الاصداراتالدراسات الاستراتيجيةترجمات

إيران: عقوبات نفطية وهزائم سياسية

*بقلم جيرار فيسبيير الباحث المشارك في مؤسسة دراسات الشرق الأوسط ((FEMO   والمختص المشارك في مراكز استشاراتٍ استراتيجية.

 

يُعدّ شهر تشرين الثاني/نوفمبر من أكثر الأشهر حساسية بالنسبة للقيادة الإيرانية. ابتداءً من عقوبات الولايات المتحدة الأمريكية على المنتجات النفطية والصناعية وعلى القطاع المالي في طهران، ثمّ ما يتوقف عليه احتمال وقف القتال في اليمن من مخاطر جدّية قد تتعلق بفقدان حركة الحوثيين -المدعومين من إيران منذ عام 2014- سيطرتهم هناك. هذا كلّه يعني احتمالية انكسار الهلال الشيعي.

منذ انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية في 8 أيار/مايو من هذا العام من الصفقة النووية الإيرانية التي أُبرمت في 14 تموز/يوليو عام 2015، أصبح الوضع الاقتصادي الإيراني أكثر غموضًا وتعقيدًا.

فيما يتعلق بالوضع النفطي، فقد أنتجت إيران قبل الاتفاق 3.4 مليون برميل في اليوم، هذا الإنتاج تمّ تقسيمه بين حوالي 50% لحاجات الاستهلاك المحلي و50% للتصدير الخارجي -أي ما يُعادل 1.7 مليون برميل في اليوم-.

وفور رفع العقوبات عن طهران ارتفع إنتاج النفط وصادراته بمقدار مليون برميل يوميًّا، حيث بلغ متوسط الإنتاج في بداية هذا العام، وفقًا لوكالة الطاقة الدولية والوكالة الأمريكية لمعلومات الطاقة، حوالي 4.4 مليون برميل في اليوم، الأمر الذي سمح بزيادة مستوى الصادرات الإيرانية إلى نحو 2.7 برميل يوميًّا.

من خلال هذه الأرقام سيكون لزامًا علينا أن نفكّر ونقيّم حدود تأثير العقوبات الأمريكية التي وُضعت في 4 تشرين الثاني/نوفمبر.

إنّ جعل إيران تخسر مليون برميلٍ إضافي في اليوم سيكون المستوى الأول من النجاح بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، ولكن لن يكون كافيًا لوضع إيران في مصاعب حقيقية، لأنّ البلد بهذه الحالة سيعود إلى مستوى الإنتاج الذي كان عليه قبل اتفاقية عام 2015.

وبالتالي فإنّ حزمة العقوبات الجديدة هذه يجب أن تصل إلى تراجع مستوى الصادرات من 1.5 مليون إلى 2 مليون برميل يوميًّا، ذلك إذا أرادت الولايات المتحدة الأمريكية بالفعل أن تخلق مشكلةً اقتصادية حقيقيّةً وعميقة لإيران.

الإدارة القانونيّة للعقوبات من الولايات المتحدّة الأمريكية:

تشمل صادرات النفط الإيرانية دولًا آسيويةً وأخرى جنوبي أوربية، معظمهم حلفاء أو شركاء للولايات المتحدة، الهند واليابان وكوريا الشمالية وكوريا الجنوبية والصين وتركيا واليونان وإيطاليا وإسبانيا، هذه الدول ارتابها الكثير من القلق نتيجة تطور العقوبات ضدّ طهران.

تعمل الإدارة الأمريكية حاليًّا على استراتيجيتين معًا، العقوبات النفطية والأحكام القانونيّة، لأنّ أيّ تغيرات في إمدادات النفط لا يمكن أنْ تحصل بسرعة، وهناك حاجةٌ أيضًا لتعويض النقص بزيادة الإنتاج والصادرات من منتجين آخرين.

من وجهة النظر القانونيّة، قرّرت الولايات المتحدة الأمريكية إعطاء شركائها وحلفائها إعفاءاتٍ مؤقتةً تسمح لهم بمواصلة استيراد النفط من إيران لبعض الوقت، على الأرجح لستة أشهرٍ شرط العمل على الحدّ من مشترياتهم بشكلٍ تدريجي خلال هذه المدّة.

هذه الأحكام المتعلقة بتطبيق اعفاءاتٍ معينةٍ يضمنها قانون -مواجهة أعداء الولايات المتحدة من خلال فرض عقوبات-، هذا القانون تم إصداره في آب/أغسطس 2017، كان الهدف منه السماح للولايات المتحدة بفرض عقوباتٍ على دولةٍ ثالثةٍ لم تلتزم بالعقوبات الأمريكية ضدّ بلدٍ ما. وبالتالي يمكنها معاقبة أيّ كيانٍ أو دولةٍ لا تلتزم بالعقوبات على إيران، مما يؤثر في علاقات هذا البلد الخاصّة مع النظام المالي والاقتصادي للولايات المتحدة.

إدارة النفط:

لا بدّ من الإشارة قبل كلّ شيء إلى أنّ فعاليّة النظام النفطي، المفروض حديثًا على إيران، تعني بالضرورة القدرة على تزويد سوق النفط العالمي بنفس حجم الإنتاج، الأمر الذي يعوض تراجع المبيعات النفطية.

من وجهة النظر هذه لا يجب أن نتعامل بنوايا حسنة، لأنّ تراجع المبيعات وبالتالي انخفاض الحصّة السوقيّة للمنتج سيكون فرصة للآخرين، المقصود هنا أنّه لن يكون هناك تعويضٌ مقابل لا شيء، إذ أنّه من ستتاح له الفرصة سيرفع إنتاجه ليسدّ مقدار النقص ويُسيطر على هذا الجزء المتعثر من السوق.

في منطقة الشرق الأوسط هناك دولتان فقط قادرتان على القيام بهذا الدور، المملكة العربية السعودية والعراق. الأولى لديها قدرة كبيرة على استغلال هذه الفرصة لأسبابٍ عديدة.

السعودية ثالث أكبر مُنتِجٍ للنفط في العالم ولديها احتياطاتٌ وتسهيلاتٌ تمكنّها من زيادة إنتاجها من 500 ألف برميل إلى مليون برميل في اليوم وبسرعةٍ كبيرة. وقد أشارت السلطات السعودية بالفعل إلى أنها ستبذل كلّ جهدٍ لضمان “عدم افتقار العالم للنفط”.

يمكننا أنْ نُضيف أنّ هذا التطلع السعودي سيتمّ بشكل خاصٍ إذا كان من أجل مكافحة إيران -الخصم التقليدي للسعودية-، ولكن لا بدّ من التذكير بما حدث في 2 تشرين الأول/أكتوبر حول قضية خاشقجي، لن تتمكن المملكة العربية السعودية بسبب هذه الحادثة من استعادة صورتها الإيجابية بسهولة، ما يعني أنه ربما لن يكون متاحًا لها أن تلعب دورها الكامل كمُصدّرٍ رئيسي للنفط في العالم.

أمّا العراق فيقوم بتطوير خطةٍ مدّتها خمس سنواتٍ، لتصبح -إن سارت الأمور على ما يُرام- رابع أكبر منْتِجٍ في العالم، حيث يتجاوز الإنتاج 7 ملايين برميل يوميًا بدلًا من المستوى الحالي الذي يُقدّر ب 4.2 مليون برميل.

يُضاف إلى ذلك احتياطي العراق النفطي الكبير وموارد البلاد الإضافية الهائلة التي يحتاج إليها لإعادة الإعمار. هذا ما سيبرّر سعي العراق لتحقيق أهدافه تلك، وبالتالي فالبلاد قادرةٌ على إنتاج مئات آلاف البراميل الإضافية يوميًّا بدءًا من عام 2019.

والمفارقة أنّه خارج الشرق الأوسط أكبر مُنتِجَين للنفط في العالم هما الولايات المتحدة وروسيا، واللتان يمكنهما إنتاج مئات الآلاف من البراميل الإضافية يوميًا وبسرعةٍ أيضًا.

تُنتِج روسيا حاليًا 10.5 مليون برميل يوميًا، وارتفع إلى 10.8 مليون قبل الاتفاق مع السعودية لخفض الإنتاج من أجل رفع الأسعار في وقتٍ سابقٍ هذا العام.

الولايات المتحدة من جانبها أصبحت أكبر منتجٍ في العالم، إذ تجاوز إنتاجها هذا العام 11 مليون برميل في اليوم، وتُشير توقعاتُ وكالة الطاقة الدولية أن يصل إلى 12 مليون برميل في نهاية عام 2019.

وعليه فإنّه يمكن للولايات المتحدة المشاركة في إعادة التوازن للسوق وتعديل الخلل الذي يسببه تراجع إنتاج إيران جرّاء العقوبات.

أظهر سوق النفط قلقًا كبيرًا في أوائل شهر تشرين الأول/أكتوبر، حيث وصل سعر خام برنت المدرج في بورصة لندن إلى 85 دولارًا للبرميل.

 إلا أنّ الإعلانات السعودية وارتفاع المخزون في الولايات المتحدة وتباطؤ التوقعات الاقتصادية العالمية دفعت برنت إلى خفض السعر، حيث وصل إلى ما دون مستوى 75 دولارًا في الأسبوع الأخير من شهر تشرين الأول/أكتوبر الماضي.

كما تمّ طمأنة السوق بأنّ الولايات المتحدة قرّرت منح إعفاءاتٍ، على الأقل لمدّة 180 يومًا لحلفائها وشركائها الذين يستوردون النفط الإيراني، وبالتالي لن يتأثر السعر في السوق بضربة الضغط الأمريكي على إيران، لكن الأمر ليس كذلك بالنسبة للاقتصاد الإيراني الذي يُعاني أساسًا.

التأثير على الاقتصاد الإيراني:

الشعب الإيراني يتّسم بالمرونة بدون شك، لكن مرونتهم مرّ عليها على هذه الحال عدّة عُقود، فمنذ زمنٍ بعيدٍ والإيرانيون يرون دخلهم ينخفض، ومخصصات النظام الصحي والتعليمي في تراجعٍ مستمر. وعليه كيف يمكن تفسير الحركات والإضرابات الحالية في النظام المدرسي في كثيرٍ من المدن الإيرانية؟.

يعرف الإيرانيون أيضًا أنه ومنذ عقودٍ تمّ تخصيص موارد البلاد النفطية للمشروعات العسكرية أو النووية أو الباليستية، ويعرفون كذلك أنّ هذه المشروعات لم تُساهم بشكلٍ إيجابي في معيشة السكان.

سمع الجميع الشعارات التي تردّدت في مظاهرات إيران “ليست لسورية إنما لإيران”، إذًا هذا هو سبب مئات المظاهرات والإضرابات التي قام بها مثلًا سائقو الشاحنات في جميع أنحاء البلاد منذ ربيع هذا العام.

كما ويعرف الإيرانيون أن جزءًا هامًّا من الثروة الوطنية يتمّ تحويله إمّا إلى المؤسسات الدينية أو إلى الباسدران -الحرس الثوري الإيراني-، وقد ردّدت المظاهرات التي عمّت جميع المدن الرئيسية في البلاد شعاراتٍ تُدين هذا الوضع “يا لصوص! أعيدوا المال”.

من المحتمل جدًا أن تشهد البلاد إما في نهاية هذا العام أو بداية العام القادم أحداثًا وموجات احتجاجاتٍ داخلية، فالنظام الإيراني الآن محلّ تشكيك شعبي بسبب إدارته الكارثية لموارد البلاد. وبالفعل انطلقت شعاراتٌ في مظاهراتٍ سابقة “الموت لروحاني، الموت لخامنئي”.

في ظلّ هذا الوضع الاقتصادي والاجتماعي الصعب لن تنجو سياسة إيران الخارجية، لأنّ الشعب الإيراني سيكون له الكلمة الأخيرة.

صعوبات “الهلال الشيعي”:

هناك العديد من الضغوطات الدولية وحتى الروسية لرؤية إيران تنسحب من سورية، وهذا ما صرّح به فلاديمير بوتين بالفعل “كجزءٍ من التسوية السياسية للوضع السوري، يتعين على جميع القوّات العسكرية الأجنبية الانسحاب” وأضاف مبعوثه الخاص إلى سورية بعد 48 ساعةٍ من هذا التصريح قوله: “بما فيها القوات الإيرانية”.

على صعيد الوضع اليمني، لا تبدو الاحتمالات إيجابية بالنسبة للسياسة الإيرانية المتعلقة ب”الهلال الشيعي”، حيث تقوم طهران بتدريب ودعم الأقلية الحوثية التي تحتل العاصمة صنعاء.

الحالة اليمنية على أعتاب تطورٍ جديد، ليس فقط من خلال هجوم الجيش النظامي اليمني والقوات الإماراتية على ميناء الحديدة، ولكن أيضًا من خلال التحركات السياسية التي يقودها الرئيس الرسمي عبد ربه منصور هادي الذي أقال مؤخرًا رئيس وزرائه.

في حركة الحوثي نفسها يبدو الموقف جدّيًا ولكن هذه المرة من ناحية الانقسامات. عبد العظيم الحوثي -ابن عم زعيم الحركة- يعارض عبد الملك الحوثي منذ أربع سنوات، صرّح مؤخرًا أنّ زعيم الحوثيين “لا يسير أبدًا على نهج الزيديّة” إذ أنّه وحسب ما قال عبد العظيم الحوثي “يسير على النهج الشيعي لطهران، ويقود الحركة كلص وقاطع طريق” إذًا الحوثيون يشهدون أزمةً رسميةً جاءتهم في أسوأ الأوقات.

وفي ظلّ هذا الوضع الداخلي الجديد وانفتاح السلطة الرسمية، وفي هذه الصعوبات العسكرية والسياسية التي يمرّ بها الحوثيون، يأتي بقوةٍ الطلب الأمريكي لبدء مفاوضاتٍ بين جميع الأطراف في ستوكهولم، وذلك خلال 30 يومًا تحت رعاية الأمم المتحدة ومبعوثها الخاص إلى اليمن مارتن غريفيث. ربما سيكون هذا التطور قادرًا على فرض وقفٍ لإطلاق النار وبداية الحل السياسي.

وعليه فإنّ انتهاء الحرب في اليمن يعني فشل الحوثيين، وذلك سيكون بمثابة نكسةٍ لسياسة طهران الخارجية التي تهدف إلى إقامة “نظامٍ شريكٍ” في اليمن، أي على الجانب الجنوبي من منافسها المملكة العربية السعودية.

خريفٌ صعبٌ على النظام الإيراني:

في طهران التي يُسيطر عليها النظام الحالي منذ ما يقرب 40 عامًا، سوف تتراكم خلال الأسابيع القادمة صعوباتٌ تهدف إلى ضرب الحالة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

من هنا إذا لجأت السُّلطات إلى قمع المتظاهرين فإنّ هذا العنف يمكن أن يُسهم في تغذية الحركات المعارضة للنظام، أما إذا لم يتمّ اتباع أساليب القمع سيدفع النظام الشارع لصالحه غالبًا. معضلةٌ جديدةٌ بسببها قد يكون الشتاء والربيع الإيرانيين محمومين للغاية.

جيرار فيسبيير لصحيفة (لا تريبون) الفرنسية بتاريخ 5 تشرين الثاني/نوفمبر 2018

رابط المقال الأصلي:

https://www.latribune.fr/opinions/tribunes/iran-sanctions-petrolieres-et-defaite-au-yemen-796400.html

 

الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مركز برق للاستشارات والدراسات المستقبلية 

جميع الحقوق محفوظة لدى مركز برق للاستشارات والدراسات المستقبلية © 2018

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الرجاء الانتظار ..

النشرة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقى على اطلاع بأحدث الأخبار و الفعاليات
إغلاق
إغلاق