الاصداراتالتنمية الاجتماعيةدراسات

التعليم وأسئلة المستقبل

مقدمة:

تعتبر منظومة التعليم واحدة من أعمدة تشكيل وعي الفرد وهويته في مجتمعنا العربي اليوم، وقد اختلف دور التعليم وأهدافه عبر سياقنا العربي -الإسلامي تبعًا لاختلاف واقعنا السياسي وتطور طبيعة حياتنا الاجتماعية، والمؤثرات والعوامل والغزوات الخارجية التي امتصَّتها أمَّتنا أو استجابت لها ضمن سياقات خاصة مختلفة أفرزت العديد من النتائج الظاهرة والخفية.

والواقع أن الإسلام كمكون أساسي من مكونات ثقافة الشعوب العربية وقيمها ومشاعرها، وما نشأ عن الإسلام من قواعد حاكمة وأفكار متغيرة كان المكوَّن الأهم والأكثر تأثيرًا في معادلة التعليم وتوجهاته في تاريخنا العربي الإسلامي. ولقد تحوَّلت مفاهيمنا وقيمنا وثقافتنا ومشاعرنا تجاه عملية التعليم  ضمن معايير خاصة بنا ارتبط بناؤها بالإسلام ومبادئه؛ حيث كانت فكرة التوحيد (لا إله إلا الله) ناظم العقد في علاقة الإنسان المسلم بالعلوم كافَّة (الشرعية، الإنسانية، الكونية) فالمسلمون –باختلاف مذاهبهم- متفِّقون على أصل التوحيد وبالتالي ظهر أثر هذه العقيدة في نظرتهم إلى العلوم من حيث قبولها أو رفضها مبدئيًا كعلوم. ومن حيث تعاملهم معها وبحثهم فيها عن أثر التوحيد ودلائل الوحدانية[1].

وبشكل أكثر تفصيلًا فإننا قادرون –إجرائيًا- على تقسيم العلوم إلى ثلاثة أقسام: العلوم الشرعية وتشمل علوم القرآن والسنة واللغة العربية وما يتفرع منها وما تحتاجها هذه العلوم ليتم فهمها أو شرحها أو تأصيلها. العلوم الإنسانية وهي كل العلوم التي تتعامل مع الإنسان ونفسيته وعلاقاته وتصرفاته وقوانينه وتاريخه وغير هذا مما يتصل به مباشرة. ثم العلوم الكونية وهي كل العلوم المتعلقة بمعرفة الكون وقوانينه الفيزيائية والكيميائية والطب والصيدلة والهندسة وغيرها.

ضمن السياق الإسلامي ارتبطت هذه الأقسام الثلاثة معًا برباط ثري ضمن منظومة التوحيد الذي كان كالجوهر الذي تنطلق منه كافة العلوم، بحيث كانت الغاية التي يستبطنها العالم المسلم قبل دخوله إلى أي مجال من المجالات السابقة هو تحقيق عبادة الله (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) وعمارة الأرض (هو الذي أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها). وقد أوضح سيد حسن نصر في كتابه: “مقدمة إلى العقائد الكونية الإسلامية” إلى أنَّه وعلى الرغم من اختلاف مذاهب العلماء المسلمين وطوائفهم بين السنة والشيعة والباطنية وغيرها إلا أن أثر التوحيد – وهو الفكرة المركزية الإسلامية المتفق عليها- كان ظاهرًا في منتجاتهم العلمية جميعًا. “فجميع هؤلاء المؤلفين يتعاملون مع عالم خالقه وحافظه هو الباري –سبحانه وتعالى-“[2].

وهو ما يؤكد فكرة ارتباط العلم بكل مستوياته بالمرجعية الفكرية التي يستند إليها العالِم وظهور أثرها في إنتاجه العلمي حتى ولو كان علمًا طبيعيًا بحتًا[3]. وقد استمر الأمر على هذا النحو في العالم الإسلامي حتى بدأت عملية تكسير لهذه الوشائج بين مستويات العلوم ومرجعيتها وصولًا إلى العصر الحديث وما صاحب حياة المسلمين فيه من علمنة استطاعت أن تخلط الأوراق وتفتت المرجعيات وتفسد القيم وتغير الأولويات حتى فقد المسلم إجابته على أهم سؤال ينطلق منه في دراسته. لماذا أتعلم؟[4].

1. حول سؤال الجدوى، لماذا نتعلم؟

حينما نتحدث عن الحياة في مجتمع مسلم–عربي، فإننا لا يمكن أن نغفل المقدمة السابقة المتعلقة بارتباط العلم والعليم تاريخيًا بالدين بشكل جذري وانفصالها عنه تدريجيًا ضمن السياق الاستعماري الذي سعى إلى علمنة المجتمعات الإسلامية وإفسادها سياسيًا واجتماعيًا وثقافيًا. فالمسلمُ أجاب سابقًا على هذا السؤال عبر تاريخه بطريقة عمليةٍ ارتبطت -كما ذكرتُ- بإيمانه بوحدانية الله وتحقيق عبادته وعمارة الكون وعدم إفساده فيها.

في العصر الحديث أدَّت عمليات التحديث على النمط الغربي الذي قادته نخبة في المجتمعات العربية والتي استوردت المنتجات الثقافية والعلمية والتنظيمية الغربية بصرف النظر عن القيم الحاكمة لها. ثمَّ بدأت عملية العلمنة الشاملة التي شهدتها مرحلة نهاية الدولة العثمانية ومرحلة الاستعمار وما بعده إلى إعادة إنتاج العملية التعليمية كاملةً وفق معايير ومبادئ غربية ترتكز على أسس لم تعهدها الأمة العربية الإسلامية في تاريخها. فأصبح المسلم -حينما وُضِعَ فيها عنوةً- منزوعًا من سياقه وتاريخه وقيمه وبعيدًا عن غاياته الكبرى ومتناقضًا مع معتقده في كثير من الجوانب، فصار غريبًا عن جذوره وأصوله التي ينطلق منها تجاه تعاطيه مع العلوم.

ولهذا صار السؤال اليوم: لماذا نتعلم؟ واحدًا من أكثر الأسئلة تركيبًا وصارت الإجابة عليه في المجتمعات العربية الإسلامية مرتبطةً بواقع كل فردٍ وبيئته وخصوصيتها وذاتيتها!

هل فعلًا نحن –وكما يزعمُ كثيرون- نتعلم من أجل خدمة قضايا الأمة، أم من أجل خدمة ديننا، أم نتعلم من باب الرفاهية وتوفُّر الوقت، أم لأننا وجدنا أنفسنا داخل حتمية لا بد من ولوجها، أم أنَّ هناك سياقًا معتبرًا ساقنا إلى هذا المآل؟

هل نتعلم من أجل النهوض بمكانتنا الاجتماعية التي صار العلم رقمًا مهمًا في تصعيدها في البلاد العربية ضمن حدود معينة وضمن سياقات تختلف باختلال المكان والبيئة، بحيث لم يعد يخفى على الجميع أهمية العلم في تحقيق التفوق الاجتماعي من خلال الحصول على لقب أو شهادة جامعية، وما يمثله ذلك من ترفيع تلقائي للفرد ضمن طبقات المجتمع.

هل نتعلم من أجل تحقيق دخل اقتصادي وأمان وظيفي من خلال الحصول على وظيفة بهذه الشهادة الجامعية؟ أم هل يتعلم الشاب لأن الشهادة ترفع من أسهمه في الحصول على فتاة بمواصفات أفضل؟ وهل تتعلم الفتاة من أجل أن ترفع من قيمة مهرها ونوعية المتقدمين لخطبتها؟

هل نتعلم من أجل إرضاء نزعات ذاتية عند آبائنا وأمهاتنا تولد في قناعاتهم بأن واحدةً من أهم دلائل النجاح في تربية الأبناء تحصيلهم شهادة علمية محترمة؟

هل نتعلم لتحقيق النزعات الفردية التي أصبحت اليوم جزءًا من الثقافة المهيمنة والتي ترى الإنسان كائنًا فرديًا يسعى في تحقيق غرائزه الشخصية بصرف النظر عن واقعه الاجتماعي ومحيطه وقيمه التي تحكمه. فكان التعليم جزءًا من منظومة قائمة وقادرة على تحقيق الكثير من رغباته وغرائزه الخاصة ذمن هذا الحيِّز؟

حتى في العملية التشغيلية القائمة ذاتها وما يتم تمريره من تجارب خلالها فنحن أمام أسئلة كبيرة بلا إجابات كذلك. لماذا يجب أن ندرس 12 سنة وليس 15 مثلًا في المدرسة؟ ولماذا يجب أن ندخل المدرسة في سن معين ليس قبله أو بعده؟ لماذا يجب أن ندرس لغة أخرى وهل نحن متفقون على أهمية هذه اللغة لنا؟ لماذا ندرسها في هذا الصف وليس في غيره؟ لماذا يجب أن يدرس نفس الطالب نفس المواد في كل الفصول؟ ماذا يعني تقسيم الطالب إلى علمي، أدبي، تجاري؟ ما هو المُخرج النهائي للعملية التعليمية؟

أسئلة كثيرة ولا حصر لها يمكن أن نسألها لأنفسنا قبل أن نخوض في أي عمليات تجميلية لواقع التعليم الذي عشناه ولا نزال. والذي لا يزال يحوِّل الطالب المبدع المنطلق إلى شخص معاق محدود يستبدل الذاكرة بالخبرات والتجارب والحياة العملية الحقيقية!

أسئلة أخرى تتعلق باشتراك الذكور والإناث في مجتمعنا بنفس نوعية التعليم على الرغم من الفروق الكبيرة في مسار حياة الطرفين، وهو ما فرض علينا مشكلات اجتماعية تتعلق بطبيعة حياتنا الخاصة، فالفتاة في مجتمعنا مثلًا كانت تتزوج في عمر مبكر جدًا 12 سنة في حالات كثيرة، ولا تزال فكرة الزواج المبكر ابتداء من عمر 14 سنة منتشرةً جدًا في مجتمعنا، فأي تعليم هذا الذي سيكون في صف نصف طالباته يعشن مرحلة الخطوبة أو الزواج أو الحمل وما هي المشكلات الأخلاقية والاجتماعية والنفسية التي قد تترتب على مثل هذا الواقع؟ وهل مآلات الأنثى في بلادنا متشابهة مع مآلات الذكور حتى نعرضهم لنفس التجارب التعليمية ونفس المحتوى ونفس المراحل. وهل نضوج الأنثى متشابه مع نضوج الذكر من حيث الوقت والطبيعة حتى نعرضهم كذلك لنفس التجربة؟ أسئلة كثيرة أيضًا طرحها سيجيب على الكثير من أزماتنا الاجتماعية وسيفرض علينا أن نعيد التفكير في العملية التعليمية كاملةً إن أردنا أن نغير الواقع أو نفكر فيه على الأقل بطريقة عميقة.

كل هذه الأسئلة واقعية وقائمة ومشروعة والأهم من ذلك أنها صارت مطروحة حيث لم تكن من قبل، والمجتمع أي مجتمع خاصة في مرحلة التحولات الكبرى هو نتيجة لتلك التساؤلات الكبرى التي يبحث عنها في مرحلة ما وجيب عنها واقعه ضمن سياق تاريخي تنعكس فيه الأسئلة إلى إجابات في عالم الواقع من حيث ندري ومن حيث لا ندري، وقد تتشابك تلك الأسئلة معًا وقد تفترق ولكن الإجابة الأكثر بعدًا عن الواقع -اليوم- أصبحت هي الإجابة المرتبطة بالقيم الكبرى التي كان يعيش المسلم فيها ولها طوال تاريخه: عبادة الله وإعمار الكون.

والواقع أن عملية إفساد عالم أفكار المسلمين اليوم أدّت إلى افتقار المسلم العربي العادي إلى القدرة الحقيقية على إجابة هذه الأسئلة بوضوح، ما جعله تائهًا غير قادر على الإنجاز الذاتي أو الإبداع ضمن ما يريد هو وضمن عالم أفكاره هو وضمن ما يخدمه هو. بل صار المسلم- العربي اليوم لا يعرف لماذا يتعلم حتى في أكثر قضاياه ارتباطًا بدينه وقيمه؛ فصارت دراسة الشريعة الإسلامية -مثلًا- بابًا من أبواب الارتزاق والتي قد تلجئه ظروفها إلى ما يتناقض كليًا مع القيم التي تدعو إليها دراسته نفسها. فصار لدينا إمام المسجد والخطيب والواعظ والمعلم والداعية المرتزِق والعامل تحت أمر الطاغية والمشرعن للفساد السياسي والداعي إلى المنكر والناهي عن المعروف! لماذا؟ لأن الإجابات الكبرى قد غيِّبت لتحل محلها أسئلة وإجابات لا تتصل عمليًا بإحساس المسلم الذي تم التلاعب به.

2. ثمن غياب الإجابات:

لا يمكننا أن نغفل اليوم -بحال- غياب كيان سياسي إسلامي-عربي صلب يعيد نَظْمَ عقد عالم أفكار الناس تجاه التعليم وقضاياه بما يخدم الناس في سياقهم الخاص كأمة وبما يحقق أهدافهم ورؤيتهم المرتبطة بهذا العالم أيًا كان نوعه وطبيعته. بل على العكس من هذا تمامًا فنحن اليوم وصلنا إلى مرحلة وقفنا فيها أمام أنظمة سياسية تحكم المسلمين وتحارب بشكل علني واضح أو خفي كل ما يتصل بقيم الإسلام وتعاليمه الحقيقية ضمن مشروع ظهرت آثاره بشكل أكبر بعد أحداث الثورات العربية.

حيث عملت العديد من الدول العربية على تغيير المناهج الدراسية المكتوبة -كواحدة من أدوات التعليم الأكثر وضوحًا- أبرز هذه الدول كانت: مصر والسعودية والأردن والسلطة الفلسطينية. ونظرة سريعة على هذه التغيرات تعطينا قدرة عالية على فهم ما يريد هؤلاء ومن يقف خلف هذه التغييرات.

فبعض المناهج –في حدود اطلاع الباحث ومقارنته مناهج سابقة ولاحقة- درسُ القرآن تحول إلى تعلم مهارة الخياطة، وأسماء الصحابة استبدلوا بتامر وسلمى، وحضور درس تلاوة القرآن استبدل بحضور دورة إسعافات أولية، والمسجد الأقصى المبارك تحول إلى مسجد عمر، والأم المثالية أصبحت فيفي عبده، وخالد بن الوليد استبدل بعمرو دياب وهكذا[5]. هذا التوجُّه السياسي في هذه المرحلة المفصلية في تاريخنا يعطينا تصورًا قويًا عن اليد العابثة والتي لم تكتفِ باللعب في عالم الأفكار والعلمنة الشاملة التي حاولت استبدال القيم والمعارف الإسلامية الراسخة بقيم منزوعة السياق. تؤسس لمرحلة وجيل مختلف يتخلى عن تاريخه وعقيدته وقيمه بلا أدنى مقاومة، ويحمل قناعات مشوهة عن كل شيء مرتبط بتاريخه وقيمه ودينه وعقيدته ومستقبله.

في ظل قدرة الدولة اليوم على الهيمنة الشاملة على عالم الناس وأفكارهم، فإنها الوسيلة التي تكاد تكون الوحيدة أمام من يريد أن يغير الواقع الذي يعيش فيه، فتعليم الناس القراءة والكتابة على بساطته ليس فعلًا منزوعًا من دوافعه السياسية وكلما ترقَّى الإنسان في تعليمه المدرسي فالجامعي صار تدخل السياسة في التوجيه والسيطرة أكثر ضرورةً والتزامًا من أجل الحفاظ على ما تم إنجازه في عالمنا[6].

الإشكالية الأخرى التي تحيلنا إليها هذه الفكرة هي أنه وعلى الرغم من السعي الحثيث لعلمنة الدول العربية الإسلامية عبر أكثر من 200 عام ابتداءً من مشاريع محمد علي باشا في مصر حتى العصر الحاضر فإن هذه المشاريع في مجملها لم تنجح في علمنة المسلمين بالشكل المطلوب وظلت مقاومة المسلمين ورفضهم للواقع المفروض عليهم قائمة، وظل المسلمون يبحثون عن بدائل للتعليم السلطوي في الدوائر الاجتماعية الوسيطة وعلى الهوامش التي تتركها الدولة، كدورات تعليم القرآن والدروس والخطب والمحاضرات والأحزاب والحركات الإسلامية الاجتماعية. هذا ما استدعى اليوم -فيما يبدو- تلك الحملات الكبيرة والجهود الحثيثة لإزالة هذه الهوامش وعمل هذه التغييرات التي أشرتُ إليها على صعيد المناهج المكتوبة والتي تعبِّر عن حالة يأس من كل التجارب السابقة والانتقال إلى ما يمكن أن نسميه حربًا على كل ما يتعلق بتاريخنا وثقافتنا وقيمنا الإسلامية بشكل تام.

أما عن سبب فشل العلمنة الشاملة واستدعاء هذه الحرب اليوم في البلاد الإسلامية فسوف أفترض هنا وفي سياق موضوع التعليم فقط أن منظومة التعليم القائمة نفسها فشلت بشكل كبير في تحقيق أهدافها المختلفة ومنها العلمنة إضافة إلى المعيقات الذاتية والرفض الاجتماعي لكثير من هذه التغييرات عبر الطاقة الذاتية للمجتمع.

3. الدولة كحارس لقيَم العلم:

وبعيدًا عن فكرة نشوء المدارس وتاريخها المرتبط تاريخيًا بحقبة الاستعمار البريطاني-الفرنسي بشكل خاص وما أنتجه من بنية شبه عسكرية يراد من الطالب أن يعيشها في المدرسة ابتداءً بالطابور الصباحي وصولًا إلى جلوسه صامتًا متلقيًا طوال اليوم الدراسي. وارتباط هذا النظام بحاجة سوق العمل إلى طابور من الموظفين في المجالات المختلفة التي تقدمها له منظومة التعليم فيختار منها الأصلح بينما تضيع في كل هذه المنظومة ملامح الإنسان كإنسان وينطبع بما سماه باولو فرايري مجتمع القهر[7].

إننا عمليًا أمام ما يمكن أن نسميه “مجتمع قهر” حقيقي هذا الذي تؤسس له المدرسة بنظامها القائم وفلسفتها العامة. وفيه تتقاطع كل القيم البائسة السياسية والاجتماعية والفكرية التي وصلنا إليها اليوم، فمن الناحية السياسية أصبح التعليم أداة لفرض الهيمنة، فباستخدام التعليم يمكن للسلطة تطبيع الناس وإن شئت قُل (تعبيدهم) للنظام الذي تختاره أو يختاره الحاكم أو يختاره الاستعمار الذي يتبع له الحاكم.

فمثلًا وفي ظل الإدارة المدنية الإسرائيلية لمناطق الضفة الغربية وقطاع غزة قبل مجيء السلطة الفلسطينية، كان المسؤول الإسرائيلي عن التعليم في تلك المرحلة يدور على المدارس وهو يحمل ختمًا مكتوبًا عليه –إسرائيل- يطبعه على كل الخرائط التي تحمل اسم فلسطين. هكذا بكل بساطة كان المعلم الفلسطيني يحمل خريطة فلسطين وقد استُبدل الاسم عليها بإسرائيل!

أما اليوم فقد أصبح الواقع مختلفًا في مناطق الحكم الذاتي وأصبحت التغييرات تجري بشكل أكثر نعومة حيث صارت تتم على يد الفلسطيني نفسه الذي يمكن الحديث طويلًا عن الكيفية التي وضِعت أو –طبخت- فيها مناهجه بلا أية مقاومة ذاتية، وفي ظل تحكم التمويل بطبيعة المحتوى ونمطه بشكل مباشر، حتى أن منهاج المرحلة الأساسية الذي احتاج وضعه سنوات وصرفت عليه ملايين الدولارات تم استبداله خلال شهور قليلة بمنهاج التنشئة المدنية على سبيل المثال. هذه التغييرات التي تتم وتؤثر بشكل ناعم وغير مباشر على الرغم من أثره العميق في مستقبلنا جميعًا، ومثله يمكن أن نضرب أمثله كثيرة حول تمرير المنهاج الأردني والمصري وغيره على الرغم من الكوارث التي يحملها.

فالواقع أن السلطات السياسية في بلادنا العربية اليوم تتعامل مع مجتمع لا يزال سلبيًا تجاه قضاياه المصيرية وليس لديه ممانعة في ظل القضاء على أي عمل سياسي وعدم وجود فضاء مجتمعات مدنية أو كيانات وسيطة غير تابعة لنفوذ الممولين وشبكة المصالح الاقتصادية والسياسية، وهذا النمط في التعامل نفسه ينعكس في تعامل منظومة التعليم مع الطالب ككائن سلبي متلقي.

أطلق باولو فيريرو اسم التعليم البنكي على طريقة التعليم الذي يتعامل فيه الطالب مع المعلم باعتباره مالك المعلومة وصاحبها، والطالب متلقٍ لها بطريقة سلبية آلية ليعيدها في الامتحان فقط كل هذا من أجل الحفاظ على ما سمَّاه فيريرو: مجتمع المقهورين الذي لا يشكل تعليمه بهذه الطريقة خطرًا على السلطة ويعيش في دائرة من القهر المعتاد حتى تتماهى معه الأجيال وتتوارثه[8].

وعليه فمشكلة التعليم اليوم في مجتمعنا ليست مرتبطة –حسب رأيي- بتغيير منهاج مكتوب أو تدريب معلمين أو بناء مدارس أو مراكز أو غير هذا وإنما يبدأ التغيير الصحيح بإجابتنا على الأسئلة الكبرى والاتفاق عليها ولو ضمن سياقات محدودة ومجموعات تفكير صغيرة قبل الخوض في تغييرات غير مفهومة. فنحن نعيش في ظل دولٍ محتلة أو شبه محتلة خاضعة لهيمنة الدولة الكبرى وتسعى إلى إزالة وجود إرادة الناس. فما الذي أريده –وهذا حالي- من العملية التعليمية؟ هل أنا عربي، مسلم، فلسطيني، علماني، إسلامي، حداثي، تقليدي…الخ؟ هل ينطلق المنهاج المكتوب في عالمنا العربي من إجابات واضحة لهذه الأسئلة أم أننا نعيش ضمن سياق عملية (ميكانيكية) تشغيلية فقط. (مدرسة، منهاج، خريجين) المدرسة مكان لاحتواء الطالب فقط بصرف النظر عما يفعله فيها، منهاج لتمرير الوقت بصرف النظر عن قيمة المحتوى، ويتخرج الطالب بعد مرحلة معينة بصرف النظر عن التشكلات التي حصلت على شخصيته وطبيعتها.

الواقع أننا هنا أمام مؤسسة وُجِدَت لكي تقوم بدور معين وهو هنا التعليم، ولكن مع الوقت تضخمت هذه المؤسسة وتحولت إلى بيروقراطية أهم من التعليم والفرد والمجتمع وصار الحفاظ عليها -بصرف النظر عما تقدمه للناس- أهم مما تنتجه وصار انتقادها يشكل خطرًا على فئة عريضة في المجتمع ولذلك لا مشكلة في اتهام من ينتقد أي تغيير أو حتى يساهم في عملية التفكير في العملية التعليمية بالعمالة للاحتلال أو العمل لصالح أجندات خارجية!

وانتقالًا من منظومة التعليم المدرسي إلى الحديث عن التعليم الجامعي فإننا – وللأسف- ندخل في نمط شبيه بنمط التعليم البنكي الذي كان يتلقاه الطالب في المدرسة، ولكن مع بعض الفوارق التجميلية. فالسؤال الأساسي هنا وقبل أي شيء. ما هو تصور الطالب عن هذا المكان قبل دخوله الجامعة، وما هي المؤثرات الثقافية والاجتماعية التي خلقت لديه تصوره عن هذا المكان. أليس من الممكن أن نقول أن الجامعة هي مدرسة للكبار أو مدرسة مختلطة؟

الجامعة وهي الدائرة الأكثر وعيًا –كما هو مفترض- في دورة التعليم في واقعنا، هل تمثِل بالفعل مكانًا لتلقي العلم والمعرفة؟ إذا كان الجواب نعم. فأين هو انعكاس هذه المعارف على واقعنا المعرفي والثقافي والعلمي في كل الجوانب، وأين تحققت الفائدة لنا كمجتمع بوجود الجامعات؟

وإن كان الجواب لا. فلماذا لا تحقق الجامعات فائدة حقيقية للمجتمع الذي تشكِّل فيه منارةً –كما هو مفروض- للعلم والمعرفة والعلماء. أسئلة كثيرة يجب طرحها بصوتٍ عالٍ لنكف عن المزايدة على من ينتقد الواقع والنظام السائد، ولكن ما يمكن الإشارة إليه هنا أن الجامعات في بلادنا بمجملها قد شيِّدت ضمن سياق تاريخي خاص لكل واحدة منها، وبناء عليه أخذت صبغة خاصة بها ولذلك فإن الجامعات على الرغم من أنها تعيش في ذات الفضاء الاجتماعي والسياسي إلا أنها تختلف اختلافات جوهرية. فالمتطلبات الإجبارية التي يدرسها كل طلاب الجامعة في جامعة خاصة -مثلًا- تختلف اختلافًا جوهريًا عن تلك المتطلبات في جامعة حكومية وهو ما ينعكس -برأيي – على طلبتها بشكل جذري في كثير من الحالات. وطبيعة إدارة الجامعة التي تأسست وفق منطق عائلي بحت تختلف اختلافًا جذريًا عن تلك التي تخضع -نوعًا ما- إلى حد أدنى من الديمقراطية في اختيار إدارتها وترتيباتها الداخلية.

من الناحية العملية يمكننا الحديث طويلًا عن معايير ارتقاء الجامعات وتميزها ولكنني هنا سأركز على فكرة واحدة وهي المرجعيات العلمية للتخصصات. هل يوجد لدينا في جامعاتنا من الكفاءات العلمية الحقيقية التي يمكن اعتبارها مرجعيات في تخصصاتها. في أي مجال حتى مجالاتنا الخاصة كالشريعة والتاريخ واللغة؟

الخاتمة والتوصيات:

ما هو واجبنا نحن وما الذي يمكن أن نفعله؟

على الرغم من الواقع المليء بالمحبطات في الميدان التعليمي كما هو الحال في الميادين الأخرى المختلفة السياسية والاجتماعية إلا أن التعليم هو النهر الجاري الجارف الذي لا يمكن أن يتوقف وهو الجريان الذي يحمل معه ثقافة الأمة وتراثها وتاريخها ويروي مستقبلها ولذلك فإن الاستسلام للواقع والركون إليه بدون سعيٍ جاد إلى تغييره بكل السبل يعني أننا محكومٌ علينا بالفشل الآن وفي المستقبل. ومن هنا فإنني أقترح الأمور الآتية:

  1. الاستثمار في موضوع التعليم من حيث البنى التحتية المادية والبشرية وتشجيع هذا بكل السبل الممكنة، واستثمار كل الفراغات المتاحة بكل السبل في البلاد العربية من أجل تعميق وتعزيز ارتباط الطلبة بالأفكار التي تؤسسهم من أجل خدمتهم وخدمة قضايا شعوبهم بدون الانسياق خلف الفكر والثقافة المهيمنة في الوقت الحالي.
  2. استثمار الطاقات البشرية بكل السبل الممكنة بعيدًا عن حالة الهيمنة التي تمارسها الدول تجاه المؤسسات التعليمية الرسمية من خلال إنشاء وتأسيس وتفعيل المنظمات المدنية الوسيطة ضمن الهامش المتاح وضمن الهامش الذي يمكن استثماره في كل الدول التي تتيح حرية التنظيم والعمل المدني.
  3. على المشتغلين في الميدان الفكري دور كبير في بناء فلسفة وتأسيس نظري شامل لنظرية التعليم والتعلم المنبثقة من رحم الشعوب بعيدًا عن هيمنة الدول الكبرى، بحيث تستطيع الكوادر العلمية التأسيس لثقافة وقيادات قادرة الآن وفي المستقبل على تأسيس رؤية ذاتية لعملية التعليم ضمن سياقنا الخاص.
  4. تعزيز ثقافة التعليم المؤسسة على روح وفلسفة الشريعة الإسلامية الأصيلة والعمل بكل الوسائل الإعلامية والدعوية والاجتماعية من أجل محاربة الثقافة السائدة حول التعليم والتي تجعل التعليم قيمة هيِّنة على صعيد الطالب والمعلم والمؤسسة. ولا يكن هذا إلا باستخدام وسائل الاتصال الحديثة ووسائط الإعلام البصرية والسمعية وغيرها من أجل زرع وتنمية واستثمار الإنسان وقدراته عبر التعليم.
  5. توجيه الدارسين من أجل التخصص في ميادين أكاديمية متخصصة في العمل الأكاديمي من الجامعات المعتبرة بدل الدراسات القائمة التي تجتر نفس المفردات والقضايا بدون أن تقدم أي إجابات حقيقية في الميدان العملي.
  6. لا بد من استيعاب التجارب العالمية حتى نستطيع الابتداء من حيث انتهى الآخرون ضمن سياقنا الخاص، حيث لا بد من توجيه الوسائل الإعلامية الطاقات الشبابية من أجل نقل التجارب العالمية في ميدان التعليم عبر جميع مستوياته في بلادنا.
  7. أخيرًا فإنه واجب ذاتي شخصي لكل واحدٍ يسعى لتغيير الواقع والنهوض بالمستوى العلمي والفكري والثقافي في مجتمعاتنا أن يبذل كل ما في وسعه من أجل تعزيز المشاريع التعليمية ونقل الخبرات بين الأجيال بطريقة أكثر جذبًا وإثارة والسعي الدائم من أجل اكتساب المهارات في ميدان التعليم لنطبقها على الأقل تجاه مجتمعاتنا القريبة وحتى تجاه أبنائنا، حتى يأتي يوم يتغير فيه حال الواقع الذي نعيشه اليوم.

ثبت المراجع:

  1. أيمن عبد الرحيم، إيه اللي وصلنا لكده؟ محاضرة منشورة على موقع يوتيوب بتاريخ:21/11/2014.

  1. سيد حسين نصر، مقدمة إلى العقائد الكونية الإسلامية. ترجمة: سيف الدين القصير. ط1( سوريا: دار الحوار للنشر والتوزيع، 1991).
  2. سامح عودة (تحرير)، هل العلم محايد أم أن للعلماء أجندات اجتماعية وسياسية. منشور بتاريخ 24/11/2007. استرجع بتاريخ 9/10/2018.
  3. http://midan.aljazeera.net/intellect/sociology/2017/11/24/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%84%D9%85-%D9%83%D8%A3%D9%8A%D8%AF%D9%8A%D9%88%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%8A%D8%A7-%D9%84%D9%88%D9%8A%D9%86%D8%AA%D9%88%D9%86-%D9%88%D8%A3%D8%B3%D8%B7%D9%88%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%86%D8%AD%D9%8A%D8%A7%D8%B2-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%A1-%D9%84%D9%84%D8%AD%D9%82%D9%8A%D9%82%D8%A9
  4. https://www.youtube.com/watch?v=3vLtrubLtEY

  1. عبد الستار قاسم، حينما يدير الجامعات مراهقون. منشور بتاريخ 9/9/2016، استرجع بتاريخ 9/10/2018: http://www.aljazeera.net/knowledgegate/opinions/2016/9/6/%D8%B9%D9%86%D8%AF%D9%85%D8%A7-%D9%8A%D8%AF%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A7%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%AA-%D9%85%D8%B1%D8%A7%D9%87%D9%82%D9%88%D9%86

  1. باولو فرايري، تعليم المقهورين. ترجمة: نور يوسف عوض (بيروت: دار القلم، د.ت).

[1] ينظر: سيد حسين نصر، مقدمة إلى العقائد الكونية الإسلامية. ترجمة: سيف الدين القصير. ط1( سوريا: دار الحوار للنشر والتوزيع، 1991) ص13.

[2] سيد حسين نصر، مقدمة إلى العقائد الكونية الإسلامية. سبق ذكره. ص197.

[3] ينظر: سامح عودة (تحرير)، هل العلم محايد أم أن للعلماء أجندات اجتماعية وسياسية. منشور بتاريخ 24/11/2007. استرجع بتاريخ 9/10/2018.

http://midan.aljazeera.net/intellect/sociology/2017/11/24/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%84%D9%85-%D9%83%D8%A3%D9%8A%D8%AF%D9%8A%D9%88%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%8A%D8%A7-%D9%84%D9%88%D9%8A%D9%86%D8%AA%D9%88%D9%86-%D9%88%D8%A3%D8%B3%D8%B7%D9%88%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%86%D8%AD%D9%8A%D8%A7%D8%B2-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%A1-%D9%84%D9%84%D8%AD%D9%82%D9%8A%D9%82%D8%A9

[4] ينظر: أيمن عبد الرحيم، إيه اللي وصلنا لكده؟ محاضرة منشورة على موقع يوتيوب بتاريخ:21/11/2014.

https://www.youtube.com/watch?v=3vLtrubLtEY

[5] ينظر على سبيل المثال التغيرات التي تم إجراؤها على منهاج اللغة العربية الأردني، الصف الخامس بين عامي 2015-2106.

[6] ينظر على سبيل المثال: عبد الستار قاسم، حينما يدير الجامعات مراهقون. منشور بتاريخ 9/9/2016، استرجع بتاريخ 9/10/2018:

http://www.aljazeera.net/knowledgegate/opinions/2016/9/6/%D8%B9%D9%86%D8%AF%D9%85%D8%A7-%D9%8A%D8%AF%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A7%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%AA-%D9%85%D8%B1%D8%A7%D9%87%D9%82%D9%88%D9%86

[7] باولو فرايري، تعليم المقهورين. ترجمة: نور يوسف عوض (بيروت: دار القلم.) ص25.

[8] باولو فرايري، تعليم المقهورين. سبق ذكره. ص49.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الرجاء الانتظار ..

النشرة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقى على اطلاع بأحدث الأخبار و الفعاليات
إغلاق
إغلاق