاع بأحدث الأخبار و الفعاليات
إغلاق
إغلاق