الاصداراتالنافذة المغاربيةتقاريرمتفرقات 1

الثورة التونسية: خطوات الصحو

tones
لابدّ أن نتفق قبل المباشرة في الحديث عن الثورة التونسية أو -أيّ ثورة- أنّه لا يمكن تناولها أبدا من المنطلق البسيط. إذ أنها ليست فقط قوة تجاسر على نظام مستبدّ أو رغبة في تحديد المصير الفردي و الجمعي بل هي انتقال من زمن إلى آخر[1]. و عمليّة المرور التي نتحدّث عنها لا يمكن أن تفهم إلا على أنها مسار أو سيرورة، و لدراسة ثورة ما يجب أن يبتدأ أولا باستيعاب هذه الفكرة فلا يمكننا الحكم بنجاحها أو فشلها إلا من خلال تتبّع آثار الزمن الأول و الزمن الثاني. و هو ما نحاوله في هذا المقال.
تونس قبل الثورة: هل كان المجتمع التونسي على استعداد؟
عمد بن علي منذ “تسلّمه” للحكم سنة 1987 إلى تصوير المشهد العام السياسي الجديد على أنه انتقال ديمقراطي فأعلن في بيان 7 نوفمبر بداية تأسيس “عهد جديد”[2] داعم للحقوق والحريات، وقد أنذر الخطاب الجديد الذي حمله معه ببداية حكم متحرّر من سلطة الزعيم الأوحد والأب الروحي. وقد تلقى هذا الخطاب ترحيبا من التونسيين خاصة بعد التنقيحات التي أدخلها بورقيبة وهو في السبعين من عمره على الدستور التونسي والتي تخوّل له رئاسة مدى الحياة.
واستطاع بن عليّ إلى حدّ ما الإقناع بمشروعه هذا خاصة وقد تزامن مع ما بدا أنّه تعاف للاقتصاد التونسي الذي كان قد عرف تدهورا في فترة حكم بورقيبة إذ تراجعت نسبة النمو آنذاك إلى 3,2% مسببة حالة من الإنكار ترجمت إلى احتجاجات زادت بشكل أو آخر في تعقّد و تعمّق الأزمة “البورقيبية”. وقد استدرك بن علي هذا الوضع حالما تولّى السلطة فتوجّه إلى سياسات اقتصادية أكثر انفتاحا، شهد الاقتصاد على إثرها انتعاشا في آواخر الثمانينات خاصة مع التدخّل المباشر للمؤسسات المالية الدولية والميل أكثر فأكثر إلى الخصخصة (وقع خصخصة 160 مؤسسة تمتلكها الحكومة[3]). إذ تشير الدراسات العالمية[4] إلى أنّ الأداء الاقتصادي التونسي في هذه الفترة احتل مراتب متقدمة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. إلّا أنّ هذه المظاهر النسبية التي تدلّ على صحّة الاقتصاد التونسي آنذاك تعارضت تعارضا صارخا مع نسب البطالة والفقر المرتفعة التي جعلت نظام بن علي يتخبّط أمام تراجع مردوده منذ بداية سنة 2000 تقريبا.
ويظهر هذا الخلل في تزامن النمو الاقتصادي مع ارتفاع نسب البطالة التي بلغت في بداية التسعينات 13%[5] وتركّزت بدرجات متفاوتة حظيت منها كل من الجنوب الغربي والشمال الغربي بالنصيب الوافر  21.1% حسب مؤشرات سنة 2000. ويعود ذلك بدرجة أولى إلى عدم تناسب الشهادات العلمية المسندة للشباب المتعلمين مع فرص الشغل المتاحة، إذ أنّ أغلب فرص العمل التي وفّرها الاقتصاد لا تحقّق طموح بعض الشباب خاصة المتحصلين على شهادات علمية جامعية ناهيك عن وجود عدد من العاطلين عن العمل غير متحصلين على شهادات أو ذوي تكوين ابتدائي أو أدنى وقد بلغت نسبة البطالة في صفوف هؤلاء تقريبا 14% سنة 2003. وهو ما ولّد شعورا بالظلم وانعدام الفرص، الأمر الذي عمّقه أكثر كل من عدم تكافؤ الفرص واللامساواة والفساد. فعلى مستوى الجهات نلاحظ تمركزاً “فاحشاً” لكافة الخدمات والمؤسسات العمومية في العاصمة، وغياب توزّع معقول لهذه المرافق بينها. وتظهر اللامساواة أيضا في تراجع نسب الفقر في العاصمة في حين تطورها في بقية الجهات خاصة الوسط الغربي والجنوب الغربي والشرقي إذ تطوّرت نسبة الفقر في القصرين من 19.3% إلى 30.7% ومن 30.3% إلى 40.3% بين سنتي 1990 و 2000، وفي سيدي بوزيد من 39.8% إلى 45.7%[6].وهو ما يؤكد عدم وجود إرادة سياسية للاهتمام بتنمية جادة في الأطراف على حساب المركزة في العاصمة، وسنلتفّ أكثر حول هذه الفكرة لاحقا إذ سنحتاج هذه النسب أثناء مراجعتنا لوضع تونس بعد الثورة وخاصة أنّ هذه المناطق الداخلية تحديداً كانت الشرارة الأولى للثورة.
ولا يفوتنا ونحن نتحدث عن اللامساواة التطرّق إلى ملف الفساد في تونس، الذي كانت عائلة زين العابدين بن علي والمقربين منها طرفا رئيسيا فيه. فوفق الوثيقة المسربة عن موقع (ويكيليكس) سنة 2010[7] تفاقم فساد العائلة الحاكمة في تونس والمقربين منها حتى طال الجانب المالي والخدمات والممتلكات والأراضي وغير ذلك، وقد اعتمدت في ذلك سياسة الابتزاز والسلب نذكر منهم استنادا إلى الوثيقة المسرّبة، فساد بلحسن الطرابلسي شقيق ليلى الذي عرف “عنه  تورطه  في المخطّطات الفاسدة التي هزّت مجلس إدارة البنك التونسي”[8] ذلك إلى جانب ما عرف عنهم من احتكارهم بشكل مباشر أو غير مباشر لبعض البنوك.
وأثّرت هذه السيادة المطلقة والاحتكار بشكل جليّ على الاقتصاد من جهة وبالتالي التشغيل وتوزيع الفرص من جهة أخرى إذ أصبح المستثمرون التونسيون يتجنّبون الدخول في استثمارات جديدة خوف لفت انتباه المحيط العائلي لابن علي الأمر الذي جعل “من نسق الاستثمار الداخلي منخفضاً عند أدنى مستوى” مؤثرا بشكل واضح على التشغيل وانتشار البطالة وذلك لا من هذه الناحية فقط بل من ناحية احتكار الوظائف الحكومية وذلك من خلال الرشاوى والعلاقات. وتزامنا مع كل هذا الفساد أحكم بن علي قبضته على الحياة السياسية ومارس سلطة الأب الروحي التي أعلن انتهاءها في بيان 1987 وقمع الحريات الشخصية وكبت حريّة التعبير – إذ سيطرت الدولة على البث الإذاعي وسيّرت القنوات التلفزية- معلنا بذلك عن تكوّن نظام حكم متناقض ومستبد على جميع الأصعدة.
وقد أثار ذلك حفيظة التونسيين وعمّق الشعور لديهم لا بالظلم والقهر والاستبداد فقط ولكن بالغفلة، الأمر الذي ترك علامات على أرض الواقع جاءت ردا وانفجارا على هذا الوضع إذ اندلعت في فترات متفرقة حركات احتجاجية تميزت بطبيعتها الشعبية المطلبية متمايزة عن السياسي النخبوي، ونذكر منها الأحداث الشهيرة لانتفاضة الحوض المنجمي التي أعلنت فيها سنة 2008 عن نتائج مناظرة شركة فسفاط قفصة المشطّة إذ جاءت النتائج مخيبة لآمال المتقدّمين لها وخاضعة لسياسات الولاء والرشاوى، الأمر الذي قوبل برفض واستنكار لتتوسّع الاحتجاجات المندلعة من الرديّف في حركة تصعيدية دالّة على احتقان الوضع في هذه المناطق الداخلية وكاشفة عن تراكم أسباب هذا الانفجار المتعلقة أساسا بالفقر والتهميش و البطالة. ويجب أن نشيّد ههنا باختيارنا هذا، إذ اكتسبت هذه الاحتجاجات طابعا موسّعا شمل كافة القاطنين بمناطق الحوض المنجمي، هذا من جهة أمّا من جهة أخرى فقد تميّزت الانتفاضة بالاستمرارية والتشبّث بمبدأ الاحتجاج والرغبة في تغيير واقع هذه الجهات، الأمر الذي نرى فيه صراحة تجسيدا أو” بروفة” أولى للثورة. صحيح أنّها لم تحظ بالقاعدة الجماهيرية اللازمة إلا أنها أثبتت نفسها كحركة احتجاجية منظمة وشاملة.
ونستحضر ههنا أيضا أحداث بن قردان الواقعة تقريبا في 10 ماي (أيّار) 2010، أي أربعة أشهر قبل اندلاع أحداث الثورة التونسية وذلك على إثر غلق السلطات المعبر الحدودي “رأس جدير” واحتجاج التجار على هذا القرار لما يلحقه من ضرر بتجارتهم فكانت المواجهات عنيفة بين الشرطة والمحتجين.
ونستطيع أن نقف مما ذكر سابقا على نقطتين هامتين، أوّلهما: أنّ الوضع الاجتماعي والاقتصادي المتردّي وتراكم الممارسات المكرّسة لهذا الوضع هي الدافع الرسمي للحركات الاحتجاجية قبل الثورة، وثورة 14 جانفي ليست سوى امتداد لهذا النسق من الاحتجاجات. إذ رفعت في بداية الثورة شعارات من قبيل “شغل، حريّة، كرامة وطنية” مؤكدة على مطلبها الواحد والرئيسي وهو التشغيل والحريات وسميّت الثورة بعد ذلك استلهاما من شعاراتها فسميّت بـ”ثورة الكرامة” ثم تطوّرت الشعارات إلى إسقاط النظام، وفي ذلك يذكر عزمي بشارة أنّ الثورة كانت “عفوية” أي بمعنى أنها لم تخطط في بادئ الأمر إلى قلب نظام الحكم في تونس وهذا الفهم للعفوية لا يخرج عن فهمنا حتى للثورات الكبرى في التاريخ[9]، بل شغلها بداية رفض الواقع الاجتماعي وانعدام المساواة والعدالة معبّرة بذلك عن يأسها من النظام. هذا اليأس الذي تطوّر لاحقاً إلى مطالبة بإسقاطه. ويمكننا أن نخلص في نهاية كلّ هذا الاستعراض إلى أنّ الثورة التونسية ثورة اجتماعية شعبية تدور مطالبها بالأساس حول محور اقتصادي اجتماعي.
أمّا النقطة الثانية التي أدرجناها سابقا فنشير من خلالها إلى الوعي السياسي التونسي، هذا الذي يؤكد أنّ ثورة 14 جانفي ليست تحرّكا شعبيا آنيا متأت من فراغ، إذ تؤكد الاحتجاجات السابقة أنّ للثورة تراكمات ونسق كامل. ولنا في بعض الاحتجاجات دليل على هذا الوعي السابق إذ أنّ الطرق النضالية المتعددة المتّبعة في انتفاضة الحوض المنجمي مثلا دلّت على حيوية الشعب التونسي وقدرته على استيعاب ما حوله من أحداث وتمثّلها[10]. الأمر الذي يؤكد جاهزية المجتمع التونسي للديمقراطية ونضوجه حتى قبل الثورة وسيره نحو هذا الهدف في طريق كان من المؤكد أنّه سيفضي إلى ثورة عاجلا أم آجلا.
ونستطيع أن نقرّ ههنا أنّ بداية الثورة في تونس كانت استكمالا لمسار سابق من الاحتجاجات ومن النضال، هذا المسار الذي أكدّ أنّ فعل الثورة والنجاح في إسقاط النظام هو في حدّ ذاته نجاح تجربة هامة.
 
تونس بعد الثورة: خطوات الصحو
(المشهد السياسي و الاقتصاد: الإنجازات و المخاوف)
ذكرنا فيما سبق أنّ جملة مطالب الثورة تركّزت بالأساس بادئ الأمر على مطالب التشغيل ثم تطورت إلى إسقاط النظام. ولذلك اخترنا في حديثنا عن سيرورة هذه الثورة ودراسة مدى نجاحها أن نتجه إلى محورين أساسيين هما قطب الرحى في الثورة التونسية وهما المجال السياسي والاقتصادي.
وإذا أردنا صياغة حكم استباقي للتحليل حول المجال السياسي نذكر أنّه الورقة الرابحة في الثورة عموما، إذ استطاع المشهد السياسي أن يكون ديناميكيا بعد سنوات من الديكتاتورية. ونرى ذلك في الأعداد الهامة للأحزاب المسجلة إبان الثورة التي ترجمت رغبة واضحة في المشاركة في الحياة السياسية. ويجب أن نذكر ههنا أيضا أنّ هذه الأحزاب متنوعة ومتباينة وهو ما أثرى حقا الحياة السياسية، الأمر الذي يدفعنا للتشييد بدور هذه التعددية خاصة عندما نتحدث عن الائتلافات بين الأحزاب السياسية التونسية. إذ يعدّ ائتلاف 2011 الذي ضمّ كلّا من حركة النهضة والمؤتمر من أجل الجهورية والتكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات إنجازا من إنجازات الثورة على الصعيد السياسي، وقد قاد هذا الائتلاف على أوجه عدّة الثورة التونسية بعيدا عن دوامة الصراعات والعنف، الأمر الذي لم تنجح فيه باقي الثورات العربية الأخرى إذ لم ترض إلا قيادة دفّة البلاد بمفردها حازمة في ذلك. أمّا الوضع في تونس فقد كان مختلفا إذ دعت حركة النهضة الحاصلة على أغلبية المقاعد في المجلس الوطني التأسيسي التونسي وهي حزب إسلامي كلّا من الحزبين الآخرين، حزب المؤتمر، اليساري الوسطي و حزب التكتّل، الديمقراطي الاشتراكي، لتكوين ائتلاف حاكم. وفي ذلك حقيقة سابقة جنّبت البلاد التونسية سيناريوهات أخرى غير مرغوب فيها.
وقد عمل هذا الائتلاف إلى جانب الأحزاب الأخرى إلى حدود سنة 2014 ساعة حُلّ، على استكمال صياغة الدستور التونسي الذي أدّى بعد المصادقة عليه إلى إعلان الجمهورية الثانية وهو الحدث الثاني الذي نريد أن نشيّد به فيما يتعلق بإنجازات الثورة. إذ أنّ الأحداث التي زامنت أعمال المجلس الوطني التأسيسي كان بإمكانها إجهاض هذا المجهود وجعل الثورة “عرجاء”. إذ شهدت البلاد اغتيالين سياسيين هزّا البلاد التونسية، اغتيال كل من شكري بلعيد ومحمد البراهمي وذلك في نفس السنة أي سنة 2013. وقد وجّهت أصابع الاتهام في كلتا الحالتين للحزب الحاكم وجاء الاغتيال الثاني مستفزا للوضع السياسي الحساس فكان “اعتصام الرحيل” الذي ندّد بالاغتيال ودعا لحلّ الحكومة  آنذاك -حكومة علي العريّض- وحلّ المجلس الوطني التأسيسي.
وكان ذلك ليرسم مسارات أخرى لاشكّ أنها كانت لتعطّل أكثر الانتقال الديمقراطي وربّما تنحو بالبلاد إلى الصدام. وإعلان الجمهورية الثانية بذلك دليل على نجاح في مرحلة من مراحل الانتقال الديمقراطي. ويجب أن ننوّه ههنا إلى أنّ الائتلافات هي أيضا قد تعدّدت ولنا أن نضرب في ذلك مثال الائتلاف الحالي بين حركة النهضة ونداء تونس، كذلك ائتلاف الجبهة الشعبية، ونرى في ذلك فهما ووعيا بضرورة إرساء مشهد سياسي حركي لا بل وأيضا متطوّر. هذا الوعي الذي سنرى فيما سيأتي أنه لا يعكس بالضرورة نتائج إيجابية في كلّ الحالات ولنا في هذا قول نستأنف به.
ومن الجدير بالذكر أيضا في صلته بالمجال السياسي دور منظمات المجتمع المدني في تسيير الحياة لا فقط السياسية بل والاقتصادية والاجتماعية أيضا وذلك لضمان حسن مردوديتها. وقد لعب في ذلك كل من الاتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، والهيئة الوطنية للمحاميين في تونس دورا نذكره وتذكره الجوائز العالمية في رعاية الحوار الوطني إثر أزمة 2013 التي تعطّل فيها عمل المجلس الوطني التأسيسي وتفاقم الشرخ بين الائتلاف الحاكم والمعارضة، إذ نال هذا الرباعي الراعي للحوار سنة 2015 جائزة نوبل للسلام.
وكلّ ما ذكرناه إلى حدود هذا المستوى هو في حقيقة الأمر تطرّق لما وجب التعرّض إليه، وليس في ذلك اختيار شخصي منا وإنما ضرورة يمليها علينا الواقع. الواقع الذي يحمل أكثر من وجه. فلئن كان المجال السياسي الورقة الرابحة على مستوى واضح حدّدناه وهو حركية المشهد السياسي فإنّه بإمكاننا في الوقت نفسه أن ننتقده من داخل هذا المستوى. وهنا يكمن لبّ ما نرغب أن نسميه “النجاحات الساخرة”، فلنا من جهة تفاعل الأحزاب بعضها ببعض وائتلافها ومساهمتها في تطعيم ليونة المشهد السياسي نتائج قد لا تساهم بالضرورة في استكمال هذا الوجه. فإثر ائتلاف كل من حركة النهضة ونداء تونس ظهرت حركة انشقاق داخل كتلة النداء بين داعم ورافض وتعمّق هذا الخلاف والانشقاق في الحزب الحاكم إلى حدّ تعيين أمين عام خاص بكلّ طرف. وبداية هذه الانشقاقات داخل الكتل والصراعات الداخلية لا يمكن إلا أن تعكس توترا في الوضع السياسي، هذا التوتر الذي تخفيه الأرقام العالمية والإنجازات وحتى الجوائز العالمية، جائزة نوبل للسلام أنموذجا فرغم حصول الرباعي الراعي للحوار على الجائزة واحتفاء العالم بالانتقال الديمقراطي إلاّ أنّ ذلك لم يخف ولم يكتم ردود فعل الشارع التونسي إذ تراوحت بين متعجب ومستنكر. فالاتحاد العام التونسي للشغل الذي كان أحد أطراف الرباعي والذي “استحق” الجائزة لمساهمته في مبادرة سابقة من نوعها في التوفيق بين المعارضة والائتلاف الحاكم وتسريع عملية المصادقة على الدستور، هو نفسه من وقف وقفة الداعم في اعتصام الرحيل الذي طالب بحلّ المجلس الوطني التأسيسي وإسقاط حكومة علي العريض. وذلك ليس من الغرابة في شيء – نقصد ارتدادهم لموضع من يريد إرساء حوار وطني- إذا ما ذكرنا أن الاتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية قد جلسا على طاولة التفاوض لمناقشة الزيادة في الأجور في القطاع الخاص، المطلب الذي راسل به الاتحاد العام التونسي للشغل سنة 2015 منظمة الأعراف في ظلّ وضع اقتصادي متدهور وظرف  بالغ الحساسية لتتعقّد العلاقة بين الاتحادين بعد ذلك إثر تشبث منظمة الأعراف رفض الزيادات. وبناء على كل هذا كان لنا أن نتساءل عن حقيقة الوضع السياسي في البلاد وعن مدى صمود هذه الإنجازات التي لم تنفكّ تبهر العالم. فإذا ما توقفنا عند الحساسيات لا فقط داخل الحزب الواحد –حزب نداء تونس كما بيّنا سابقا- بل أيضا بين الأحزاب وتراشق التهم وتحويل هذا التراشق إلى أفعال على أرض الواقع تهدد بفكّ وتعطيل مسار الانتقال الديمقراطي، لنا أن نتساءل عن مدى مصداقية هذه الائتلافات وهل أنّ الوضع في تونس رهين شرارة ما حتى يقع الانفجار.
أسئلة سنرجئ الحديث عنها في محطة لاحقة من هذا المقال، وذلك رغبة منّا في تناول المشهد التونسي كاملا غير متجزئ. إذ لا يسعنا الحديث عن السياسية دون التطرّق للاقتصاد، شريكه العضوي.
وسنعمد في هذا الجزء إلى تقييم الاقتصاد التونسي بعد الثورة، هذا الاقتصاد الذي ما انفك يتدهور في السنوات الأخيرة حتى وجد نفسه في ازمة. ولا ننفي في المقام الأول الدور الرئيسي الذي لعبته المديونية الخارجية وحجمها المتزايد في تعميق هذه الأزمة إذ بلغت جملة الدين الخارجي سنة 2015 54489 مليون دينار تونسي بعد أن كانت 51475,2 مليون دينار تونسي سنة 2014[11] ، ويكمن جوهر السؤال حول هذه المؤشرات في تناقض سياسات الحكومات المتعاقبة مع هذا التضخم في المديونية إذ تعاملت بعض الحكومات منها حكومة التكنوقراط مع المسألة الاقتصادية معاملة غير جديّة أنبأت فيها تصريحاتهم عن توخيهم للسياسات التقليدية نفسها تحت إشراف المؤسسات العالمية دون نيّة في تجديد السياسات كما شجعت فيها أيضا على الاقتراض الخارجي والاكتفاء في الحديث عن النفقات بضرورة تضحية المواطن التونسي وتحمّله -كما ألمحت- لبعض الإجراءات كتقليص الدعم وعدم اللجوء إلى الانتدابات في الوظيفة العمومية، في حين أنها لم تتعرّض في خطابها إلى التقليص من مصاريف الدولة وامتيازاتها ونفقاتها المرتفعة[12] التي أخذت في ميزانية 2017 تحت اشراف الرئيس الجديد للحكومة يوسف الشاهد شكلا مستفزا إذ ارتفعت ميزانية رئاسة الجمهورية 12% مقارنة بالسنة الماضية.
الأمر الذي يدفعنا دفعا إلى التساؤل عن مدى جديّة الأطراف السياسية في التعامل مع الملف الاقتصادي والمالي، وهل أنّ هذه الجلبة السياسية وارتفاع الأصوات ليست سوى رجع صدى أمام المشاكل الحقيقية. إذ لم يخل المشهد أيضا من تفاقم كلّ من البطالة والفقر في المناطق ذاتها التي اندلعت منها الثورة و التي تميزت فيها نسب الفقر بالارتفاع حتى قبل الثورة إذ مرّت نسبة الفقر في سيدي بوزيد سنة 2010 من 32,3% إلى 33% سنة [13]2015 وتواصلت أيضا نسب البطالة في الارتفاع إذ تزايدت نسبة بطالة أصحاب الشهائد العليا في القصرين من 38,9% إلى 46,9% بين سنتي 2010 و 2015[14]. وما تركيزنا على هذه المناطق الداخلية بالذات دون غيرها إلا لاعتبارنا أنّ لهذه المناطق دورا كبيرا في تحديد مسار نجاح الثورة و استكمال المطالب التي رفعت في بدايتها إذ أنّ ملف الاقتصاد منذ بداية الثورة كان موجّها بعناية خاصة إلى هذه المناطق الداخلية وذلك بغية خلق توازن في توزيع الاستثمارات والنأي عن سياسة اللامساواة الجهوية والأمر المخيف والداعي إلى تحرّك فوري في آن هو أنّ المؤشرات تستمر في الارتفاع رغم القروض التي أخذتها البلاد التونسية والموجّهة بالأساس إلى الاستثمار. ولا نقصد بالخوف هذه النقطة فقط بل نشير إلى انعكاس ذلك على الشارع التونسي وعلى المواطن نفسه، إذ استنادا إلى تقرير المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية لشهر أوت- آب 2016 [15]حول الاحتجاجات الاجتماعية فإنّ أغلب الاحتجاجات كانت ذات طابع اجتماعي مندّدة بالتهميش والبطالة وإشكالات الماء والنور الكهربائي وارتفاع الأسعار وتدنيّ المقدرة الشرائية، لا ذلك فقط بل ومنددة أيضا “بالثراء السريع لبعض الفئات الاجتماعية مقابل تطوّر مختلف مؤشرات الفقر وارتفاع عدد الذين يعانون الخصاصة وحتى الحرمان” .
ويذكر التقرير أنّ أكثر المناطق الحاضنة للاحتجاجات الاجتماعية بمعدل خمسين احتجاجا في شهر أوت، كانت كلّا من القصرين وسيدي بوزيد والقيروان ونلاحظ ههنا أنّ “ثنائية الداخل المنكوب”: سيدي بوزيد و القصرين لاتزال تحتل المراتب الأولى في التهميش وفي الاحتجاجات، ولا يفوتنا هنا أن نقيّم هذا الوضع المحتقن بأنه قاب قوسين من التطور السريع والانفجار وهو الشعور العام للشارع التونسي الذي يرى أنّ الثورة تتجه صوب مناطق خطرة. وبالفعل ينحو الوضع الاجتماعي والاقتصادي المتردّي بالثورة إلى جهة اللاستقرار حيث اندلعت في الفترات الأخيرة في شهر أكتوبر تحديدا من سنة 2016 موجة من الاحتجاجات في مدينة القصرين أدّت إلى تصاعد المواجهات وفرض الدولة حظر تجول جزئي إذ امتدت الاحتجاجات إلى المعتمديات. وهذا الحادث رغم تطويق الدولة له إلا أنه يعكس بشكل خطير الوضع الحساس للدولة التونسية ويتنامى هذا الشعور لدينا مع اللاستقرار الأمني في البلاد و تتالي الضربات الإرهابية وبقاء ملف مقاومته غامضا وغير حاسم مع العودة المقلقة للإرهاب في مناطق كان أغلب الظنّ أنّ المسألة قد حسمت فيها[16].
كلّ هذه المعطيات تمنحنا أحقيّة في التخوّف مما قد تؤول إليه الأمور، فالثورة التونسي قامت بالأساس كحراك شعبي مطالب بحقّ العيش بكرامة وبحقّ التشغيل وتحسين أوضاعه الاجتماعية والمساس بهذه المطالب أو عدم التقدّم في البحث فيها  يمكن أن يفجر الأوضاع من جديد، ولنا فيما ذكرنا سابقا من أحداث القصرين خير مثال على ذلك إذ اختار البعض أن يسمي هذه الأحداث ب “الثورة الجديدة”. ولا يبدو الاستقرار السياسي من ناحية تحقيق التعددية والمساهمة في الحياة السياسية عامة بمنأى عمّا نتحدّث عنه، فالوضع السياسي مرتبط بطريقة أو بأخرى بالاقتصاد وسنعمد فيما يلي إلى توضيح الفكرة.
تحدّثنا في معرض إشادتنا بالوضع السياسي وإنجازاته العامة عن حركية وحيوية المشهد السياسي التونسي، إلا أننا نتساءل ههنا عن مدى مردودية هذه الحيوية. وسنجيب عن ذلك من خلال فكرة أنّ الحياة السياسية تبدو فيما تبدو منقطعة عن الحيوات الأخرى الاجتماعية والاقتصادية، إذ لم تغيّر أي حكومة الوضع الاقتصادي في البلاد ولم تأتِ بشيء يذكر سوى ارتفاع نسبة البطالة في الجهات الأحوج إلى التنمية وتراجعه بدوره فيها. فالحياة السياسية المفعمة بالديناميكية والتي شدّت إليها أنظار العالم وأبهرته بتجاوزها لمحنة الفوضى و تمركز السلطة في يد حزب واحد يقصي بقية المشاركين، هي في حقيقة الأمر تسير في خطّ متواز والوضع العام بالبلاد التونسي، فهذا النشاط السياسي لا يعكس أية نتائج تذكر على أرض الواقع لا على مستوى السياسات المتخذة أو الحلول المقدمة بل تساهم أحيانا بالإجراءات التي تتخذها في تعميق الأزمة وفي ذلك مفارقة تدعونا إلى مراجعة هذا المكتسب.
إنّ المسار الذي تتبعه الثورة التونسية لا يبدو –الآن على الأقل- سائراً صوب وجهة واضحة، خاصة في ظلّ تفاقم سوء الوضع الاقتصادي وعجز الأطراف السياسية على الإتيان بحلول واقعية وجديّة. و لا نرى مناصا من تتبّع بعض الخطوات الهامة بغية رسم طريق إنقاذ. و لعلّ هذا الأمر يتطلّب بدايةً المباشرة الفعلية في محاربة الفساد. إذ أنّ حساسية هذا الملف تخوّل له أن يلعب دورا هاما في تثبيت مصداقية الحكومة. إلا أنّ ما لاحظناه هو أنّ الحكومة تمعن في التحرّك ضدّ مصلحتها و مصلحة الشعب التونسي إذ لم تعكس قراراتها رغبة جدية في التعامل مع هذا الملف ونشير هاهنا إلى قانون المصالحة الوطنية الذي يهدف بشكل أساسي إلى إقرار العفو لفائدة الأشخاص الذين كانوا جزءا من الفساد المالي و إهدار المال العام.
ذكرت الحكومة أنّ مشروع المصالحة الوطنية مبادرة هامة لتنشيط الحياة الاقتصادية في تونس و لإنقاذ ما يمكن إنقاذه إلّا أننا نرى فيه كما يرى أطراف المجتمع المدني التونسي (إذ نظم شباب من المجتمع المدني و حقوقيون حملة “مانيش مسامح” تنديدا بهذا المشروع) توغلا أكثر في الفساد و دعوة صريحة مستفزة “لمعانقة” الأطراف الذين حاولت الثورة الإطاحة بهم. ونرى أنّ على الحكومة التراجع عن هذا المشروع و ذلك مراعاةً للوضع الاجتماعي التونسي المحتقن و تجنّبا للتبعات السريعة لمثل هذه القرارات.
و نجد أنفسنا بالحديث عن تجديد الثقة بالحكومة أمام نقطة استفهام كبيرة فيما يتعلّق بالقروض المسندة إلى الدولة التونسية. إذ بيّنا فيما سبق ارتفاع مؤشر المديونية الخارجية و مع ذلك لم نشهد طيلة هذه السنوات الست ما يشير إلى استثمار حقيقي لهذه القروض. و تبعا لذلك و دفعا للشبهة التي يمكن أن تضعف ثقة المجتمع في حكومته يجب أن تتوخى هذه الحكومة الشفافية التامة أثناء تعاملها مع مسألة القروض أو مع أي مسألة أخرى كأن تستغلّ مجال المعلومات الرقمية و توظفه فتعرض الوثائق الرسمية و كل ما يتعلّق بمصير هذه القروض و صرفها في المواقع الرسمية و ذلك من خلال توفير إمكانية لا فقط الولوج اللامقيد لهذه المعلومات و إنما توسيع نوعية المعلومات المعروضة دعما و إثباتا للشفافية [17].
اعتمدت الحكومة كلّا من الاقتراض و مشروع المصالحة وسيلةً لدفع عجلة الاقتصاد إلّا أننا بيّنا أنّ هذه الحلول ترسّخ ممارسات الفساد ، و كان الأولى أن تلتفت الحكومة إلى حلول أخرى نسوق منها مثلا تطوير سوق الشغل. إذ أنّ سوق الشغل التونسي لايزال يتسّم بالطابع التقليدي الأمر الذي يعطّل من جهة فرص فتح مجالات جديدة للاستثمار و يلزم من جهة أخرى المجتمع بعدد محدود من فرص التشغيل. في حين أنّها يمكن أن تنفتح على أسواق جديدة و تنخرط في اقتصادات جديدة كالاقتصاد الرقمي.
إنّ ما يثير فضولنا حقيقة أثناء تحليلنا للثورة التونسية هو سياسات الحكومات المتعاقبة إذ أنها تسير بشكل واضح ضدّ التيّار و تخوض تجارب مستفزّة بالنسبة إلى المجتمع التونسي. الأمر الذي يجعلنا نتساءل إن كان المجتمع التونسي قادرا على تفهّم لا صعوبة هذا المخاض فقط بل و تحدّي السلطة له أم أنّه سيواجه هذا التراخي كسلب جديد و تهديد بإجهاض الثورة.
 
 
*عنوان قصيدة لسعدي يوسف.
[1] بشارة (عزمي) ، الثورة التونسية المجيدة بنية ثورة و صيرورة ، المركز العربي للأبحاث و دراسة السياسات ، ط 1 ، بيروت 2012.
[2]عبارة استعملها زين العابدين بن عليّ في بيان 7 نوفمبر 1987.
[3] African Development Bank Group Tunisian, Economic and Social Challenges Beyond the Revolution ,Published by  African Development Bank Group (AFDB) and Temporary Relocation Agency (TRA) , 2012 .
[4]WORLD BANK GROUP, The unfinished revolution: Bringing Opportunity, Good jobs and Greater wealth to all Tunisian , Synthesis Development Policy Review , may 2014
[5]م.ن
[6]African Development Bank Group Tunisia, Economic and Social Challenges Beyond the Revolution ,Published by African Development Bank Group (AFDB) and Temporary Relocation Agency (TRA) , 2012
[7]عن موقع ويكيليكس : https://wikileaks.org/plusd/cables/08TUNIS679_a.html
[8]م.ن
[9]بشارة )عزمي(، الثورة التونسية المجيدة بنية ثورة و صيرورة، المركز العربي للأبحاث و دراسة السياسات ، ط 1 ، بيروت 2012.
[10]عمروسية )عمار(، انتفاضة الحوض المنجمي، موقع الحوار المتمدن، محور: الحركة العمالية و النقابية، عدد 2302، 2008.
[11]من إحصائيات البنك المركزي التونسي.
[12]المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية و الاجتماعية- قسم الدراسات ، قراءة نقدية في تعاطي حكومة التكنوقراط مع الملفات الاقتصادية و الاجتماعية.
[13]الباجي عكّاز ( محمد سميح)، ديسمبر 2010- ديسمبر 2015 مثلث الفقر و التهميش ، موقع نواة 2015، متوفر على الرابطhttps://nawaat.org/portail/2015/12/18/%D8%AF%D9%8A%D8%B3%D9%85%D8%A8%D8%B1-2010-%D8%AF%D9%8A%D8%B3%D9%85%D8%A8%D8%B1-2015-%D9%85%D8%AB%D9%84%D9%91%D8%AB-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%82%D8%B1-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%87%D9%85%D9%8A%D8%B4/
[14]م.ن
[15]المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية و الاجتماعية- قسم الدراسات، قراءة نقدية في تعاطي حكومة التكنوقراط مع الملفات الاقتصادية و الاجتماعية.
[16]المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية و الاجتماعية –أنشطة و تقارير ،التحركات الاحتجاجية الاجتماعية الجماعية و الفردية خلال شهر أوت 2016 ، 2016 في : http://ftdes.net/ar/2016/09/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AD%D8%B1%D9%83%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AD%D8%AA%D8%AC%D8%A7%D8%AC%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85/
[17] أشير في تقرير البنك الإفريقي أيضا إلى هذه الفكرة (ضرورة استغلال مجال المعلومات) : African Development Bank GroupTunisia, Economic and Social Challenges Beyond the Revolution ,Published by African Development Bank Group (AFDB) and Temporary Relocation Agency (TRA) , 2012
لتحميل هذا التقرير إنقر هنا
 
 
 

 جميع الحقوق محفوظة لدى مركز برق للأبحاث والدراسات © 2016

الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مركز برق للأبحاث والدراسات “

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الرجاء الانتظار ..

النشرة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقى على اطلاع بأحدث الأخبار و الفعاليات
إغلاق
إغلاق