
تقدير موقف: حكومة الزيدي هل تنجح بتأكيد هويتها الشيعية في الابتعاد عن إيران
بعد حوالي 6 أشهر من الانتخابات العراقية العامة تشكلت حكومتها الجديدة برئاسة علي الزيدي، ونالت ثقة البرلمان في منتصف مايو الماضي. وقد جاء هذا التأخر الكبير نتيجة لتنوع وتنازع أطراف النفوذ والتأثير الخارجي في الشأن الداخلي للعراق، وبصورة خاصة النفوذ الأمريكي والإيراني، ففي حين تسعى الولايات المتحدة إلى فصل بغداد عن النفوذ الإيراني، فإن طهران تعمل على الحفاظ على هذا النفوذ مستغلة لأجله عاملين أساسين، وهما: التوافق المذهبي بينها وبين نسبة كبيرة من سكان العراق، والاشتراك في حدود جغرافية تزيد على 1500 كم.
وهذا التقدير للموقف يحاول أن يقرأ ثنائية الزيدي التي يدير الدولة من خلالها، وعلى أساسها وافقت الولايات المتحدة عليه وعلى حكومته، وتتمثل في: زيادة التعاون مع الولايات المتحدة مقابل تسهيلات اقتصادية، وتحجيم الدور الإيراني في العراق إلى أقصى حد ممكن.
وقد لفت النظر في سياسة الحكومة في هذا الصدد: إبرازها للهوية الشيعية، وعدم صدامها الصريح مع إيران؛ فهل تنجح هذه الاستراتيجية في تحويل العلاقة بين بغداد وطهران إلى علاقة عادية؛ أي لا تتمتع معها إيران بأي امتيازات خاصة في داخل العراق؟ وإلى أي مدى يمكن أن تتحول واشنطن إلى حليف استراتيجي للعراق؟
هوية الحكومة:
لم يعد خافيًا أن الاستراتيجية الأمريكية في إزالة حكم صدام حسين قد استندت إلى العامل الطائفي بامتياز، وكان من الطبيعي أن يكون لإيران دور كبير في هذا التحول الضخم لصالح الطائفة الشيعية الذي لم يشهده العراق منذ قرون، إلا أن السنوات لم تمر حتى أصبح هذا الوضع غير متوافق مع المصالح الأمريكية نفسها، وكانت الحرب الأمريكية على إيران التي اندلعت في 28 من فبراير 2026 هي الكاشف الأكبر عن ضرورة تغيير واقع النفوذ الإيراني في العراق.
كان رهان واشنطن في هذه الجولة على أمرين أساسين؛ هما: تشكيل حكومة عراقية بعيدة عن نفوذ طهران، ومواجهة الجماعات العراقية المسلحة التابعة لإيران بالعقوبات الاقتصادية والوضع على قوائم الإرهاب وقوائم المطلوبين أمريكيًا، وحتى الاستهداف العسكري.
وفي هذا السبيل برز في سلوك حكومة الزيدي اهتمام زائد بتأكيد الهوية الشيعية لها، ولم يقتصر هذا على الاهتمام البالغ بجنازة علي خامنئي التي شارك الزيدي بنفسه في مراسم تشييعها، واستقبال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في المطار عند قدومه لشهود التشييع، بل ظهر هذا الاهتمام بصورة أوضح دلالةً في المناسبات الشيعية التي مرت به؛ ففي مناسبة استشهاد الإمام الحسين بن علي رضي الله عنهما بث رئيس الوزراء علي الزيدي كلمة رسمية، لم يكتف فيها بالتعزية كما هو المعتاد، بل جعلها إطارًا لبرنامجه السياسي، وأكد أن الحكومة تستلهم من ذكرى عاشوراء “معاني الإصلاح ومحاربة الفساد”.
وفي ذكرى أربعينية الحسين رضي الله عنه قامت الحكومة بمجموعة من الإجراءات غير المسبوقة في هذه المناسبة؛ منها: تعطيل الدوائر الرسمية يومي الثالث والرابع من أغسطس/ آب 2026، والمتابعة الأمنية عالية المستوى لإجراءات حماية الاحتفال، حتى رأس علي الزيدي اجتماعًا خاصًا لمتابعة تنفيذ خطة الزيارة الأربعينية، كما تفقد ميدانيًا انسيابية الزيارة في كربلاء، والتقى الزائرين والمتطوعين.
وهي محاولة واضحة لإثبات أن شيعة العراق يمكن أن يمثلوا أنفسهم، وأن تمثيل المذهب ليس حكرًا على الحوزات والمراجع الإيرانية، ولا يُستبعَد أن تسعى حكومة الزيدي في المستقبل، أو يسعى مَن بعدها إلى أن تكون لشيعتهم مراجعهم الدينية الخاصة، وهي مسألة حاضرة في الذهنية الشيعية العراقية. كما حاول الزيدي بهذا السلوك التأكيد على أن قرب الحكومة من الولايات المتحدة لا يعني تنازلها عن مذهبيتها، وهو ما لا يترك مجالًا لأنصار إيران في الداخل للاحتجاج عليها ومهاجمتها من هذه الناحية.
التقارب مع واشنطن بديلًا عن النفوذ الإيراني:
النفوذ المذهبي لإيران في بُعده السابق هو نفوذ ثقافي ديني بالدرجة الأولى؛ فماذا عن النفوذ العسكري والسياسي؟
تحتضن واشنطن حكومة الزيدي وتنسق معها بصورة كاملة من أول لحظة، ففي منتصف يوليو/ تموز الماضي – وبعد شهر فقط من حصول الحكومة الجديدة في العراق على ثقة البرلمان – استقبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رئيسَ الوزراء العراقي علي الزيدي في البيت الأبيض، ومع ما بدا من عبارات حَوَت مبالغات معهودة في خطاب ترامب تجاه “الضيف الزائر”، فقد بدا أن واشنطن وضعت ثقتها في الزيدي، وأنها تقف خلفه بقوة. وقد ركّزت المحادثات أثناء الزيارة على نزع سلاح المليشيات وتعزيز الشراكة الاقتصادية بين البلدين.
وبعد أيام من لقاء واشنطن بدأت تظهر نتائج الزيارة، فوقّع الجانبان 48 اتفاقًا اقتصاديًا في حضور “غير مسبوق” للشركات الأمريكية في قطاعي النفط والغاز والكهرباء بالعراق، إضافة إلى اتفاق مع شركة “ستار لنك” لخدمة الإنترنت الفضائي، ورفع العقوبات عن سبعة مصارف عراقية.
وكانت ورقة نزع سلاح المليشيات وحصره في يد الدولة مؤجلة أو مسكوتًا عنها نسبيًا، إلا أن التوظيف الإيراني لهذه المليشيات في ضرب أهداف نفطية وأخرى لقوات أمريكية في السعودية أواخر يوليو/ تموز الماضي، قد أدى إلى استهداف مواقع لمليشيا الحشد الشعبي في عدة محافظات عراقية أسفرت عن سقوط أكثر من خمسين شخصًا ما بين قتيل وجريح، وزعم الرئيس ترامب أن هذا الهجوم تم بالتنسيق مع الحكومة العراقية التي نفت ذلك تمامًا.
أدت هذه الأحداث إلى فتح ملفين خطرين في العراق، وهما: حصر السلاح في يد الدولة، ومحاربة الفساد، ومن شأن الملف الثاني أن يؤدي إلى انطواء بعض ذوي النفوذ من قادة المليشيات على أنفسهم بالهرب إلى إيران أو غيرها بغنائم السنوات الماضية، وقد بدا هذا هدفًا راجحًا باستهداف الفاسدين المنتمين إلى سنة العراق أولا، وقد يليهم الشيعة غير المسيسين.
وأما حصر السلاح العراقي في يد أجهزة الدولة المعنية، فقد شعرت إيران بالعاصفة القادمة، فآثرت أن تحني لها رأسها، وألا تفتح على نفسها كل الجبهات؛ لأن جزءًا ليس هينًا من العراقيين بمختلف أطيافهم يذهبون إلى ضرورة وضع حد لتدخلات إيران في الشأن العراقي، والآن يجد هذا التيار عونًا أمريكيًا قويًا في هذا الاتجاه، كما يجد تأييدًا عربيًا من الدول العربية الحريصة على تحسين علاقاتها بالعراق.
وبدا السلوك الإيراني المفاجئ نسبيًا من خلال ما نقله نيجيرفان برزاني – رئيس إقليم كردستان العراق – من أن المسؤولين الإيرانيين أبلغوه خلال زيارته الأخيرة إلى طهران باستعدادهم لمساعدة الزيدي في ملف حصر السلاح، وأنهم “نقلوا هذه الرسالة مباشرة إلى رئيس الحكومة المكلّف لإسناد جهود إخضاع السلاح لسيادة القانون”.
وفسّرت هذا التوجه نصائح قدمها إسماعيل قاآني قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني لبعض الفصائل العراقية الموالية لطهران بالمقايضة على سلاحها، أي تسليمه مقابل مكاسب تتمثل في تطوير منظومة الدفاع الجوي العراقية وتسليح الجيش العراقي؛ وذلك للحيلولة دون توظيف المجال الجوي للعراق في التجسس على إيران، حيث أن ذلك بات يشكّل أولويةً أساسيةً بالنسبة للجانب الإيراني.
السيناريوهات المتوقعة:
ثمة سيناريوهات محتملة لمحاولات الحكومة العراقية الحالية تقليل التدخل الإيراني في شؤونها، وذلك كما يلي:
- أن تنجح الحكومة في التقليل النسبي للتدخل الإيراني في شؤونها؛ إذ إن الزيدي ليس حريصًا على القطيعة مع إيران تمامًا، وإيران من جانبها تدرك الضغوط الأمريكية على بغداد، ولذلك لا ترى أن تدخل في صراع مع حكومتها (يصل هذا احتماله إلى 50%).
- نجاح الحكومة في تقليص النفوذ الإيراني كثيرًا، وإعادة ترتيب تحالفاتها على أساس تفاهمات شيعية–سنية–كردية أوسع، وهذا رهن بتجاوز البعد الطائفي وتقديم التقارب الوطني على حسابه، وإرغام المليشيات التي ترفض تسليم سلاحها للدولة على ذلك، وعلى رأسها كتائب حزب الله العراقي، وحركة النجباء (30%).
- وأخيرًا قد تتعرض الحكومة العراقية لضغوط قوية تؤدي إلى عودة أقوى للارتباط بإيران، وهذا مرتبط بمدى قدرة المليشيات على الوقوف في وجه الدولة، وتحرك الحكومة وحدها بدون نسيج وطني متماسك ومتكامل (20).
جميع الحقوق محفوظة لدى برق للسياسات والاستشارات©2026




