أخبار المركزالدراسات الاستراتيجيةتقارير

تحولات المشهد السياسي المغربي في ضوء صراع موازين القوى  خلال 2017/2018

المقدمة:

يمر المغرب بأزمة سياسية لم يشهد مثيلا لها منذ اندلاع ثورات الربيع العربي التي أسهمت في إطلاق ديناميكية مجتمعية -جسدتها حركة 20 فبراير-، سرعان ما تمكنت الدولة من استيعابها بالإقدام على إجراء إصلاح دستوري شامل وانتخابات سابقة لأوانها، أفرزت حكومة ذات تمثيلية شعبية هامة، نجحت هي الأخرى في إقناع الرأي العام بجدوى الإصلاح في ظل الاستقرار.

وتتمثل حدة الأزمة الحالية في كونها تأتي على المستوى الداخلي في ظل ارتفاع منسوب وعي المواطنين والمواطنات وتنامي حسهم إزاء مفاهيم العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروة أكثر من أي وقت مضى، في مقابل استنفاذ الدولة لثقة المواطنين في العملية السياسية، لاسيما بعد الانتخابات التشريعية لسنة 2016، وفشل النموذج التنموي وشعارات العهد الجديد التي طبعت مرحلة اعتلاء الملك محمد السادس للعرش سنة 1999.

أما على المستوى الخارجي فتأتي هذه الأزمة في ظل تصاعد التهديدات التي تشكلها جبهة البوليساريو على الوحدة الترابية للمغرب في سياق إقليمي ودولي يغلب عليه منطق الصراع والاصطفافات الحدية على حساب رهانات التضامن والأمن والمصير المشتركين بين الدول، خاصة العربية منها.

على ضوء هذه الخلفية، سنحاول في هذا التقرير الذي يغطي النصف الثاني من سنة 2017 والنصف الأول من سنة 2018، تقديم قراءة تركيبية لتحولات المشهد السياسي المغربي في ظل صراع موازين القوى، على المستويين الداخلي والخارجي، وتأثيراتها على واقع ومستقبل انتقال المغرب نحو الديمقراطية.

أولا: معالم المشهد الحزبي المغربي

يتميز المشهد السياسي المغربي بوجود أكثر من ثلاثين حزبا سياسيا يشتغل في إطار دولة اختارت منذ أول تجربة دستورية لها سنة 1962 إقرار مبدأ التعددية الحزبية، ليس بهدف دمقرطة النظام السياسي، وإنما من أجل تفادي هيمنة حزب واحد على المشهد السياسي الذي تعتبر فيه الملكية سلطة السلطات.

ولما حقق حزب العدالة والتنمية في الانتخابات الجماعية لسنة 2015 والانتخابات التشريعية لسنة 2016، نتائج لم يسبقه لها أي حزب سياسي منذ انطلاق أول تجربة انتخابية بالمغرب سنة 1960 -وبالتالي تمكنه من تجاوز الترتيبات التقنية والسياسية التي وضعتها السلطات من أجل تحجيمه-، فإن مركز القرار اندفع إلى إعادة رسم معالم الخريطة السياسية والحزبية بما يتوافق مع منطق الدولة في تدبير التعددية الحزبية، ويتسق مع تصورها للشرعية الانتخابية التي لا تعتبر حسبها سوى واحدة من بين شرعيات متعددة للمشاركة في حكم، ناهيك عن ممارسته. ولأجل هذه الغاية، فقد عملت السلطة على توظيف الأحزاب الموالية لها من أجل تقويض تشكيل حزب العدالة والتنمية للحكومة استنادًا على نتائج الانتخابات التشريعية التي تبوأ صدارتها، الأمر الذي أدى إلى دخول المغرب في مرحلة سُميت بـ “البلوكاج الحكومي”[1] دامت لمدة 6 أشهر، ولم تنتهي إلا بعد إعفاء الملك لعبد الإله بنكيران وتكليف سعد الدين العثماني بتشكيل الحكومة، وتراجع حزب العدالة والتنمية عن بعض شروط قيادته للحكومة، وفي مقدمتها قبوله بمشاركة حزب الاتحاد الاشتراكي فيها، خلافا لموقفه السابق الرافض لهذه المشاركة.

هكذا فقد أسهمت محطتي الانتخابات و”البلوكاج الحكومي” بقدر وافر في رسم معالم الخريطة الحزبية الحالية، التي عرفت في غضون هذه السنة تحولات كبيرة، سنقف عندها من خلال استحضار تجارب الأحزاب المؤثرة في المشهد السياسي وفق الشكل التالي:

  1. حزب العدالة والتنمية (حزب إسلامي يقود الائتلاف الحكومي)

دخل حزب العدالة والتنمية عقب إعفاء الملك لأمينه العام عبد الإله بنكيران من تشكيل الحكومة (15 آذار/مارس 2017) وتكليف سعد الدين العثماني -الرجل الثاني في الحزب- بهذه المهمة بدلا عنه، مرحلة تيه سياسي نقلت الصراع السياسي للحزب مع المناوئين للانتقال الديمقراطي بالمغرب إلى صراع داخلي بين تيار لم يستسغ تنازل الحزب عن رفضه لمشاركة حزب الاتحاد الاشتراكي في الحكومة، وقبوله بمناصب حكومية لا تعبر عن وزنه الانتخابي، وتيار آخر بدا أكثر مرونة واعتبر أن هذه التنازلات قد فوتت فرصة استئصال الحزب من المشهد السياسي على بعض خصومه في دواليب الدولة.

ومع اقتراب موعد المؤتمر الوطني للحزب الذي كان يُنتظر منه انتخاب قيادة جديدة، امتد الاختلاف في الآراء والتقديرات السياسية إلى ظهور فرز تنظيمي بين تيار يدعو إلى تعديل النظام الداخلي للحزب من أجل إضافة ولاية ثالثة للأمين العام عبد الإله بنكيران الذي يمنعه النظام الداخلي للحزب من رئاسته لولايتين متتاليتين، وتيار ثان يدعو إلى ضرورة الالتزام بقوانين الحزب وأنظمته الداخلية تجنباً لتكريس منطق الزعامة، وتجنباً لسوء الفهم من طرف الدولة[2].

ولئن كان هذا الجدل بين التيارين قد دام تقريبا لمدة ستة أشهر داخل الهياكل التنظيمية للحزب وفي مواقع التواصل الاجتماعي، فإن حسمه آل للمجلس الوطني للحزب الذي صوت ضد تعديل المادة 16 من النظام الداخلي التي تحصر رئاسة الأمين العام في ولايتين متتاليتين[3]، وبالتالي إقراره المنع القانوني لعبد الإله بنكيران من تولي رئاسة حزب العدالة والتنمية لولاية ثالثة، الأمر الذي مهد لانتخاب رئيس الحكومة سعد الدين العثماني أمينا عاما للحزب في مؤتمره الوطني الثامن (10 كانون الأول/ديسمبر 2017).

وقد لعبت محطة المؤتمر، الذي لم يشكك في نتائجه أي طرف، دورا هاما في تخفيف حدة الصراع بين التيارين، إلا أن قيادة حزب العدالة والتنمية للحكومة في ظل التراجع الواضح في احترام الحقوق والحريات وصعوبة الوضع الاقتصادي والاجتماعي، تجد نفسها أمام ضرورة تحقيق رهانين للخروج من الأزمة الحالية، الأول تنظيمي، ويتمثل في إنجاح الحوار الداخلي بين أعضاء الحزب الذي انطلق أواخر حزيران/يونيو 2018، والثاني سياسي يتعلق بأهمية تسريع عجلة الإصلاح والحفاظ على شعبية الحزب التي تضررت كثيرا في الآونة الأخيرة.

  1. حزب التجمع الوطني للأحرار (حزب ليبرالي مقرب من القصر مشارك في الائتلاف الحكومي)

بعد نجاحه في فرملة تشكيل عبد الإله بنكيران للحكومة، وحيازته لمناصب وزارية في حكومة سعد الدين العثماني تفوق من حيث الأهمية والعدد وزنه الانتخابي، بدأ حزب التجمع الوطني للأحرار يروج على لسان بعض وزرائه وقياداته السياسية بأنه المرشح الأول لتصدر نتائج الانتخابات المقبلة سنة 2021، ومن ثم قيادة الحكومة المنبثقة عنها. وخدمة لهذه الغاية، أعلن حزب التجمع عن عرض سياسي جديد أطلق عليه “مسار الثقة: في خدمة نموذج جديد للتنمية”، معتبرا أنه “إعلان لنهاية الشعبوية، وانتصار للممارسة التي تحترم ذكاء المغاربة”[4]. وهو العرض الذي زار رئيس الحزب عزيز أخنوش عددا من أقاليم وجهات المملكة للترويج له، مؤكدا لأعضاء حزبه بأن استمرارهم في نفس وتيرة العمل سيجعلهم يفوزون برئاسة الحكومة خلال الانتخابات المقبلة[5].

وضد مجرى صعود نجم حزب التجمع الوطني للأحرار في المشهد السياسي المغربي، جاءت حملة المقاطعة الشعبية لثلاثة منتجات استهلاكية، لتُدخل الحزب في دوامة من التراجع السياسي، لأن مشروعه قام فيما بدا على فكرة “أخنوش” لا على فكرة الحزب، وبالتالي، فإن الحملة كانت لها رسائل سياسية واقتصادية، ما يعني هبوط أسهم أخنوش السياسية[6]، الذي تعود إحدى الشركات المعنية بالمقاطعة لملكيته الخاصة.

ومما زاد الوضع تأزما بالنسبة لحزب التجمع الوطني للأحرار احتجاج عدد من المواطنين ورفعهم لشعارات تطالب برحيل عزيز أخنوش على هامش إشراف الملك محمد السادس على تدشين ميناء للصيد البحري بمدينة طنجة يوم 07 حزيران/يونيو 2018 في سابقة هي الأولى من نوعها في المغرب الذي يحتل فيه شخص الملك مكانة فوق الصراعات السياسية بين الأحزاب.

  1. حزب التقدم والاشتراكية (حزب يساري مشارك في الائتلاف الحكومي)

بقي حزب التقدم والاشتراكية وفيا لتحالفه الوثيق مع حزب العدالة والتنمية خلال معظم المحطات التي تعرضت فيها علاقتهما للاختبار، خاصة في مرحلة “البلوكاج الحكومي” التي رفض فيها الحزب الاشتراكي الرضوخ للضغوط السياسية لجهات في الدولة من أجل التخلي عن تحالفه مع الحزب الإسلامي.

وقد أدى حزب التقدم والاشتراكية نظير تمسكه بهذا التحالف ثمنا سياسيا كبيرا، حيث أعفى الملك وزيرين من هذا الحزب بصفتهما أعضاء في حكومة عبد الإله بنكيران (2012-2016) في إطار حملة إعفاء طالت مسؤولين حكوميين أطلق عليها الأوساط السياسية والإعلامية اصطلاح “الزلزال السياسي”، والتي جاءت على ضوء التقرير الذي أعده المجلس الأعلى للحسابات، عقب التحريات والتحقيقات التي قام بها بخصوص برنامج الحسيمة منارة المتوسط، وأثبت وجود مجموعة من الاختلالات تم تسجيلها في عهد الحكومة السابقة[7].

في الآونة الأخيرة، بدا وكأن حزب التقدم والاشتراكية قد استعاد شيئا من توازنه، لاسيما بعد إعادة انتخاب نبيل بنعبد الله أمينا عاما في ختام المؤتمر الوطني العاشر للحزب الذي انعقد تحت شعار “نفس ديمقراطي جديد” يومي 12 و13 أيار/ماي 2018، مفندا بذلك التكهنات بشأن قدرة الدولة على التدخل في الانتخابات الداخلية للحزب لتنصيب أمين عام على مقاسها.

  1. حزب الأصالة والمعاصرة (حزب ليبرالي معارض مقرب من القصر)

شكل تراجع رهان الدولة على حزب الأصالة والمعاصرة بعد فشله في تصدر الانتخابات التشريعية لسنة 2016 -رغم الدعم الوافر الذي كان يحظى به من لدنها- وتحويل وجهتها صوب حزب التجمع الوطني للأحرار، خطوة أثرت في مسار الحزب ودعته إلى إعادة ترتيب أوراقه بما يتناسب مع التحولات الجارية.

وقد تميزت هذه السنة عند حزب الأصالة والمعاصرة بالاستقالة  المفاجئة لأمينه العام إلياس العماري، التي أرجع بعض المتابعين أسبابها إلى تداعيات حراك الريف وما تلاه من غضبة ملكية على الأحزاب السياسية، مست الأصالة والمعاصرة الذي عجز عن المساهمة الفاعلة في تدبير حراك الريف، الذي يتولى رسميا رئاسة أغلبية جماعاته المحلية (البلديات). وهو أمر نفاه إلياس العماري الذي أكد بأن لا علاقة لقرار استقالته بأحداث الحسيمة، معبرا عن فخره بالانتماء للحسيمة وللريف، ومؤكدًا أنه معني بالخطاب الملكي الذي أعلن فيه الملك امتعاضه من أداء الأحزاب السياسية، بالرغم من قضائه فقط سنة ونصف السنة في رئاسة الحزب وبالرغم من القرارات القليلة التي اتخذها[8].

وتعويضا لإلياس العماري المستقيل، انتخب حكيم بنشماس أمينا عاما لحزب الأصالة والمعاصرة في أعقاب دورة استثنائية للمجلس الوطني للحزب الذي انعقد بتاريخ 26 أيار/ ماي 2018.

  1. حزب الاستقلال (حزب محافظ في المعارضة)

عاش حزب الاستقلال خلال السنة الماضية استقطابا داخليا حادا بين تيار يدعم تجديد الثقة في الأمين العام للحزب حميد شباط وانتخابه لولاية ثانية على رأس الحزب، وتيار آخر مؤيد لنزار بركة حفيد مؤسس الحزب، المدعوم من أغلب القيادات السياسية النافذة في الحزب.

وبلغت حدة الصراع بين الطرفين إلى مستوى استعمال العنف، حيث تحولت قاعة المؤتمر الوطني السابع للحزب (أيلول/سبتمبر 2017)، إلى حلبة للصراعات والمواجهات بالصحون والأطباق، ما أفضى إلى إصابات وسط الأنصار والمدعوين[9].

ولتطويق هذه الأزمة، اتفق الطرفان على استكمال أشغال المؤتمر الذي أفضى في النهاية إلى انتخاب نزار بركة أمينا عاما جديدا لحزب الاستقلال بعد حصوله على 924 صوت، مقابل 234 صوتا للأمين العام السابق حميد شباط.

وعلى إثر انتخاب نزار بركة أمينا عاما له، غير حزب الاستقلال موقعه في المشهد السياسي؛ إذ أعلن الحزب في 21 نيسان/أبريل 2017، تراجعه عن مساندته للحكومة التي يقودها الأمين العام للعدالة والتنمية سعد الدين العثماني، وانضمامه للمعارضة.

وجاء هذا القرار بعد أن كان حزب الاستقلال قد أعلن مساندته للحكومة سواء شارك فيها أو لم يشارك، وذلك منذ كان عبد الإله بنكيران يقود مشاورات تشكيل الحكومة، مبررا هذا التموقع الجديد في المعارضة بالتغيرات التي طرأت على الحكومة وفشلها في الوفاء بعدد من التزاماتها[10].

في ختام هذا المحور، تبدو الدولة المحرك الأول لخيوط الخريطة الحزبية من خلال تدخلها في المؤتمرات العامة الانتخابية للأحزاب وفي قراراتها السياسية الكبرى، وهو ما أدى إلى تراجع ثقة المواطنين في هذه الأخيرة وتقويض أدوارها السياسية والدستورية في تمثيلهم ولعب دور الوساطة بينهم وبين الدولة، الأمر الذي يؤشر على خطر اصطدام الدولة بالشارع الذي بات دائم اللجوء للاحتجاجات الاجتماعية للتعبير عن تطلعاته ومطالبه الأساسية.

ثانيا: واقع الحقوق والحريات بين التقييد والتضييق

يعيش المغرب حاليا على وقع أخطر تراجع حقوقي له في ظل دستور 2011. ففي ظرف سنة ونصف فقط من اندلاع الحراك الاحتجاجي بالريف[11]، تُوفي الناشط عماد العتابي بعد أن أصيب على مستوى الرأس في تدخل أمني لتفريق مسيرة احتجاجية يوم 20 تموز/يوليو 2017، ويقبع في سجون المملكة حوالي 500 ناشط من شباب الحراك[12]، انتهى الفصل الأول لمحاكمتهم بصدور أحكام وصلت لــ 20 سنة في حق قائد الحراك ناصر الزفزافي وآخرين.

وبعد أكثر من ثلاثة أشهر من أحداث مدينة جرادة، التي خرج الناس فيها احتجاجا على استغلال بعض النافذين لمناجم الفحم بصفة غير قانونية، وعلى سوء الأوضاع الاجتماعية، استخدمت قوات الأمن -حسب تقرير لمنظمة هيومن رايتس ووتش- القوة المفرطة ضد المتظاهرين واعتقلت قادة الاحتجاج الذين وردت أنباء عن سوء معاملتهم خلال الاحتجاز.

كما أكدت المنظمة أن الاعتقالات استمرت، حيث تم الإبلاغ عن 23 حالة اعتقال مؤخرا بين 12 و27 أيار/ماي 2018. وحتى 31 أيار/ماي، كان 69 متظاهرا، منهم 3 قاصرين، في السجن أو رهن الاحتجاز السابق للمحاكمة[13].

وفي الأثناء، تعرف ممارسة حرية الصحافة بالمغرب تضييقات وانتهاكات كبيرة، بلغت حد اعتقال عدد من الصحفيين على خلفية مشاركتهم أو تغطيتهم حراك الريف وأحداث جرادة، أبرزهم الصحافي حميد مهداوي المدير السابق لموقع “بديل أنفو” الذي اعتقل يوم 20 تموز/يوليوز 2017، والمتابع بتهمة “المساهمة في تنظيم مظاهرة غير مصرح بها، والدعوة للمشاركة في مظاهرة بعد منعها، وتحريض أشخاص على ارتكاب جنح بواسطة الخطب والصياح في مكان عمومي”[14]، وهي تُهم حوكم على إثرها مهداوي بثلاث سنوات سجنا نافذا.

وقد اعتقل أيضا توفيق بوعشرين مؤسس جريدة أخبار اليوم والصحافي الأشهر بالمغرب يوم 23 شباط/فبراير 2018، ويحاكم في محاكمة أطلقت عليها بعض الأوساط الإعلامية “محاكمة القرن”، على خلفية اتهامه باعتداءات جنسية، الأمر الذي خلق جدلا واسعا في الأوساط الصحفية والحقوقية. وتساءل الكثيرون عن خلفيات اعتقال بوعشرين وعلاقته بالخط التحريري لجريدته والافتتاحيات اللاذعة التي يكتبها ويهاجم فيها زواج المال والسلطة بالمغرب، وينتقد شخصيات نافذة في البلاد[15].

إن هذه الانتهاكات الحقوقية، وغيرها كثير، تؤشر على رغبة البنية العميقة للدولة في استعادة المبادرة التي ضاعت منها بعيد الربيع العربي وذهبت للمواطنين، وذلك عبر غلق منافذ حرية التعبير والاحتجاج التي يتيحها دستور 2011.

ثالثا: حملات المقاطعة الشعبية؛ انبثاق وعي جديد في الاحتجاج والتعبير عن الرفض

يعيش المغرب في السنتين الأخيرتين على وقع تنامي الحركات الاحتجاجية المطالبة بتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين. فقد شهدت مدن؛ الحسيمة وجرادة وزاكورة وعين تاوجطات، عدة مظاهرات لم يخرج تعاطي الدولة معها عن دائرة المقاربة الأمنية والمتابعات القضائية لقيادات هذه الحركات وبعض المشاركين فيها، وذلك على الرغم من إقرارها بمشروعية مطالب المحتجين.

أمام هذا التراجع  الحاصل على مستوى احترام الدولة للحق في التعبير والتظاهر السلمي، وفي ظل تآكل مصداقية الأحزاب السياسية والنقابات وأغلب المؤسسات المنوط بها لعب دور الوساطة بين الدولة والمواطنين، انطلقت بشكل مفاجئ يوم 20 نيسان/أبريل 2018 حملة مقاطعة شعبية لثلاثة منتجات استهلاكية[16]، لم تُعرف على وجه التحديد الجهة التي تقف وراءها.

في الوهلة الأولى، استهانت الحكومة والشركات المعنية بإمكانية تأثير حملة المقاطعة عليها، حيث اعتبرها وزير الفلاحة عزيز أخنوش حملة افتراضية لن تؤثر على المنتجات[17]، فيما اعتبر عادل بنكيران مدير مشتريات الحليب بشركة “سنطرال” المقاطعين “خونة للوطن”، وهو ذات المنحى الذي سار فيه وزير المالية محمد بوسعيد بوصفه للمقاطعين للشركات الثلاث بــ “المداويخ”[18] (لفظة قدحية في الدارجة المغربية تعني “التائهين”).

لكن سرعان ما أعطت هذه التصريحات مفعولا عكسيا منح حملة المقاطعة زخما شعبيا كبيرا، دفع معه شركة الحليب “سنطرال دانون” إلى إصدار بيان اعتذرت فيه لجميع المواطنين، معتبرة بأن ما صرح به مدير مشتريات الحليب بالشركة لا يعكس موقفها الرسمي[19].

ومع مرور الوقت، تكبدت الشركات الثلاث أضرار اقتصادية بالغة، حيث خسرت “سنطرال دانون” 15 مليار سنتيم (15 مليون دولار) من رقم معاملاتها خلال الفصل الأول من هذه السنة[20]، وهو ما قررت على إثره تخفيض إنتاجها بنحو 30 بالمائة وتسريح 900 شخص تربطهم بالشركة عقود مناولة. كما انخفضت قيمة أسهم شركة “أفريقيا غاز” ببورصة الدار البيضاء، إذ تشير  تقديرات إلى أن الخسائر في رقم المعاملات منذ بدء حملة المقاطعة، بلغت 31 في المائة في المعدل العام، ما يعني خسارة الشركة، ما مجموعه 146 مليون سنتيم يوميًا (150 ألف دولار يوميا)، من إجمالي رقم المعاملات الذي كانت تحققه قبل20 نيسان/أبريل[21].

وإلى جانب الأضرار الاقتصادية والتجارية، أثرت حملة المقاطعة سياسيا على حزب التجمع الوطني للأحرار (حزب ليبرالي مشارك في الائتلاف الحكومي معروف بقربه من القصر) الذي يقوده عزيز أخنوش مالك شركة “أفريقيا غاز”، ولعل أبرز ملامح هذا التأثير هو “تراجع” الحزب واختفاء رئيسه عن واجهة العمل السياسي[22].

وفي السياق ذاته، دفع حزب العدالة والتنمية ثمنا سياسيا كبيرا جراء مشاركة وزير الشؤون العامة والحكامة المنتسب إليه في وقفة احتجاجية لعمال شركة “سنطرال دانون” أمام مقر البرلمان المغربي[23]، مما اضطُر على إثره إلى تقديم طلب إعفائه من الحكومة.

ولم تقتصر حملة المقاطعة على المنتجات الاستهلاكية المذكورة فقط، بل امتدت لتشمل مقاطعة مهرجان موازين (أكبر مهرجان غنائي في إفريقيا والعالم العربي) الذي تنظمه جمعية مغرب الثقافات تحت رعاية الملك محمد السادس، احتجاجا على ما وصفه المقاطعون بمواقع التواصل الاجتماعي بــ “هدر الكثير من الأموال في هذا المهرجان، يعتبر الفقراء أولى بها”[24].

رابعا: عودة المغرب للاتحاد الإفريقي؛ المكاسب والتحديات

بعد 33 سنة على مغادرته لمنظمة الوحدة الإفريقية على إثر منحها العضوية لجبهة البوليساريو، عاد المغرب وقدم طلب عودته/انضمامه للاتحاد الإفريقي الذي تمت الموافقة عليه بأغلبية 39 دولة من أصل 54، في القمة الـ 28 للاتحاد المنعقدة بأديس أبابا أواخر كانون الثاني/يناير 2017.

ويهدف المغرب من وراء هذه العودة إلى تعزيز شراكاته الاقتصادية مع الدول الإفريقية، وضمان دعمها السياسي له في ملف الصحراء. فبعد عام فقط على قبول طلب انضمامه، شارك المغرب في عدد الملتقيات السياسية والاقتصادية الكبرى التي تهم القارة الإفريقية، لعل أبرزها مشاركته في غشت 2017 في المنتدى الإفريقي الياباني بالموزمبيق، ومشاركته في اجتماع الخبراء لمنتدى التعاون الصيني الإفريقي (فوكاك) بالعاصمة الصينية بكين. هذا، فضلا عن نجاحه في ضمان انتخابه عضوا بمجلس السلم والأمن الذي يعد واحدا من أهم مؤسسات الاتحاد الإفريقي، في 29 كانون الثاني/يناير 2018، بتأييد من 39 دولة وامتناع  16 عن التصويت[25].

وتعترض الجهود المغربية الرامية إلى الاستفادة من دعم الدول الأعضاء بالاتحاد الإفريقي في ملف الصحراء، تحركات جبهة البوليساريو التي عبرت في شباط/فبراير 2018 عن حقها في مطالبة المنظمة الإفريقية بالتدخل عسكريا في الصحراء لإلزام المغرب بـ”الانصياع للإرادة المعبر عنها من طرف القادة الأفارقة خلال القمة الثلاثين للاتحاد والدخول في مفاوضات سلام مع جبهة البوليساريو طبقا للالتزامات التي كان المغرب وقع عليها من قبل مع الجانب الصحراوي برعاية الأمم المتحدة”[26].

خامسا: التدبير المغربي لملف الصحراء في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية الراهنة

يمكن القول بأن قضية الصحراء التي تعتبر محط نزاع بين المغرب وجبهة البوليساريو المدعومة من الجزائر، منذ سنة 1975، هي قطب الرحى الذي يوجه السياسة الخارجية المغربية، وهو أمر تدركه جيدا بعض القوى الإقليمية والدولية التي لا تتوانى في الضغط على المغرب من هذا الجانب كلما ارتبط الأمر بمصالحها الإستراتيجية. ففي هذا الإطار، يمكن تصنيف قرار محكمة العدل الأوروبية الصادر في شباط/فبراير 2018، الذي قضت فيه بأن اتفاق الصيد البحري بين الاتحاد الأوروبي والمغرب لا ينبغي أن يشمل المياه المقابلة للصحراء، معتبرة ضم الصحراء إلى نطاق تطبيق اتفاق الصيد “يخالف عدة بنود في القانون الدولي، خصوصا مبدأ تقرير المصير”[27].

هذا القرار، عبرت الحكومة المغربية عن رفضها لفحواه وعدم قبولها بأن يستثني تطبيق اتفاقية الصيد البحري الأقاليم الجنوبية للمملكة[28]، وهو موقف عززته الدبلوماسية المغربية بخوض سلسلة من المفاوضات من أجل تجديد الاتفاق (21 آذار/مارس 2018)، الذي أكدت المفوضية الأوروبية بأن الهدف منه هو الحفاظ على الشراكة في قطاع الصيد البحري بين الاتحاد الأوربي والمغرب، وتطويرها بشكل أكبر من خلال إبرام اتفاقية وبروتوكول مستدامين ولهما مردودية في المجالين البيئي والاقتصادي، كما يتوافقان بشكل كامل مع القانون الدولي والأوربي.

وبهذا القرار الجديد للمفوضية الأوروبية تكون المملكة المغربية قد عززت موقفها بكونها المُحاور الوحيد للاتحاد الأوربي، المفوض له إبرام الاتفاقيات الدولية التي تغطي كامل التراب الوطني، بما فيه الصحراء[29].

وقد شكلت قضية الصحراء في أيار/ماي 2017 موضوع توتر مع دولة أخرى هي جنوب إفريقيا التي أقدمت على حجز سفينة مغربية محملة بالفوسفات، صادرتها بعد ذلك لفائدة جبهة البوليساريو بموجب حكم قضائي لمحكمة جنوب إفريقية[30]، الأمر الذي اعتبره المغرب متعارضا مع المبادئ الأساسية للقانون الدولي، وتدخلا سياسيا في مسار مسلسل دولي يرعاه مجلس الأمن[31] -في إشارة إلى نزاعه مع جبهة البوليساريو حول الصحراء-.

كما مثلت قضية الصحراء سببا أساسيا لقطع المغرب لعلاقاته مع إيران (أيار/ماي 2018)، على خلفية ما وصفه وزير الخارجية المغربي بتوفر المملكة المغربية على معلومات تكشف تقديم حزب الله اللبناني دعما ماليا ولوجستيا وعسكريا لجبهة البوليساريو[32].

وفي أخطر تطور عرفته قضية الصحراء هذه السنة، وجهت الحكومة المغربية، بعد اجتماع لافت مع معظم الأحزاب السياسية بالبلاد، في مدينة العيون بإقليم الصحراء المتنازع عليها، رسالة تحذير إلى جبهة البوليساريو من دخول المنطقة العازلة، مؤكدة الاستعداد لكافة الاحتمالات، ومعتبرة بأن ما تقوم به البوليساريو عملا مؤديا للحرب، وخرقا لاتفاق وقف إطلاق النار[33]، الذي وقعه الطرفان سنة 1991 تحت رعاية أممية.

في ظل هذه التطورات المتلاحقة، تقدم الأمين العام للأمم المتحدة بتقرير لمجلس الأمن (29 آذار/مارس 2018)، دعا فيه المجلس إلى تجديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (مينورسو) لمدة ستة أشهر تمتد من 01 أيار/ماي إلى غاية 31 تشرين الأول/أكتوبر 2018، مع حثه أطراف النزاع إلى ضرورة إجراء “مفاوضات بدون شروط مسبقة”[34]، بغية الوصول إلى حل هذا النزاع المستمر لأزيد من أربعين سنة.

سادسا: الموقف المغربي من الأزمة الخليجية: أبعاده وتداعياته

تجمع المغرب مع دول الخليج علاقات شراكة في مختلف المجالات، تستفيد من نقاء العلاقات السياسية بين الطرفين، التي ظلت تمثل في السنوات الماضية استثناء، جعل منها نموذجا فريدا لبناء تحالف استراتيجي متعدد الأبعاد[35].

وحرصا منه على ضرورة صون هذه العلاقة، اتخذ المغرب موقف الحياد الإيجابي من الأزمة الخليجية التي اندلعت عقب حصار/مقاطعة دول؛ السعودية والإمارات والبحرين ومصر لدولة قطر واتهامها بدعم الإرهاب (05 حزيران/يونيو 2017)، حيث صدر عن وزارة الخارجية المغربية بعد ذلك بستة أيام (11 حزيران/يونيو) بلاغ أكدت فيه قيام الملك محمد السادس باتصالات موسعة ومستمرة مع مختلف الأطراف، داعيا إياها لضبط النفس والتحلي بالحكمة، مع تأكيد البلاغ على أن المملكة المغربية تفضل حيادا بناء لا يمكن أن يضعها في خانة الملاحظة السلبية لمنزلق مقلق بين دول شقيقة[36].

وفيما يشبه تفسير البلاغ الأول، أصدرت الخارجية المغربية في اليوم التالي (12 حزيران/يونيو 2017) بلاغًا ثانيًا نفت فيه ربط الموقف المغربي، من الأزمة الخليجية، بأي حال من الأحوال، مع مواقف أطراف غير عربية أخرى، تحاول استغلال هذه الأزمة لتعزيز تموقعها في المنطقة، والمس بالمصالح العليا لهذه الدول[37].

وفي نفس اليوم (12 حزيران/يونيو 2017)، صدر بلاغ ثالث لوزارة الخارجية المغربية أكدت فيه بأن الملك أمر بإرسال مواد غذائية إلى دولة قطر، وبأن لا علاقة لهذا القرار بالجوانب السياسية للأزمة القائمة بين دولة قطر ودول شقيقة أخرى[38].

وبدا بعد يومين فقط من تعبير المغرب عن موقفه من الأزمة الخليجية بأن هذا الموقف لم يرق لدولة الإمارات التي بثت إحدى قنواتها (قناة أبوظبي) في سابقة من نوعها، خريطة المغرب مبتورة من صحرائه في برنامج تلفزيوني يتحدث عن الاستقرار الذي يعرفه المغرب والتعايش بين الديانات والثقافات الذي يتميز به[39]. وفي نفس الفترة، بثت قناة العربية المملوكة سعوديا برنامجا وصفت فيه ممارسة المغرب لسيادته على الصحراء التي تعتبر محل نزاع بينه وبين جبهة البوليساريو الانفصالية بــ “الاحتلال”[40]، الأمر الذي خلف استياء لدى الرأي العام المغربي الذي اعتبر هذين الحدثين ردا على حياد المغرب في الأزمة الخليجية وإرساله لمساعدات غذائية لدولة قطر.

وبالرغم من التداعيات السلبية للأزمة الخليجية على عدد من الدول العربية التي اصطفت مع هذا الطرف أو ذاك، فقد استطاع المغرب الحفاظ على حياده، الذي عمل الملك محمد السادس على تعزيزه خلال زيارته لدولة الإمارات (11 تشرين الثاني/نوفمبر 2017)، للمشاركة في حفل افتتاح متحف “اللوفر-أبوظبي” وبحث سبل تعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين، وكذا التباحث مع ولي عهد أبوظبي حول سبل تخفيف حدة التوتر بين الإمارات وقطر. وزيارته أيضا خلال نفس الرحلة لدولة قطر التي عقد لقاء مع أميرها في العاصمة الدوحة، تناول العلاقات الثنائية بين البلدين، والتطورات العربية والدولية، بالإضافة إلى الأزمة الخليجية المستمرة منذ خمسة أشهر[41].

ويلاحظ أن الحذر والمرونة الدبلوماسية التي أبداها المغرب في تعاطيه مع هذه الأزمة قد ظلت تخفي وراءها برودا شديدا وغير مسبوق في العلاقة مع دولتي السعودية والإمارات، يمكن وصفه بالأزمة التي ظلت صامتة لعام كامل إلى أن أخرجها إلى العلن عدم تصويت دول عربية (السعودية، الإمارات، البحرين، العراق، الأردن، لبنان، الكويت) وآسيوية بضغط من السعودية على  ملف ترشح المغرب لاستضافة نهائيات كأس العالم لكرة القدم 2026، في مقابل دعمها لملف الترشح للتنظيم المشترك الذي تقدمت به كل من الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك.

وقد كانت الرسائل الأساسية التي وجهها المغرب للسعودية عقب قيادتها لحملة بعدم التصويت عليه  أن عبر وزير الرياضة المغربي، عن “أسف بلاده العميق للخيانة التي تعرض لها من طرف بعض الأشقاء العرب بمناسبة التصويت على ملف ترشيحه لاحتضان كأس العالم لعام 2026”.

وهي نفس الرسالة التي أكدها بعد يومين فقط، إعلان وزارة الثقافة والاتصال المغربية في بيان لها عدم مشاركة/”مقاطعة” وزيرها محمد الأعرج في اجتماع لوزراء إعلام “دول التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن” الذي تقوده السعودية، المنعقد بمدينة جدة، في 23 حزيران/يونيو2018[42].

وقد كانت أبلغ رسالة في هذا الإطار هي البيان الصادر عن الديوان الملكي المغربي، الطي أوضح بأن الملك محمد السادس اتصل بأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني لشكره على تصويت بلاده لصالح الترشيح المغربي خلال عملية التصويت لاختيار البلد المنظم لكأس العالم 2026 التي أجريت اليوم بموسكو، مشيرا إلى أن أمير قطر أبلغ الملك محمد السادس بدعم قطر الكامل للمغرب في حال تقدم المملكة بترشيحها لتنظيم مونديال 2030[43].

سابعا: المغرب والقضية الفلسطينية في ظل التطورات المرتبطة بـ “صفقة القرن”

تشهد القضية الفلسطينية منذ صعود دونالد ترامب لكرسي رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية تحركات خطيرة ترمي إلى تصفية القضية وفق ما سمي بـ “صفقة القرن”، التي تمثلت أولى خطواتها باعتراف واشنطن بالقدس عاصمة لإسرائيل بعد نقل سفارتها إليها من تل أبيب. والحديث عن إلغاء حق عودة اللاجئين الفلسطينيين، بما يشير إلى إنهاء الحل المعروف بحل الدولتين والذي تطالب به السلطة الفلسطينية ما يعني تقويض المفاوضات التي انطلقت بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي وأفضت إلى توقيع اتفاقية أوسلو لسنة 1993، وذلك في ظل صمت مريب لمعظم الدول العربية.

في ضوء هذه التطورات الخطيرة، قام الملك محمد السادس بصفته رئيسا للجنة القدس المنبثقة عن منظمة التعاون الإسلامي، بإرسال برقية خاصة للرئيس الأمريكي بتاريخ 05 كانون الأول/ديسمبر2017، أكد له فيها على انشغاله العميق إزاء الإجراء الذي تنوي الإدارة الأمريكية اتخاذه، ومشددًا على محورية قضية القدس ورفض كل مساس بمركزها القانوني والسياسي وضرورة احترام رمزيتها الدينية والحفاظ على هويتها الحضارية العريقة[44].

وعلى إثر تفعيل قرار الإدارة الأمريكية الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل سفارتها إليها، بعث الملك محمد السادس، رسالة إلى الرئيس الفلسطيني محمود عباس، أكد له فيها بأنه لم يدخر وسعًا في كل اتصالاته مع قادة ومسؤولي القوى الدولية الفاعلة في مسارات القضية الفلسطينية العادلة، من أجل التأكيد على ما تمثله هذه الخطوة من تعارض واضح مع مختلف قرارات الشرعية الدولية، التي دعت دومًا إلى الحفاظ على الوضع القانوني للمدينة المقدسة، وعلى مكانتها كنموذج للتعايش والتساكن بين أتباع مختلف الديانات السماوية[45].

وفي خطوة دبلوماسية هامة تندرج ضمن نفس الإطار، استدعى وزير الخارجية المغربي القائمة بأعمال سفارة الولايات المتحدة الأمريكية بالرباط، وسفراء كل من روسيا والصين وفرنسا والمملكة المتحدة المعتمدين في الرباط -باعتبارهم أعضاء دائمين بمجلس الأمن للأمم المتحدة-، وذلك بحضور سفير دولة فلسطين بالرباط، وجدد لهم دعم المملكة المغربية الثابت وتضامنها المطلق مع الشعب الفلسطيني ووقوفها إلى جانبه لنيل حقوقه المشروعة، وعلى رأسها إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.

أما على صعيد الدعم الشعبي للقضية الفلسطينية فقد سهرت مجموعة العمل الوطنية من أجل فلسطين[46] وهيئات مدنية وسياسية أخرى على تنظيم ثلاث مسيرات وطنية حاشدة وفعاليات سياسية وثقافية وفنية في عدة مدن مغربية، للتعبير عن رفض الشعب المغربي لـ “صفقة القرن” وما يترتب عليها من محاولات للإجهاز على حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة.

وكان لافتا خلال هذه الفترة كذلك زيارة الرئيس السابق للمكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل للمغرب، الذي دخله بترتيب من رئيس الحكومة المغربية سعد الدين العثماني وعبر بوابة الملك محمد السادس الذي فتح له الأبواب ورحب به[47]. وهي الزيارة التي أعقبتها زيارة أخرى لقيادات من حركة فتح وحركة حماس والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، من أجل حشد الدعم للقضية الفلسطينية والمشاركة في ندوة وطنية حول “صفقة القرن” نظمتها مجموعة العمل الوطنية من أجل فلسطين بالرباط[48].

خاتمة:

إن القراءة التركيبية لتحولات المشهد السياسي المغربي في ضوء صراع موازين القوى، داخليا وخارجيا، خلال النصف الثاني من سنة 2017 والنصف الأول من سنة 2018، ليكشف عن مفارقة كبيرة تتمثل في تراجع ثقة المواطنين في العملية السياسية وتكثيفهم الطلب على الحرية والعدالة الاجتماعية، في مقابل تراجع الدولة عن وعود الإصلاح السياسي والاقتصادي التي التزمت بها منذ سنة 2011.

ومن ثم، فإننا بصدد تناقض بين إرادتي طرفي العقد الاجتماعي الذي تأسس عقب الربيع العربي على أساس أطروحة الإصلاح في ظل الاستقرار، التي تعرضت لاهتزاز عنيف بعد قفز الدولة على نتائج الانتخابات التشريعية لسنة 2016، وتغليبها للمقاربة الأمنية في التعاطي مع الاحتجاجات التي اندلعت في الريف وجرادة وغيرها.

على الصعيد الخارجي، لا تزال قضية الصحراء تحظى بالأولوية في هندسة السياسة الخارجية للمغرب، لكن بمنهجية مختلفة ترتكز على عدم ترك الفراغ لجبهة البوليساريو وتجاوز سياسة المقعد الفارغ في المنظمات الدولية والإقليمية التي تعتبر الجبهة عضوا فيها. فعلى هذا الأساس تمضي المملكة في توطيد شراكاتها مع الدول الإفريقية والاتحاد الأوروبي في جميع المجالات، والنأي بنفسها ما أمكن عن الاصطفافات الجارية في المنطقة العربية، مع تحيزها، ولو بشكل غير مؤثر، للقضية الفلسطينية في ظل التطورات التي تشهدها.

عموما، أمام الدولة في المغرب فرصة لاسترجاع ثقة المواطنين في العملية السياسية وبالتالي في مسار الإصلاح والانتقال الديمقراطي بشكل عام، إن هي تخلت عن مساعيها في ضبط المجالين السياسي والاجتماعي، وبادرت إلى حل أزمتي الريف وجرادة وغيرها، مع ما يقتضيه الأمر من تفعيل لمقتضيات الوثيقة الدستورية وتجديد الثقافة السياسية القديمة التي تتحكم في تأويلها، وهو ما من شأنه أن يعزز البناء الداخلي الذي سينعكس إيجابا لا محالة على السياسة الخارجية.

الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مركز برق للاستشارات والدراسات المستقبلية 

جميع الحقوق محفوظة لدى مركز برق للاستشارات والدراسات المستقبلية © 2018

[1] “البلوكاج الحكومي” لفظ أطلقته بعض الأوساط السياسية والإعلامية على الفترة التي امتدت من 10 تشرين الأول/أكتوبر موعد تكليف الملك محمد السادس لعبد الإله بنكيران الأمين العام لحزب العدالة والتنمية بتشكيل الحكومة على أساس تبوؤ حزبه لصدارة الانتخابات التشريعية، إلى 15 آذار/مارس 2017 موعد إعفائه على خلفية حؤول الحواجز السياسية التي وضعتها أمامه بعض الأحزاب ومن ورائها القصر، دون نجاح في مهمته.

[2]  الحسن حما، التحولات السياسية والاجتماعية بالمغرب خلال 2016/2017 في ضوء الحراك الاحتجاجي، مركز برق للأبحاث والدراسات المستقبلية، 21-08-2017:  https://barq-rs.com/التحولات-السياسية-والاجتماعية-بالمغ/#

[3]  نهاية بنكيران على رأس قيادة “البيجيدي”.. المجلس الوطني يصوت ضد الولاية الثالثة، 24 ساعة، 26-11-2017:

http://24saa.ma/30582.html

[4]  بايتاس: مسار الثقة إعلان لنهاية الشعبوية السياسية، هسبريس، 10-03-2018:

https://www.hespress.com/politique/384134.html

[5]  أخنوش: سنحصل على رئاسة الحكومة خلال انتخابات 2021، العمق المغربي، 09-12-2017:

 https://al3omk.com/253917.html

[6]  أخنوش وحملة المقاطعة في المغرب.. طعنة للسياسة بسكين الاقتصاد، القدس العربي، 30-05-2018:

 http://www.alquds.co.uk/?p=944725

[7]  “زلزال الملك” يضرب وزراء التقدم والاشتراكية.. و”الاستقلال” يترقب، هسبريس، 25-10-2017:

 https://www.hespress.com/politique/369124.html

[8]  استقالة إلياس العماري أمين عام “الأصالة والمعاصرة” المغربي تعيد الجدل حول الحزب ومصيره، القدس العربي، 08-08-2017:  http://www.alquds.co.uk/?p=768400

[9]  اشتباكات بين أنصار شباط وبركة في مؤتمر “حزب الاستقلال” المغربي، العربي الجديد، 30-09-2017:

 https://www.alaraby.co.uk/politics/2017/9/30/اشتباكات-في-مؤتمر-حزب-الاستقلال-المغربي

[10]  حزب الاستقلال يتخلى عن دعم حكومة العثماني ويعلن انضمامه للمعارضة، 2m، 21-04-2018:

http://www.2m.ma/ar/news/حزب-الاستقلال-يتخلى-عن-دعم-حكومة-العثماني-ويعلن-انضمامه-للمعارضة-20180421/

[11]  يطلق “حراك الريف” على الحراك الاحتجاجي الذي اندلع بمدينة الحسيمة في تشرين الأول/أكتوبر 2016، على خلفية مقتل بائع السمك محسن فكري الذي مات بشاحنة للأزبال أثناء محاولته مقاومة مصادرة السلطات وإتلافها لبضاعته.

[12]  500 معتقل في المغرب على خلفية حراك الريف في أقل من سنة، اليوم 24، 10-10-2017:

 http://www.alyaoum24.com/962914.html

[13]  “هيومن رايتس” ترسم صورة سوداء عن أحداث جرادة، تيل كيل عربي، 04-06-2018:

 http://ar.telquel.ma/هيومن-رايتس-ترسم-صورة-سوداء-عن-أحداث-ج/?fbrefresh=9

[14]  لماذا اعتقل حميد مهداوي ولم يعتقل رؤساء الأحزاب الذين دعوا المواطنين للتظاهر، الأول، 25-07-2017:

 http://alaoual.com/politique/73415.html

[15]0  اعتقال بوعشرين يثير جدل حرية الصحافة بالمغرب، الجزيرة نت، 25-02-2018:

 http://www.aljazeera.net/news/reportsandinterviews/2018/2/25/اعتقال-بوعشرين-يثير-جدل-حرية-الصحافة-بالمغرب

[16]  المنتجات الاستهلاكية المعنية بالمقاطعة هي: مادة حليب “سنطرال” الذي تعود ملكيته لشركة “سنطرال دانون” الفرنسية، وشركة “إفريقيا” للمحروقات المملوكة لعزيز أخنوش رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار ووزير الفلاحة، وشركة “سيدي علي” للمياه معدنية التي تعود ملكيتها لمريم بنصالح الرئيسة السابقة للاتحاد العام لمقاولات المغرب (أكبر تجمع لرجال الأعمال المغاربة).

[17]  “تيل كيل عربي” تكشف كواليس حملة المقاطعة وحروبها السياسية، تيل كيل عربي، 26-04-2018:

 http://ar.telquel.ma/تيل-كيل-عربي-تكشف-كواليس-حملة-المقاطع/

[18]  نفس المصدر.

[19]  شركة “سنطرال دانون” تعتذر عن تصريحات بعض مسؤوليها، الأحداث، 02-05-2018:

شركة «سنطرال دانون» تعتذر عن تصريحات بعض مسؤوليها

[20]  سنطرال تتوقع خسائر قيمتها 15 مليارا بسبب المقاطعة، هسبريس، 04-06-2018:

 https://www.hespress.com/economie/394123.html

[21]  مقاطعة المغاربة تكلف “أفريقيا للغاز” 150 مليون يوميا، عربي21، 01-05-2018:

 https://arabi21.com/story/1090631/مقاطعة-المغاربة-تكلف-أفريقيا-للغاز-150-مليون-يوميا-وثائق

[22]  أخنوش وحملة المقاطعة بالمغرب.. طعنة سياسية بسكين الاقتصاد (تقرير)، وكالة الأناضول للأنباء، 30-05-2018:

 https://www.aa.com.tr/ar/اقتصاد/أخنوش-وحملة-المقاطعة-بالمغرب-طعنة-للسياسة-بسكين-الاقتصاد-تقرير/1160472

[23] Daoudi participe au sit-in des salariés de Centrale Danone (et les internautes s’insurgent), 06/06/2018:

 https://www.huffpostmaghreb.com/entry/daoudi-participe-au-sit-in-des-salaries-de-centrale-danone-et-les-internautes-sinsurgent_mg_5b17ab7be4b09578259d3e4f

[24]  حملة مقاطعة جديدة بالمغرب.. خليه يغني بوحدو، الجزيرة نت، 31-05-2018:

          http://ww.aljazeera.net/news/cultureandart/2018/5/31/حملة-مقاطعة-جديدة-بالمغرب-خليه-يغني-بوحدو

[25]  سنة على الانضمام المغربي للاتحاد الإفريقي.. أية حصيلة؟، pjd.ma، 29-01-2018:

 http://www.pjd.ma/الاخبار/سنة-على-الانضمام-المغربي-للاتحاد-الإفريقي-أي-حصيلة؟

[26]  تطورات جديدة.. البوليساريو تطالب الاتحاد الإفريقي بالتدخل عسكريا ضد المغرب !، الأيام 24، 06-02-2018:

 https://www.alayam24.com/articles-51207.html

[27]  بماذا قضت محكمة العدل الأوروبية بشأن اتفاق الصيد مع المغرب، الجزيرة نت، 27-02-2018:

 http://www.aljazeera.net/news/arabic/2018/2/27/ماذا-قضت-العدل-الأوروبية-بشأن-اتفاق-الصيد-مع-المغرب

[28]  الرد المغربي بعد قرار محكمة العدل الأوروبية، الأيام24، 03-03-2018:

 https://www.alayam24.com/articles-52455.html

[29]  تجديد اتفاقية الصيد بين الاتحاد الأوروبي والمغرب يشمل الصحراء، هسبريس، 21-03-2018:

 https://www.hespress.com/economie/385346.html

[30]  حجز الفوسفات المغربي بجنوب إفريقيا.. قرصنة سياسية بغطاء قضائي، هسبريس، 23-02-2018:

 https://www.hespress.com/economie/382439.html

[31] جنوب إفريقيا تصدم المغرب في قضية سفينة الفوسفات وتحكم لصالح البوليساريو، الأيام 24، 23-02-2018:

 https://www.alayam24.com/articles-52068.html

[32]  المغرب يقطع علاقاته مع إيران وحزب الله ينفي تورطه، الجزيرة نت، 01-05-2018:

 http://www.aljazeera.net/news/arabic/2018/5/1/المغرب-يقطع-العلاقات-مع-إيران-وحزب-الله-ينفي-تورطه

[33]  تحذير مغربي من قلب الصحراء لـ “البوليساريو”: مستعدون لكل الاحتمالات، العربي الجديد، 09-04-2018:

 https://www.alaraby.co.uk/politics/2018/4/9/تحذير-مغربي-من-قلب-الصحراء-لـ-البوليساريو-مستعدون-لكل-الاحتمالات

[34]  تمديد 6 أشهر لبعثة الأمم المتحدة بالصحراء الغربية، عربي 21، 28 أبريل 2018:

 https://arabi21.com/story/1089788/تمديد-6-أشهر-للبعثة-الأممية-بالصحراء-الغربية

[35]  محمد السنوسي، الإصلاح الدستوري وجغرافية السياسة الخارجية المغربية الجديدة، تجربة الإصلاح الدستوري في المغرب: مجموعة باحثين، تنسيق وتقديم: سعد الدين العثماني، منتدى العلاقات الدولية، الطبعة الأولى 2015، ص 129.

[36]  “المملكة المغربية تتابع بانشغال بالغ الأزمة الخليجية”، الموقع الرسمي للوزارة، 11-06-2017:

):  https://www.diplomatie.ma/arab/Politiqueétrangère/MondeArabe/tabid/1618/vw/1/ItemID/14796/language/en-US/Default.aspx

[37]  بيان وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الدولي المغربية”، الموقع الرسمي للوزارة، 12-06-2017:

):https://www.diplomatie.ma/arab/Politiqueétrangère/MondeArabe/tabid/1618/vw/1/ItemID/14802/language/en-US/Default.aspx

[38] Crise du Golfe : le Maroc va envoyer de l’aide alimentaire au Qatar, Par Jeune Afrique avec AFP, 13-06-2017 : http://www.jeuneafrique.com/447475/politique/crise-golfe-maroc-va-envoyer-de-laide-alimentaire-qatar/

[39]  بعد حياده.. قناة إماراتية تبث خريطة المغرب مبتورة، عربي21، 13-06-2017:

 https://arabi21.com/story/1013911/بعد-حياده-قناة-إماراتية-تبث-خريطة-المغرب-مبتورة-شاهد

[40]  قناة العربية السعودية تغير من خط تحريرها إزاء قضية الصحراء المغربية!، le360، 14-06-2017:

http://ar.le360.ma/medias/110427

[41]  قطر: زيارة محمد السادس ناجحة و”الصورة” مركبة، الجزيرة نت، 15-11-2017:

 http://www.aljazeera.net/news/arabic/2017/11/15/قطر-زيارة-محمد-السادس-ناجحة-و-الصورة-مركبة

[42]  وزير الثقافة المغربي يقاطع اجتماع وزراء إعلام “التحالف العربي باليمن” في جدة، القدس العربي، 14-06-2018:

 http://www.alquds.co.uk/?p=955402

[43]  اتصال هاتفي من الملك لشكر أمير قطر على دعم المغرب، le360.ma، 14-06-2018:

 http://ar.sport.le360.ma/maroc/59940

[44]  الملك يبعث رسالة إلى ترامب بخصوص القدس، الصباح، بتاريخ: 05-12-2017:

الملك يبعث رسالة إلى ترامب بخصوص القدس

[45]  بعد تفعيل ترامب لقراره في القدس.. رسالة هامة من الملك إلى رئيس فلسطين، الأيام 24، 14-05-2018:

 https://www.alayam24.com/articles-55736.html

[46]  هيئة وطنية لدعم القضية الفلسطينية ومناهضة التطبيع مع إسرائيل، تضم مختلف الحساسيات المدنية والسياسية بالمغرب.

[47]  مشعل: سعيد بزيارة المغرب الذي دخلته عبر بوابة الملك، عربي21، 06-12-2017:

 2113 https://arabi21.com/story/1059363/%D9%85%D8%B4%D8%B9%D9%84-%D8%

[48]  ندوة “صفقة القرن” تجمع قيادات الفصائل الفلسطينية ورموز وطنية بالرباط، الإصلاح، 05-05-2018:

 http://ww.alislah.ma/أخبار/أخبار-وطنية/ندوة-صفقة-القرن-تجمع-قيادات-الفصائل-الفلسطينية-ورموز-وطنية-بالرباط

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الرجاء الانتظار ..

النشرة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقى على اطلاع بأحدث الأخبار و الفعاليات
إغلاق
إغلاق