الاصداراتالنافذة المغاربيةتقدير موقفمتفرقات 1

أزمة تشكيل الحكومة في المغرب من تكليف بنكيران إلى إعفاءه

أزمة تشكيل الحكومة في المغرب
 
بعد مرور أكثر من خمسة أشهر ونصف على تكليف أمين عام حزب “العدالة والتنمية” السيد “عبد الإله بنكيران” برئاسة الحكومة من طرف الملك، لم ينجح “بنكيران” في إيجاد التوليفة المناسبة لتشكيل حكومة متماسكة قادرة على تسيير الشأن المغربي. وذلك وسط اتهامات متبادلة بين الحزب المتصدر للانتخابات التشريعية وباقي الأحزاب التي عبرت عن رغبتها في المشاركة في الحكومة، أبرز تلك الأحزاب “التجمع الوطني للأحرار” الذي غير أمينه العام بعد تقهقره في الانتخابات وحصوله على المرتبة الرابعة، حيث انضم إلى الحزب “عزيز أخنوش” رجل الأعمال صاحب النفوذ ووزير الفلاحة في حكومة الإسلاميين في نسختها الثانية، غير أن هذا الانضمام لم يكن كعضو عادي في إطار استقطاب الأحزاب لرجال الأعمال والأعيان بل انتخب في مؤتمر استثنائي أمينا عاما للحزب.
استطاع وزير الفلاحة السابق أن يشكل تحالفا مع مجموعة من الأحزاب والتي أصبحت تكون أغلبية عددية مقارنة مع حزب “العدالة والتنمية” وحليفه دون قيد أو شرط حزب “الاستقلال”، حيث استطاع ما يمكن أن يصطلح عليه ب “تحالف الأغلبية العددية” انتخاب رئيس لمجلس النواب؛ بالرغم من رفض الحزب الفائز بالانتخابات الذي صوت نوابه بورقة بيضاء وامتناع حزب الاستقلال عن التصويت في سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ البرلمان المغربي. سيكون انتخاب رئيس مجلس النواب المغربي قبل تشكيل الحكومة بمثابة صدمة لحزب العدالة والتنمية الذي سيعتبر الأمر انقلابا سياسيا عليه، بعد ذلك ستستمر حرب التصريحات بين أمناء الأحزاب وتتعقد أمور تشكيل الحكومة مع إصرار الزعيم الجديد لحزب “التجمع الوطني للأحرار” مشاركة أحزاب متحالفة مع حزبه ومعارضته مشاركة حزب “الاستقلال” في الحكومة، الشرط الذي سيقبله رئيس الحكومة المكلف لكن اعتراضه سيكون على مشاركة حزب “الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية” وهو حزب رئيس مجلس النواب المنتخب.
استمر ما اصطلح عليه في الحوار السياسي المغربي “البلوكاج الحكومي” في إشارة إلى تعثر تشكيل الحكومة- لعدة أشهر، وذلك بتشبث الأطراف الرئيسية بمواقفها وعدم تقديم الليونة اللازمة والخروج بحل يرضي الجميع. فحزب “العدالة والتنمية” لا يريد تقديم الكثير من التنازلات باعتبار أنه الحزب الفائز في الانتخابات، وأن أي تنازل قد يعصف بشعبيته ويجعله يفقد الكثير من مصداقيته أمام الناخبين، خصوصا بعد أن تخلى عن حزب “الاستقلال” الذي سبق وأعلن استعداده للدخول إلى الحكومة المقبلة؛ حيث ساعد تصريح زعيمه “حميد شباط” حول العلاقة التاريخية بين المغرب وموريتانيا في جعل هذا التخلي أن يبدو مقبولا.
رغم أن تعثر تشكيل الحكومة تبقى مسألة مقبولة في الأنظمة الديمقراطية لارتباطها بالتوافقات السياسية وما أفرزته صناديق الاقتراع – كانت هناك سوابق مماثلة في إسبانيا وبلجيكا …-، غير أن تحول الصراع من خلافات سياسية وبرامج حزبية إلى صراعات مرتبطة بالأشخاص ساعد في تعطيل ولادة الحكومة الجديدة، حيث سبق أن حذّر “الملك محمد السادس” في خطاب “داكار” بمناسبة الذكرى 41 للمسيرة الخضراء: “من جعل الحكومة مجرد غنيمة تتهافت الأحزاب على تقسيمها بل يجب أن تكون منسجمة وتستجيب لتطلعات الشعب المغربي”. رئيس الحكومة المكلف كان يعرف جيدا أن المخاطب الرئيسي في تشكيل حكومته هو “عزيز أخنوش” رئيس “التجمع الوطني للأحرار” الذي ظل متشبثا بمشاركة “الاتحاد الاشتراكي”، لكن تصريح “بنكيران” في أحد المؤتمرات الصحفية كونه لن يقدم المزيد من التنازلات؛ وتشبثه بتشكيل الحكومة بالأغلبية السابقة زائد حزب “الإتحاد الدستوري” وختمه القول بعبارة “انتهى الكلام” كان بمثابة إعلان فشل المفاوضات ووصولها إلى الباب المسدود.
بعد وصول مشاورات تشكيل الحكومة إلى الطريق المغلق، كانت جميع المؤشرات توحي بقرب إعلان رئيس الحكومة المكلف هذا الفشل، وهو الذي لوح إلى أنه ينتظر مقابلة ملك البلاد لإخباره بالأسباب التي حالت دون نجاح المهمة التي كلف بها. عودة الملك من إفريقيا لم تحمل أخبارا سارة للسيد “عبد الإله بنكيران” الذي سيتلقى خبر إعفاءه من طرف مستشاري الملك، حيث سيعين الملك الرجل الثاني في حزب “العدالة والتنمية” ورئيس المجلس الوطني للحزب السيد “سعد الدين العثماني”.
قرار إعفاء رئيس الحكومة جاء وفقا لتأويل الفصل 42 من الدستور المغربي والذي ينص على أن: “الملك، رئيس الدولة، وممثلها الأسمى، وضامن دوام الدولة واستمرارها، والحكم الأسمى بين مؤسساتها، يسهر على احترام الدستور، وحسن سير المؤسسات الدستورية، وعلى صيانة الاختيار الديمقراطي…”، وذلك بعد أن أعلن “الملك محمد السادس” بعيد إعلان نتائج الانتخابات التشريعية تعيين أمين عام حزب “العدالة والتنمية” رئيسا للحكومة في استقبال رسمي، وفق الفصل 47 من الدستور المغربي الذي يقول: “يعين الملك رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها…”، وهو نفس الفصل الذي سيحترم بإعلان رئيس حكومة جديد من نفس الحزب الفائز في إشارة إلى احترام الدستور الذي تعاقد عليه المغاربة بعد الحراك الشعبي سنة 2011.
إذا كان قرار الإعفاء من الناحية الديمقراطية مقبولا واحترم فيه منطق الدستور فإن القراءات السياسية للإعفاء كانت متعددة، حيث فسر الكثير أن “بنكيران” حشر نفسه في الزاوية بإعلانه الكثير من الخطوط الحمراء وهو الذي يتحمل مسؤولية فشل تشكيل الحكومة وبالتالي فاستبداله بشخص آخر من نفس الحزب يمكن أن يضخ دماء جديدة في أي مشاورات مستقبلية، لكن هناك من رأى بأن هذا الإعفاء بمثابة تهميش سياسي ل”بنكيران” الذي أصبحت شعبيته تزعج الكثيرين وتزيد من قوة حزبه.
قرار تعيين الدكتور “سعد الدين العثماني” رئيسا للحكومة ومكلفا بتشكيلها بدل الأمين العام للحزب هو قرار دبلوماسي ويحمل عدة رسائل أهمها:

  • أن الملك ملتزم بالخيار الديمقراطي وأول من يحترم الدستور.
  • قرار الإعفاء أفضل من اللجوء إلى انتخابات مبكرة، كما أن الوضع في المغرب ليس بالسوء الذي يتطلب تشكيل حكومة وحدة وطنية تشارك فيها جميع الأطياف السياسية.
  • إعفاء “بنكيران” رسالة إلى الأطراف التي كانت تتهمه بمسؤولية تعثر المشاورات أن العقبة التي كانوا يتحججون بها قد زالت، ويجب التعامل مع المعطى الجديد وإثبات أنهم ليسوا جزءا من المشكل.
  • تعيين رئيس حكومة جديد من “العدالة والتنمية” هو إشارة أن الحزب لازال مرغوبا فيه باعتباره حزبا وطنيا، وأن الأحزاب في المغرب لا يجب أن تختزل في أشخاص.

 
سننتظر ما ستحمله الأيام المقبلة لمعرفة مدى قدرة الدكتور “سعد الدين العثماني” على وضع حد لمسلسل تشكيل الحكومة المغربية، أم أن الأمور ستتخذ مسارات أخرى إذا استمر تشبث الأطراف بشروطهم السابقة، كذلك سنعرف هل فعلا كان شخص “عبد الإله بنكيران” هو العقبة أم أن المسألة أعقد وأكبر من ذلك.
 
للتحميل من هنا
 
 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
الرجاء الانتظار ..

النشرة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقى على اطلاع بأحدث الأخبار و الفعاليات
إغلاق
إغلاق