الاصداراتمشاهد

المشهد اللبناني: نفوذ حزب الله وذكرى أحداث 7 أيار

تعود إلى الواجهة ذكرى أحداث 7 أيار/مايو في لبنان عام 2008، عندما قام حزب الله اللبناني بنشر ميليشياته في أحياء بيروت وفرض السيطرة الأمنية والعسكرية على مفاصل المدينة، بما أعاد للذاكرة أحداث الحرب اللبنانية الأهلية التي استمرت من عام 1975 وحتى 1990، وسقط خلالها أكثر من 150 ألف قتيلاً. 

وأشار الذي جرى في 7 أيار/مايو حينها إلى استعداد بعض القوى اللبنانية في تحالف 8 آذار ومنها حزب الله إشعال فتيل حرب أهلية من جديد عام 2008 وفرض سيطرتها السياسية والعسكرية والأمنية بالقوة على الساحة اللبنانية. ومن خلال هذا النهج تمكن حزب الله بالفعل من تقوية وتعزيز نفوذه وحضوره في المشهد اللبناني حتى العام الحالي 2019. 

أولاً: خلفيات أحداث 7 أيار/مايو   

قام رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط في مطلع أيار 2008 وقد كان نائباً في البرلمان آنذاك، بتوجيه اتهامات موثقة بالدلائل تثبت وجود شبكة اتصالات وكاميرات مراقبة تابعة لحزب الله في مطار رفيق الحريري ببيروت. وتسارعت الأحداث وأصدر مجلس الوزراء الذي كان يقوده فؤاد السنيورة التابع لتيار المستقبل، قرارات تقضي بإقالة “قائد جهاز أمن المطار العميد وفيق شقير، وتأكيد حق الدولة وواجبها وإصرارها على استكمال متابعة قضية الكاميرات لمراقبة المدرج الرئيسي في المطار والتي تم تركيبها من حزب الله، بما يهدّد أمن المطار وسلامته ويشكّل انتهاكاً أيضاً لسيادة الدولة. بالإضافة إلى رفض الادعاء بأن حماية حزب الله تستوجب إقامة مثل هذه الشبكة واعتبارها سلاحاً مكملاً لسلاح المقاومة”. 

وكرد فعل على هذه القرارات، أعطى حزب الله الأوامر لعناصره بالتوجه إلى مفاصل وأحياء العاصمة بيروت للسيطرة عليها ومحاصرة مبنى الحكومة. واعتبر الأمين العام للحزب حسن نصر الله أن “قرارات الحكومة إعلان حرب”، وقامت ميليشياته بإغلاق كل الطرق المؤدية إلى مطار رفيق الحريري وانتشروا داخله أيضاً، ما أدى إلى تعليق حركة الطيران من المطار وإليه. كما استولت عناصره على كل مراكز تيار المستقبل في العاصمة وقامت بإحراقها. في ظل انسحاب كامل لقوات الأمن والجيش اللبناني. 

فيما توجهت مليشيات أخرى مساندة لحزب الله من حركة أمل والحزب القومي الاجتماعي وحزب البعث إلى مبنى الحكومة اللبنانية في السرايا الحكومية وأقاموا الحواجز الأمنية والعسكرية لرصد كافة الطرق المؤدية إلى السرايا. ولم تأبه تلك الميليشيات ولا حزب الله لحركة الاحتجاج المدنية التي عارضت هذا السلوك الميليشيوي للحزب وحلفائه، بل أصبحت العاصمة بيروت خاضعة لسيطرتهم بما يشبه الاحتلال للمدينة. 

حاولت الجهود الدولية احتواء هذه الأزمة، وقامت دولة قطر والجا

معة العربية بالدعوة لبناء محادثات سلام بين فريق 14 آذار الحاكم في لبنان وأطراف المعارضة الرئيسية آنذاك (أمل وحزب الله والتيار الوطني الحر) على أن تقام بالدوحة، وتم في 21 أيار/مايو توقيع اتفاق ينص على “سحب مقاتلي حزب الله وفتح طريق مطار بيروت واستئناف الحوار اللبناني على أساس المبادرة العربية التي تقضي بانتخاب العماد سليمان رئيساً وتشكيل حكومة وحدة تُمَثَّل فيها المعارضة بثلث الوزراء واعتماد قانون العام 1960 الانتخابي مع تعديلات في دوائر بيروت”. 

ثانياً: مصير النفوذ المتنامي لحزب الله في لبنان 

أثبتت أحداث بيروت قدرة حزب الله وحلفائه من قوى 8 آذار، على فرض ما يريدونه بالقوة والعنف، وتبين أن سلاح المقاومة الذي يتذرع الحزب بالتمسك به لمواجهة خطر إسرائيل إنما هو سلاح لفرض توجهاته على إرادة الشعب اللبناني وسلبها بالقوة والتهديد. لذلك كان يرفض بشكل قاطع التخلي عن سلاحه وتسليمه للجيش، لأنه يدرك أن الاحتفاظ به هو الأداة الأساسية التي يمتلكها للتأثير في المشهد اللبناني. 

وبالفعل استطاع حزب الله استثمار أحداث 2008 وإلى الوقت الحالي، حيث لم تعد قوى 14 آذار المعارضة قادرة على الضغط لتحريك ملف تسليم سلاح الحزب للجيش اللبناني لتجنب تكرار هكذا حادثة مجدداً، بل قام الأول بزيادة تسليحه وتوسيع منابع تمويله لتصبح شبكات عالمية ممتدة إلى قارة أمريكا الجنوبية. وتمكن من بناء منظومة تسليح قوية أصبحت فيما بعد جيشاً موازياً داخل دولة لبنان للقوات النظامية، بل قد تكون قد فاقتها أيضاً بالقدرات التسليحية والعملياتية، خصوصاً بعد أن أصبحت ميليشيات حزب الله عابرة للحدود إثر مشاركتها بدعم قوات نظام الحكم في سوريا عسكرياً منذ عام 2012 وحتى الوقت الحالي[1].  

وعلى الصعيد السياسي تمكن الحزب إلى جانب قوى 8 آذار من تعزيز وجوده في الحكومة اللبنانية، وبدا ذلك واضحاً في أزمة تشكيل مجلس الوزراء الأخيرة في أواسط عام 2018، عندما عرقل تحالف 8 آذار إنشاءها للحصول على غالبية المناصب داخلها، وقد تم ذلك بالفعل وحصل التيار الوطني الحر الذي يقوده الرئيس ميشيل عون على  10 حقائب وزارية، و3 حقائب أخرى لحزب الله، و3 وزارات لحركة أمل، ما يعني أن حضور حزب الله وحلفائه من قوى 8 آذار لا زال هو الحضور الأقوى سياسياً في المشهد اللبناني كنتيجة لعدة تحولات على الساحة اللبنانية منها أحداث 7 أيار/مايو. 

ومن الناحية المالية، استطاع حزب الله توسيع شبكته المالية ومصادر تمويل أنشطته في لبنان والعابرة للحدود خصوصاً في سوريا بدعم نظام الحكم في سوريا وكذلك باليمن بدعم ميليشيات الحوثي ضد الشرعية اليمنية، وتغطي إيران بشكل مباشر ما يقارب 70% من نفقات حزب الله وأنشطته والتي تقدر بـ 800 مليون دولار سنوياً[2]، ويتم صرف تلك الأموال بأمر من المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية علي خامنئي مباشرة “ويتم نقلها في حقائب بتنسيق من قوات الحرس الثوري، وليس من خلال البنوك، وغالباً ما تُنقل هذه الحقائب من إيران لتهريبها عبر سوريا، حيث يستخدم حزب الله عدداً من الأساليب المختلفة لنقل الأموال إلى لبنان من الخارج، بما فيها تجار الحوالة”. 

أيضاً يقوم الحزب بتأمين باقي متطلباته عبر شبكة أفراد وكيانات دولية متماسكة تقوم بأعمال غير قانونية، بالإضافة إلى زكاة الخمس التي يفرضها على الشيعة، وشبكات الاقتصاد الموازي في الداخل اللبناني. ويعتمد كذلك على مجموعة من الشخصيات المانحة والتي تقوم بدعمه بشكل غير منتظم لكنها تساهم في تغطية جزء من النفقات. 

وبعد الضغوطات الاقتصادية التي تم فرضها على إيران من قبل الولايات المتحدة، وتأثيرها على مستقبل الدعم المقدم للحزب، اتجه الأخير إلى تكثيف أنشطته الاقتصادية غير القانونية والعابرة للحدود، ومنها تجارة المخدرات (الحشيش والكوكايين) عبر شبكات مافيا وعصابات في دولتي كولومبيا وبنما تقوم بتهريب المواد المخدرة وإيصالها إلى أوربا[3]. عدا عن شبكات تبييض الأموال وغسيلها وتهريب العملات الأجنبية. وتصدير عشرات آلاف السيارات المستعملة من الولايات المتحدة لبيعها في غرب إفريقيا بشكل غير قانوني. كما يقوم الحزب بإنشاء وإدارة شركات وهمية زراعية وتجارية تشارك في مناقصات ومشاريع داخل لبنان وخارجه، وتعود أرباحها إلى قيادة الحزب. 

بالتالي فإن الحزب تمكن من توسيع نفوذه على جميع الأصعدة بعد أحداث 7 أيار/مايو داخل لبنان وخارجه بدعم مباشر من إيران، ما يشير إلى أن الحزب سيستمر بكثيف هذا التوجه وتنميته لا سيما على الصعيد المالي في المدى المنظور؛ على اعتبار أن الولايات المتحدة تحاول اتخاذ عدة إجراءات لمحاصرة حزب الله اقتصادياً ومنها إعلان وزارة الخزانة الأمريكية في نيسان/أبريل 2019، عن مكافأة تصل إلى عشرة ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات تفيد في عزل تنظيم حزب الله وكشف موارده المالية، واستهداف زعمائه في أي مكان بالعالم.

مشكلة مطار رفيق الحريري الدولي 

بالنسبة لصلب المشكلة عام 2008 وهو مطار رفيق الحريري، فبحسب معلومات خاصة بمركز “برق” عزز الحزب من نفوذه الأمني في المطار وأصبحت إدارته خاضعة له بشكل شبه كامل، على الرغم من وجود دائرة الأمن العام التابعة لقوات الجيش اللبناني والمسؤولة عن حفظ الأمن في المطار، لكن حزب الله أنشأ كياناً أمنياً موازياً له باسم شعبة المعلومات هي المسؤولة عن مراقبة المطار وشبكات اتصاله ورصد حركة مرور المسافرين واعتقال من يشتبه بمعارضتهم لسياسة حزب الله. وقد تم تسجيل عدة حوادث تثبت صحة هذه المعلومات. 

ويحاول حزب الله عرقلة أي مشاريع حكومية تهدف إلى إنشاء مطار دولي ثان في بيروت، للحفاظ على سيطرته الأمنية على حركة الطيران الدولية إلى لبنان، وكانت آخر تلك المشاريع في عام 2017، عندما أعلن مجلس الوزراء عن إجراء دراسة لبناء مطار جديد لكنها لم تُستكمل بسبب الضغوطات التي مارسها الحزب لإيقاف العمل على هذا الملف.   

بالنتيجة فإن سياسة حزب الله واستراتيجيته التصعيدية للتأثير في المشهد اللبناني لا تزال مستمرة، وقد اعتبر الأمين العام للحزب حسن نصر الله في عام 2009 أن “ذكرى 7 أيار هي يوم مجيد من أيام المقاومة وقد وضعت لبنان على طريق الحل وإخراجه من أزمته”، بهذه العقلية ينظر حزب الله لتلك الأحداث وتشير إلى استعداده لتكرار ذات السيناريو مجدداً لا سيما وأنه استطاع تقوية نشاطه الأمني والمالي والعسكري خلال الفترة السابقة معتمداً بشكل أساسي على حليفه الإيراني وشبكات تمويله الخارجية. بناء عليه يمكننا أن نسأل ما هو المستقبل السياسي للواقع اللبناني، وهل سيبقى حزب الله وحلفاؤه اللاعب الرئيسي فيه؟ وهل ستبقى قوى 14 آذار مرتهنة بسياسة فرض القوة التي يبدي حزب الله استعداده للقيام بها إذا تهددت مصالحه؟ الإجابة على هذه التساؤلات قد تكون مرتبطة إلى حد كبير بالتوجهات الدولية المعادية لسياسية الدولة الإيرانية الداعم الرئيسي للحزب، وسوف يكون مصيره مرتبط بجدوى سياسات الدول الفاعلة في مكافحة أنشطة طهران بالمنطقة.

[1] “من أين جاء سلاح حزب الله في القصير؟”. المدن، 14-11-2016. https://bit.ly/2YmhZUm

     “وزير الدفاع اللبناني يغطي على سلاح حزب الله”. صحيفة العرب، 26-4-2019. https://bit.ly/2IJ4Ale

[2] “من هو الحاج فادي رجل أموال حزب الله؟”. المدن، 18-5-2019. https://bit.ly/2Vujs8Y

[3] “تحقيق أميركي في تمويل حزب الله و”الاتجار بالمخدرات لغايات الإرهاب”.دي دبليو الألمانية،11-1-2018 . https://bit.ly/2W3fARq

 

جميع الحقوق محفوظة لدى برق للسياسات والاستشارات © 2019

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الرجاء الانتظار ..

النشرة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقى على اطلاع بأحدث الأخبار و الفعاليات
إغلاق
إغلاق