الاصداراتترجمات

نقاط الضعف المزعجة في العدالة الدوليّة

بعد مرور أكثر من سبعين عامًا على المحاكمة النازية في نورمبرغ الألمانية، لم تُفرض العدالة الدولية نفسها حتى الآن كأداةٍ لإصلاح الأضرار التي تُسبّبها الصراعات الدولية، ثمّ يُضاف إلى عيوب المحكمة الجنائية الدولية أنها تواجه الآن معارضةً شديدةً من واشنطن.

” رواندا، الإبادة الجماعيّة الأكثر محاكمةً في التاريخ ”

مرَّ أكثر من ٢٥ سنة على الإبادة الجماعيّة التي ارتكبها الهوتو، والتي تسبّبت بمقتل أكثر من ٨٠٠ ألف شخصٍ في الفترة من ٧ نيسان/أبريل 1994حتى ١٧ تموز/يوليو من نفس العام.

في هذا المجال، أحصى تييري كروفيلير كبير المراسلين وزميله إفرين روجريريزا، من موقع JusticeInfo.net))، إجراء أكثر من ١٢ ألف محاكمةٍ محليّةٍ في رواندا، حُوكِم فيها أكثر من مليون شخص.

كما تم إنشاء المحكمة الجنائية الدولية لرواندا تحت رعاية الأمم المتحدة، ساعدت هذه المحكمة في مقاضاة كبار المسؤولين عن الإبادة الجماعية، حيث تم حتى الآن  إدانة ٦١ شخص من بين ٨٠ متّهم.

وتُعتبر رواندا واحدةً من أهم قضايا العدالة الانتقالية لدرجة أنها أصبحت مثالًا للانتقال من فترة العنف الشديد إلى شكلٍ من أشكال النظام الديمقراطي والمصالحة.

نتائج مخيّبة:

بعد أكثر من ٧٠ سنة على محاكمة ٢٤ من كبار الشخصيات النازية للرايخ الثالث في نورمبرغ، الذين تمت محاكمتهم من قبل قوات الحلفاء، أصبح للعدالة الدولية أكثر من صورةٍ مُحبِطة، ذلك لأن العديد من الجرائم التي ارتُكِبت خلال النزاعات لا تزال دون عقاب.

تمّ إنشاء محكمة الجنايات الدولية في لاهاي عام ٢٠٠٢، والتي يُفترض أنها مسؤولةٌ عن محاكمة المسؤولين عن جرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانية والإبادة الجماعية، خاصّةً في ظلّ غياب المحاكم الدولية المختصة.

لكن إنشاء هذه المحكمة لم يكن كافيًا ليعكس توجهها، إذ يمكن أن نقول أن العدالة الدولية في أيامنا هذه قد توقفت بالفعل.

هناك عدّة أسبابٍ لذلك، الرئيسي منها هو أنه وعلى عكس الأمم المتحدة التي تضم ١٩٣ دولةٍ عضو، فإنّ محكمة الجنايات الدولية، التي تضمّ ١٢٣ عضوًا، ليست عالمية.

وسائل محدودة:

هناك أسبابٌ أخرى لتعطل العدالة الدولية، منها محدودية موارد الميزانية، ويبقى السبب الأهم افتقارها للدعم السياسي، وكدليلٍ على ذلك، يمكن للولايات المتحدة أن تعرقل العدالة الدولية بسهولة إذا أرادت محاكمة الجنود والعملاء الأمريكيين المشتبه بارتكابهم عمليات تعذيبٍ وجرائم خلال الحرب في أفغانستان، وهي البلد الذي انضمّ إلى محكمة الجنايات الدولية عام ٢٠٠٣.

مثال آخر، فعلى الرغم من كلّ نداءات الضحايا المحليّين لجيش النظام السوري، وكذلك نداءات كثير من قادة الدول الغربية، فقد أفلت بشكلٍ شبه أكيد بشار الأسد من إحالة ملفه إلى محكمة الجنايات الدولية بسبب جرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانية، وذلك نتيجةّ لمعارضة روسيا لذلك.

وبالمثل، فإن الرئيس السوداني السابق عمر البشير، الذي اتّهمته المحكمة الجنائية الدولية في عام ٢٠٠٩ بارتكاب جرائم حربٍ وجرائم ضدّ الإنسانية وكذلك جرائم إبادةٍ جماعيّة خلال حرب دارفور في عام ٢٠٠٣، أفلت نهائيًّا من العدالة الدولية.

مع ذلك لم يمنعه كل ما سبق من السفر حول العالم رغم المذكرات الدولية الموجهة ضده، وخاصة إلى البلدان الموقعة على اتفاق روما مثل جنوب أفريقيا وكينيا والأردن، على الأقل حتى الإطاحة بحكمه تحت ضغط الاحتجاج الشعبي.

ويعود الضعف الآخر للعدالة الدولية إلى طبيعة النزاعات ذاتها، فبعد غزو العراق من قبل القوات الأنجلو-أمريكية  في عام ٢٠٠٣، تمت “محاكمة” الرئيس العراقي الراحل صدام حسين أمام محكمة محليّةٍ انتقاميةٍ وفاشلة، أدّت إلى إعدام الرئيس في عام 2006 دون إجراء أي تحقيقاتٍ في “التهم” الموجهة إليه.

ثمّ بعد تدخل فرنسا والمملكة المتحدة في ليبيا قُتل معمر القذافي، الأمر الذي يشكّل إخفاقًا كبيرًا للعدالة الدولية التي لم تتمكن من التحقيق في الجرائم التي كان متهمًا فيها.

ويُضاف إلى ذلك سجلّ الانتكاسات الخطيرة لمحكمة الجنايات الدولية ليوغسلافيا السابقة، التي أنشأتها الأمم المتحدة، وذلك إثر موت الرئيس اليوغسلافي السابق سلوبودان ميلوسيفيتش في سجنه في لاهاي عام 2006.

كما انتهت آخر جلسة لهذه المحكمة بفضيحةٍ مع انتحار قائد القوات الكرواتية في البوسنة سلوبودان برالياك بالسم أثناء الجلسة فور سماعه بالحكم عليه لمدة 20 عام.

أحكام متتالية بالبراءة:

وأخيرًا في 15 كانون الثاني/يناير الماضي، أدّى حكم المحكمة الجنائية الدولية بالبراءة على الرئيس الإيفواري السابق لوران جباجبو، وكذلك على الرئيس السابق لحركة الشباب المتطرف تشارلز بلي جودي، الأمر الذي أدّى إلى إضعاف إضافي المحكمة.

وكانت الدهشة التي لا تصدّق، عندما صدر قرار المحكمة ببراءة القائد العام السابق لحركة تحرير الكونغو جان بيير بمبا في حزيران/يونيو عام 2018، وذلك بعد عامين من إدانته بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في جمهورية أفريقيا الوسطى في عام 2002و2003.

بالإضافة لعيوبها، تواجه أيضًا العدالة الدولية تهديدًا خارجيًّا يأتي من الولايات المتحدة مع أنها كانت من مؤسّسي المنظمات الدولية على رماد الحرب العالمية الثانية.

في خضمّ كلّ هذا شنّ مستشار الأمن القومي السابق للرئيس دونالد ترمب جون بولتون هجومًا رسميًّا على المحكمة الجنائية الدولية، متّهمًا إياها بأنها غير شرعية وتهدد الولايات المتحدة وحلفاءها.

من هنا، ليس من المؤكد أن تتمكن العدالة الدولية من وضع رأسها برأس القوة العالمية الأولى، خاصّةً وأنّ موسكو وبكّين، بدورهما كذلك، تنظران إلى الجنائية الدولية أنها تهدد مصالحهما ومصالح حلفائهما.

جاك هوبير رودييه

صحيفة ليزيشو 12نيسان/أبريل 2019

الرابط الأصلي من هنا

“الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر برق للسياسات والاستشارات“

جميع الحقوق محفوظة لدى برق للسياسات والاستشارات©2020 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق