
الدين سلعةً سياسية
نبيل الفولي
مما يغفل عنه كثير من الناس أن وقوع الدين والتدين ضمن اهتمام كثير من الفلاسفة والمفكرين والعلماء والمنظِّرين وجمهرة الناس؛ عامة وخاصة، طوال التاريخ؛ يعني أنه موضوع مركزي في حياة البشر، وهذا دليل تاريخي صادق على أحقية التدين في ذاته، وأنه الأصل في مسيرة البشر.
يصدق هذا الحكم على من ناصر الدين واعتبره ظاهرة إيجابية، وعلى من عارضه وعاداه واعتبره أداة للسيطرة أو نوعًا من الدجل؛ إذ إن اهتمام المفكر ذي الرؤية غير المتوافقة مع الدين بالبحث عن تفسير لهذه الظاهرة البشرية العامة؛ يعني – فيما يعني – أنه لم يستطع أن يغض طرفه عنها، وأنها من القوة بحيث تضطر صديقها وخصمها إلى دراستها والبحث فيها وتقديم تفسير لها، وأما صواب وخطأ التفسير المقدَّم فهو مسألة أخرى ترجع إلى منطقية النظرة وتوافقها أو تعارضها مع حقائق الواقع والتاريخ.
وفي العالم الإسلامي ينبغي أن يدفع هذا الأمر باحثينا ومؤسساتنا المعنية إلى المشاركة بقوة في دراسة ظاهرة الدين والتدين في حياة البشر دراسة علمية دقيقة ومنضبطة بأصول منهجية صحيحة، وكيف تعامل معها البشر في مختلف صورها، وأهمية الطرح الديني الإسلامي، وما يشارك فيه طروحاتِ الأديان الأخرى من ألوان العطاء وطبيعة الاهتمام، وما يزيده عليها بالنظر إلى اتساع رقعته القومية والجغرافية، وعمق تأثيره النفسي والاجتماعي، وأنه أكثر دين حيٍّ عُمِّر فوق الكوكب مع بقاء أصوله على صورتها الأولى في عمومها.
وظيفة الدين وتوظيفه:
ولعل مما يلاحظ في هذا الصدد أن توظيف الدين اجتماعيًا لم يختلف من بيئة إلى أخرى، ولا من دين إلى آخر؛ لأن التوظيف نفسه راجع لا إلى طبيعة الدين، بل إلى طبيعة الإنسان نفسه ووسائله وأدواته التي تتلاءم، أو يسعى هو إلى أن تتلاءم مع أدواره الاجتماعية وحاجاته النفسية.
ولتوضيح هذا الجانب التأسيسي، يمكن القول: إن الأديان جميعًا متشابهة في أدوارها ووظائفها التي يمكن أن تقوم بها، وهذا أمر تعتني به الدراسات الاجتماعية والنفسية للدين، دون أن يلغي هذا أن الأديان في ذاتها ليست سواء، بل منها منظومات دينية بسيطة جدًا، ومنها أديان معقدة التركيب، ومن جهة أخرى هناك أديان لا يتحقق التوافق معها إلا بنظرة إيمانية تصديقية لا يعنيها التوافق مع العقل أو مخالفته، ويساعد على كثرة المؤمنين بها كونها جزءًا قديمًا أو موروثًا من البيئة الثقافية التي ينشأ فيها الإنسان بدون أن يقع له أو منه ما يؤدي إلى التخاصم معها أو الثورة عليها.
والإسلام فيه هذه الرؤية الإيمانية التسليمية ذات الصلة الواضحة باسمه نفسه (الإسلام)، إلا أنه يضيف إليها توافق أصوله العامة مع المعطيات العقلية الواضحة؛ ولهذا نجد في القرآن آيات تقرر الحقائق مجرد تقرير، وأخرى تشفعها بالدليل والبرهان، وحين تختلف دعوى الآخر (من أهل الكتاب أو المشركين أو غيرهم) التي يعرضها القرآن، فإنه يطلب من أصحابها البرهان والدليل عليها، أو يسوق هو لهم الدليل على عدم انسجام دعواهم مع شيء مما يتفق عليه البشر في فهم الحقائق وتقريرها.
ونرجع إلى سياقنا فنقول: إننا ينبغي أن نفرق بين “وظيفة” الدين و”توظيفه”، فأما “وظيفته” فهي الدور الطبيعي المنوط به كما هو في ذاته؛ سواء صرحت به الأديان نفسها، أو فهمناه نحن من الطبيعة الذاتية للدين، وأما “التوظيف” فهو إخضاع الدين لمهمة ما في الواقع قد تكون متوافقة مع طبيعته أو غير متوافقة.
ووظيفة الدين الذاتية التي تنبع من طبيعته هي: تقديم رؤية نظرية حول الوجود أصلًا وحالًا ومآلًا، وإلى جانبها برنامج عملي سلوكي يطالَب الأتباع به. والفرق في هذا بين الدين وبين برامج التربية والرؤى الإصلاحية والفلسفات الخلقية التي ينتجها الناس باسم الفلسفة أو الفكر أو الإصلاح ترجع إلى أمرين أساسين هما:
- أن المصدر الذي يأتي منه الدين – كما هو اعتقاد أصحاب كل دين في دينهم – متعالٍ على الواقع البشري، وهو ما وصفه دوركايم بـ “المقدَّس”.
- أن الأصل في الرؤية الدينية أنها متكاملة أو جامعة بين النظر والتطبيق، أو التصور والعمل، في حين أن الأصل فيما تقدمه برامج التربية ورؤى الإصلاح الفكري أو الواقعي هو الاقتصار في الغالب على جانب واحد فقط؛ إما النظر، وإما التطبيق.
هذا عن الوظيفة، فماذا عن التوظيف؟
وعى البشر أهمية الدين من قديم في تحقيق نوع من الانسجام النفسي لدى المتدين؛ وذلك أن الإيمان بتعالي المصدر الذي جاء منه الدين مهما يكن، كفيل بأن يحقق للمتدين نوعًا من الطمأنينة والسكينة، وإن بدا أن الواقع حوله يعاني من كثير من الاضطراب والرثاثة، وأن تدينه يفرض عليه التضحية والتنازل عما يملك وعما يؤمّل في هذه الدنيا.
والعجيب أن يستمد الإنسان هذا العلاج النفسي من الدين أحيانًا وهو غير مقتنع به تمامًا، وقد كانت هذه أقدم أزمة للعقل الأوربي مع المسيحية، ففي مرحلة الآباء الممتدة من القرن الرابع إلى التاسع الميلادي تقريبًا، ظهر لهم جليًا عدم التوافق بين العقل وكثير من المعطيات الأساسية للديانة التي اعتنقوها جديدًا، فلم يلجؤوا إلى علاج هذه الإشكالية في ذاتها بالبحث في الأصول اللاهوتية وطبيعة تطورها بعد المسيح عليه السلام، بل تحولوا بموضوع الدين من كونه متماسًا مع العقل في مساحة منه، إلى تجاوز العقل تمامًا، والزعم بأن موضوع الدين موضوع تسليمي إيماني لا يمر عبر العقل من قريب أو بعيد، ولذا فهو علاج أخلاقي ونفسي ناجع.
وهي مسألة حاولت المشائية الأوروبية المسيحية حلَّها بالاتكاء على تراث أرسطو بنكهته الرشدية التي وصلتهم من الأندلس وفيلسوفها ابن رشد القرطبي، وكان القديس توما الأكويني أهم فيلسوف أوروبي في هذا السياق، فقسم قضايا الدين ثلاثة أقسام: متعالٍ على العقل (منها مسألة التثليث والصلب)، ومتوافقة مع العقل (مثل قضية وجود الإله نفسه)، ومناقضة للعقل ككثير من الخرافات والأساطير التي يلصقها الناس بالدين وليست منه.
إلا أن هذا التفسير للقسم المتعالي على العقل أدخل المستحيل في دائرة الإمكان؛ لذا لم تُحَلّ هذه القضية بهذا التقسيم التوموي، حتى جاء إيمانويل كانت، وأخرج الدين من تحت المظلة العقلية تمامًا، وزعم أن مشروعية الدين تأتي من الأخلاق، وليس من التوافق مع العقل؛ وذلك لأن الحياة – حسب رأيه – في حاجة إلى من يعدل لها الميزان في قضية التوافق بين الجزاء والفضيلة الأخلاقية، وهذه الدنيا لا يتحقق فيها هذا العدل؛ لأن أغلب الفضلاء لا ينالون من الدنيا إلا أقل النصيب.
ومن جهة أخرى يوظَّف الدين لدى طائفة من الناس في السيطرة على مستوى ضيق في محيط الأسر المتدينة، أو في الفصول الدراسية في البيئات المهتمة بالدين؛ وذلك بسعيها إلى تحقيق احترام المبادئ والأحكام التي ترغب في ترسيخها في نفوس الأجيال الجديدة، فتنسب هذه المبادئَ والأحكام إلى مصدر غيبي يتنوع تصويرها له، بيد أن المشترك في هذا التصوير هو أنه قوة مهيمنة ومسيطرة وعليمة تصحبنا في كل حال ومكان.
ولا يعني هذا تسوية الدين بالخرافة دائمًا، ولا أن التربية الدينية قائمة على الترهيب في كل حال، ولا أنها قوة غيبية أي مجهولة أو مستحيلة الوجود، إلا أن ثمة مشتركًا في التربية الدينية بكل صورها يمكن ملاحظة عمومه بوضوح، وهو أن المربي يتجاوز فيه ذاته، وينسب ما يأمر به إلى مصدر متعال ومتجاوز، هو مصدر الدين نفسه.
ومن هنا نفهم أن الاتفاق في هذا المبدأ لا يعني أن المضمون المؤدَّى واحد، فوحدة السلوك البشري لا تعني أبدًا توافق المضمون مع المضمون في كل تفاصيله وأجزائه.
وهذه التفرقة في الحقيقة مهمة جدًا؛ لأنها تخرج بنا عن خطأ التعميم الذي ساد أحكام الدراسات الغربية الحديثة عن الدين، حتى بدت الأديان كلها من خلال هذه الأحكام وكأنه لا فرق جوهريًا فيما بينها، وأن وجوه الشبه مثلًا بين الإسلام والمسيحية واليهودية – وهي ثابتة وظاهرة ولا ينكرها حتى المسلم نفسه – تنفي وجوه اختلافه عنهما، أو تجعلها مجرد فروق ثانوية، أو تجعله هو نفسه صورة مشوهة أو ملفَّقة بين الدينين مع بعض التعديلات التي استدعتها البيئة والمرحلة الزمنية التي ظهر فيها الإسلام!
ونرجع إلى توظيف الدين من جديد، فنجد أن الساسة (متدينين كانوا أو غير متدينين) حين يُعنَوْن بالتواصل مع علماء الدين، فإنهم يؤمنون بالوظائف الاجتماعية للدين، وأهمها: إخضاع الناس للنظام الاجتماعي القائم، وهذه ليست مشكلة في ذاتها، ولكن المشكلة تكمن في شخصنة أفراد من النظام، بحيث يصبح الخضوع لهم هو خضوع للنظام نفسه، فينتفي الفرق بين المبدأ والشخص، والقانون والقاضي، والنظام والسلطة، وهو نوع من الكهنوت السياسي الذي تؤمن به الأنظمة في حال عملها على تركيز السلطة في يدها والحيلولة دون انتقالها إلى يد أخرى.
وليس الدين أداة وحيدة في هذا الباب، بل العلم بصورته الحديثة والقديمة وُظِّف في هذه المسألة أيضًا، فأوجست كونت متهم بأنه كان يمثل بآرائه الاجتماعية التي يذيعها دعاية منظمة للأنظمة الحاكمة التي عاصرها، بل إن دعم الحكومات للجامعات وتأسيسها لها مرتهن باتباع خطها، وتشتهر في هذا قصة اختراق شعوب أمريكا الجنوبية من قبل الباحثين الأمريكيين المتخصصين في العلوم الاجتماعية، وتوظيف هذا في مجموعة من انقلابات سياسية دموية في تشيلي والأرجنتين وغيرهما، وفي وقتنا الحالي لا تزال المواجهات مستمرة بين حكومة دونالد ترامب والجامعات الأمريكية التي تعطي الحرية لطلابها في دعم الحقوق الفلسطينية وشجب تصرفات الاحتلال الإسرائيلي الدموية في غزة والضفة الغربية وضد الأسرى الفلسطينيين.
ولكي ندرك مركزية توظيف الدين في الحياة الاجتماعية والشخصية للإنسان، فقد يكون البحث في موقع الدين من المنظومة الثقافية للمجتمع مساعدًا بقوة لتحقيق هذا الهدف، وهو ما نتكلم عنه في الفقرة التالية.
موقع الدين داخل بنيان الثقافة:
في التعريف الأشهر للثقافة ذهب إدوارد تايلور إلى أنها: “هي ذلك الكل المركَّب الذي يشمل المعرفة، والمعتقدات، والفن، والأخلاق، والقانون، والعُرْف، وكلَّ القدرات والعادات الأخرى التي يكتسبها الإنسان بصفته عضوًا في مجتمع”، ومع أنه تجنب في التعريف استعمال لفظ “الدين” توسيعًا للعبارة لتشمل كل التصورات الاعتقادية التي يتبعها البشر؛ سواء أكانت اعتقادات منتسبة إلى دين، أو مأخوذة من أساطير موروثة، أو غير ذلك؛ مع هذا فإن الدين عمومًا ليس مجرد اعتقادات، بل له عناصر أخرى تشمل بقية المجالات التي ذكرها تايلور في هذا التعريف.
ولكي تكون المسألة أكثر وضوحًا، فلابد أن نقرر أن الدين ليس مجرد رؤية اعتقادية، مهما تكن أهمية هذه الرؤية ومركزيتها فيه، بل إنه يشارك في صنع القانون والعادات والمعرفة والأخلاق وغير ذلك من مجالات الحياة البشرية، ولكن حتى هذه المجالات نفسها يمكن أن يعتمد الإنسان في تأسيسها على مصدر آخر غير الدين، وقد يلتمسها من الدين ثم يخضعها لتطويرات وتحويرات قليلة أو كثيرة. ولا شك أن الدين في كل حال يبقى هو المصدر الأساس لكل هذه العناصر، كما أن البذور الأولى للأنظمة الاجتماعية والثقافية راجعة إلى الدين.
وقد يعجب القارئ إذا علم أن الأنثروبولوجيا الغربية قد تجاوزت بالفعل اعتبار الدين مجرد عنصر في الثقافة كما عند تايلور، وأعطته موقعًا أهم ومساحة أوسع في صناعة الثقافة، ومن أهم الأسماء التي ترد في هذا السياق: الأنثروبولوجي الأمريكي كليفورد جيرتز الذي ذهب إلى أن الدين عبارة عن نظام من الرموز يؤسس لمعاني الثقافة، ويقدم تصورًا كليًا للوجود ينغرس في الوجدان بطريق الممارسة وتأدية العبادات والطقوس (التدين)، ويصبح إطارًا تتحدد به الأخلاق والعادات والقوانين (انظر كتابه: تأويل الثقافات ص 221 وما بعدها).
تسليع الدين:
السلعة في التعريف الفقهي هي “المتاع”، ويقصدون به ما هو متقوِّم مما ينتفع به الإنسان ويقبل البيع والشراء، ولا يدخلون فيه المنافع والخدمات. وفي الاقتصاد الحديث السلعة هي: أي منتج أو خدمة تقبل العرض في الأسواق لتلبية رغبة أو حاجة بشرية، ويمكن تحديد سعر لها، مع قبولها النقل والتحويل.
ولا شك أن الحديث عن تحويل الدِّين إلى سلعة هو من قبيل المجاز اللغوي؛ وذلك أن تبادل السلع قائم على اشتراك طرفين أو أكثر في معاملة تبادلية يقدم فيها كل طرف شيئًا مقابل شيء، فإذا دخل الدين في صفقات تبادلية من هذا القبيل، فإنه يحل محل السلعة التي يقدمها طرف ما مقابل شيء يدفعه إليه طرف آخر.
وفي مجال السياسة فإن هذه العملية التبادلية التي يكون الدين أحد عناصرها، تتجلى أكثر الأحيان في حالتين:
- عند التواصل بين العالم والأمير وبحث أحدهما عن مصلحته عند الآخر. وقد “يوافق شَنٌّ طبقه” – كما يقول المثل العربي القديم – فيلتقي الملك الذي يريد أن يشتري بالعالم الذي يريد أن يبيع.
- عند سعي السياسي إلى إرضاء الجماهير التي تحترم الدين بإظهار التدين واحترام الرموز والمناسبات الدينية.
أما التواصل بين العالم والأمير، فقد علّق تلاميذ مولانا جلال الدين الرومي عنه بعض أحاديثه الشفوية في كتاب بديع عنوانه (كتابٌ فيه ما فيه – ترجمه عن الفارسية عيسى علي العاكوب)، ولما كان كلامه في هذه الأحاديث موجهًا إلى أحد أمراء سلاجقة الروم، فقد افتتح كتابه بتجلية حقيقةٍ حول علاقة العالم بالسياسي، نافيًا أن تكون زيارة العالم للأمير دليلًا مطلقًا على أنه من شرار العلماء، وقرر أن شر العلماء ليس هو من يزور الأمراء، بل من يحصل على عطاء منهم، ويُظهر الصلاح بسببهم، وينوي بعلمه طلب الصلة والإجلال وتحصيل المناصب لديهم، أما إن كان “كل شيء من أجل الحق” سبحانه وتعالى، فإن “مثل هذا العالم إذا زار الأمير يكون في صورة الـمَزُور، ويكون الأمير في صورة الزائر؛ لأنه في الأحوال جميعًا يكون الأمير آخذًا منه ومستمدًا” (ص 28).
وهذا الكلام البديع الذي حكاه يقدّم الصورة المثالية لعلاقة العالم بالسلطان رسمتها ريشة جامعة بين العلم والفن، وربما يكون مولانا جلال الدين الرومي نفسه أحد نماذج هذه الصورة التي لم تختف عن أكثر مراحل التاريخ الإسلامي، وإن كانت كثيرة في الصدر الأول للإسلام قياسًا إلى المراحل الزمنية التالية، فقد كان هذا شأن الخلفاء الراشدين الذين أحاطوا أنفسهم بعلماء الصحابة شِيبًا وشبانًا؛ يستشيرونهم في قضايا الدين وشؤون الدولة، وقد كان السائد في ذاك الزمان أن يجتمع في ولاة أمور الناس حنكتهم في إدارة شؤون الدولة وفهمهم أحكام الشرع الإلهي.
وكذلك فعل كثير من الخلفاء فيما بعد بتولية بعض المناصب العالية لأهل العلم رغبة في الإصلاح، ولم تكن جميعًا من المناصب المحتاجة إلى علم شرعي عميق؛ كالقضاء والإفتاء ومشيخة الإسلام، بل كانت إمارة سياسية على الأمصار، وإدارة لبعض الدواوين، وممن تولى لعمر بن عبد العزيز من العلماء مناصب سياسية خالصة: أبو بكر بن حزم الذي كلفه عمر بجمع السنة النبوية كذلك، وكان أميرًا على المدينة المنورة، وعدي بن أرطاة الفزاري العالم الراوي، وكان أميرًا له على البصرة، كما كان رجاء بن حيوة الكِنديّ مستشارًا مقربًا من عبد الملك بن مروان، ومن ابنه سليمان بن عبد الملك، وابن أخيه عمر بن عبد العزيز بن مروان.
وما عدا هذه الصور المستقيمة، فإن رجل الدين كان أحيانًا يسخّر دينه لتحقيق المكاسب لدى السياسي، والسياسي يستعين برجل الدين لتحقيق أغراض من ورائه، وتأخذ العلاقة بينهما في هذه الحالة صورة الصفقات التجارية التي يكون الدين نفسه ثمنًا من طرف وسلعة من طرف آخر، وتدخل تحتها الصور التالية:
- حين يريد السلطان من رجل الدين أن يكون غطاء لتصرفاته، أو بابًا لحصوله على المشروعية في نظر الجماهير ولو بدون أهلية:
ويأخذ الدين هنا صورة السلعة؛ لأنه لولا وجوده عند الطرف الآخر في صورة معرفة أو حتى هيئة دينية، لما حرص السياسي على تقريبه أو الحصول على موافقته ورضاه عن تصرفاته. ولو كان عالم الدين يقدم ما يقدمه في هذه الحالة لأجل الدين وحفظ مصالح الناس، لما قبض على هذه الصفقة ثمنًا من المناصب والأموال وغيرها. والسياسي نفسه يعلم أن رجل الدين الذي اصطفاه لهذه المهمة ووافقه، إنما يجامله على حساب دينه لأجل الغنيمة أو الثمن الذي سيحصل عليه.
وتُروى في هذا قصة هروب عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما من مبايعة يزيد بن معاوية لولاية عهد أبيه؛ إذ قال لما عُرض هذا الأمر على الناس: “أهرقليةٌ؛ إذا مات كسرى كان كسرى مكانه؟! لا نفعل والله أبدًا. وبعث إليه معاوية بمئة ألف درهم بعد أن أبى البيعة ليزيد، فردها عليه عبد الرحمن، وأبى أن يأخذها، وقال: لا أبيع ديني بدنياي” (التمهيد لابن عبد البر، الترجمة رقم 1394).
- ومن حالات تسليع الدين المعهودة في التاريخ: أن يسخِّر السياسي رجالَ الدين في معاركه السياسية، ويحارب بهم خصومه لهدم مسوِّغات مطالبتهم بالسلطة، أو مجرد اعتراضهم عليه، فيستصدر من العلماء فتاوى التكفير واللعن:
وقد شكك ابن خلدون في مقدمته الشهيرة في صحة الفتاوى التي استصدرها العباسيون وتدَّعي أن أصول الفاطميين يهودية، وإن لم يشكك في انحراف الأفكار الفاطمية نفسها. وكثرت فتاوى الزندقة والتكفير – الصحيحة والمسيَّسة – مما استصدره الأمراء من العلماء في حق خصومهم، فزعموا في حق طائفة كبيرة من الشعراء والأدباء أنهم كانوا زنادقة، فرُمي بهذه التهمة بشار بن برد وأبو تمام والبحتري والمتنبي وأبو العلاء المعري وأبو حيان التوحيدي، وأكثرهم كانت له خصومة سياسية مع الدولة، وقليل منهم صرّحوا بما يناقض الدين في شعرهم كما هو حال بشار، فأمر الخليفة بقتله، وإن كان الأصل في هذا هو محاججة صاحب الرأي حتى يستنفد حججه.
ومن أمثلة هذا اللون من تسليع الدين وبيعه، ما روت الكتب من أن أمير بخارى عام 256هـ لما غضب على الإمام البخاري بسبب رفضه أن يقرأ عليه وعلى ولده في بيت الأمير، استعان عليه الأمير ببعض الفقهاء الكبار، ومنهم: حُريث بن أبي الورقاء وأبو حفص الكبير، فتكلموا في مذهبه ورأيه في بعض القضايا التي كان هو فيها أصح مذهبًا، فدعا عليهم دعاء مُرًا، فاستُجيب له.
- قبض الثمن الدنيوي على الوعود الدينية:
فالدين يعد بالجنة والمغفرة ورضا الإله عن العابد، ويحدد لهذا وسائل، فإذا وقفت السلطة موقف الوسيط في هذه المعاملة لتقبض الثمن لنفسها، فهذه تجارة علنية وبيع صريح للدين، ومن قديم كان الكهنة في الأديان الوثنية يشجعون الناس على تقديم القرابين للآلهة، ومآل هذه القرابين هي بطون هؤلاء الكهنة وأسرهم، وكذلك فعلت الكنيسة الغربية في القرون الوسطى حين تاجرت بصكوك الغفران، وباعت الجنة للجماهير مقابل مال يدفعونه، لتنفقه الكنيسة في مشروعاتها المختلفة.
- ومن جهة أخرى قد يبادر رجل الدين بنفسه إلى عرض بضاعته الدينية في الأسواق عرضَ الشاعر المدّاح قصائده لينال عليها الجوائز:
ويظهر لأجل هذا الزهد الكاذب، ويرسل الرسائل الظاهرة والخفية من خلال جمل وكلمات يشيعها، ويثني على الحاكم الظالم، ويبالغ في ثنائه على أولي الأمر طمعًا في العطية، وقد أساء الشاعر الأندلسي الكبير ابن هانئ – وكان صاحب اطلاع على علوم الدين – إلى نفسه حين أطلق قصيده في مدح المعزّ الفاطمي يقول:
ما شئت لا ما شاءت الأقدارُ فاحكم فأنت الواحد القهارُ
وكأنمــا أنـت النبي محمـدٌ وكأنما أنصارك الأنصار
أنت الذي كانت تبشرنا به في كتبها الأحبار والأخبار…
فلا قال بهذه الأبيات شعرًا، ولا حفظ على نفسه دينها!
ولخطورة مسألة الاتصال بالسياسيين كان بعض العلماء يخشى على دينه من مجرد توسيطهم في بعض مصالحه المباحة، فقد رووا عن محمد بن إسماعيل البخاري صاحب الجامع الصحيح أنه كان يضارب بمال ورثه عن أبيه، وأن مدينًا له أخذ منه خمسة وعشرين ألف درهم وامتنع عن ردِّها، فنصح الناصحون البخاريَّ أن يستعين بالوالي حتى يكتب لهذا المدين فيدفع له حقه، فقال البخاري: “إن أخذتُ منهم كتابًا طمعوا، ولن أبيع ديني بدنياي” (هدي الساري: 64).
وعبر عن موقف مشابه لهذا مفسر العراق الكبير في العصر الحديث الآلوسي فقال – كما حكى عنه محمد بهجة الأثري في كتابه عنه – لما سُئل الشيخ عن رفضه التواصل مع الأمراء وقبول مناصبهم وزيارتهم: “إنْ يريدون باستمالتي إليهم إلا ترويج سياستهم على العوام؛ لما يعلمون من ثقتهم بالعلماء، وتعلقهم بقادة الدين، ويأبى الله لي أن أبيع ديني بدنياي، وأخدع أمتي ووطني” (ص 128).
وأما سعي السياسي إلى إرضاء الجماهير التي تحترم الدين بإظهار التدين واحترام الرموز والمناسبات الدينية، فكثير من الأمراء الصالحين والفاسدين في كل زمان أقاموا المساجد، وبنوا المدارس لتعليم العلوم الشرعية، وحبسوا الحبوس على أعمال الخير، ونشروا أو طبعوا المصاحف وكتب العلم، وفي عصرنا افتتحوا محطات الإذاعة وقنوات التلفاز ومواقع الإنترنت المعنية بقضايا الدين والشريعة، ورصدوا الجوائز في المسابقات الدينية، واحتفلوا بالمناسبات ذات العلاقة بالدين، فمنهم من فعل هذا قربى إلى الله، ومنهم من كشف سلوكه عن أنه اتخذ الدين طُعمًا يصطاد به الجماهير.
ويمكن بإحصائية بسيطة أن نقول: ما من زعيم عربي في العصر الحديث إلا وأنشأ إذاعة دينية، أو افتتح قناة تبث آيات القرآن الكريم وتشرح السنة النبوية، أو عقد مسابقات للقرآن الكريم أو الكتاب الإسلامي أو الخط العربي، أو احتفل بمولد النبي صلى الله عليه وسلم وبليلة القدر والعيدين، أو أذاعت الشاشات والصحف حضوره في الصف الأول لصلاة الجمعة بين جموع المصلين.. وغير ذلك، وليس هذا السلوك خاصًا بذوي الحس الديني منهم فحسب، بل كان يفعله وعلامات التقوى والخشوع على وجهه – في زمن كان أهدأ سياسةً وأقل شراسة مما نحن فيه – زعيمٌ عربي راحل بلغني عن شخص يعرف مجالسه، أنه كان يسب الدين، ولا يصوم رمضان!
ولا يخفى أن تحويل الساسة الدينَ إلى سلعة يقايضون بها لا يقتصر على ذوي المناصب منهم، بل إنه سلوك عام يقع فيه كثير من الإسلاميين والمتدينين في تعاطيهم للشأن السياسي، ولا أعني بهؤلاء التياراتِ التي تسوِّغ للحاكم كل فعله، ووظيفتها التسويق له ولحكمه وإنجازاته، فهؤلاء صناعة مخابراتية معروفة، وإنما أعني من يستجدي المنفعة مقابل التنازل عن الموقف الديني، أو يظهر سمتًا دينيًا ليس له؛ للحصول على أصوات الجماهير وبيعتها.
خاتمة:
ومهما يكن، فإن العلاقة الواصلة بين الدين والحياة الاجتماعية لا تنقطع، ومهما يكن الدين مستقيمًا، فإن الحياة ما تزال تستقيم تارة وتعوجّ أخرى. ولا شك أن الدين نفسه قد يعوجّ من كثرة الضغط والعدوان عليه، إلا أنه يظل يحمل علامات القداسة في نفوس الناس، ويظل قابلًا للتوظيف المستقيم والتوظيف الأعوج، أو يظل قابلا للنزول من عليائه إلى أسواق المعاملات المختلفة بين الناس.
ومما لا شك فيه أن تربية الناس على تعظيم شعائر الدين في كل محضن ينشؤون فيه، وإجلاله عن أن تَنتهك حرمته الأهواء، والتشديد على خطورة هذا المسلك وكونه من أكبر الآثام، والتنبيه على دقائق هذه المسألة؛ أقول: لا شك أن هذه الأمور من شأنها أن تزيد من فرص التوظيف المستقيم للدين، وتقلل من التوظيف المنحرف له في عالم السياسة أو التجارة أو غيرهما.
إن التوظيف السيئ للدين؛ أيِّ دين لا يجعل حقه باطلًا، والتوظيف الجيد له لا يجعل باطله حقًا؛ لذا ينبغي للمتدين أن يخشى على دينه من أن يدخل به في صفقة خاسرة على كل حال؛ لأنه لو باع دينه فلن يكافئه أي ثمن يحصل عليه مهما بلغ، وقد جاء في الحديث الصحيح: “بادِروا بالأعمالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيلِ المُظلِمِ؛ يُصبِحُ الرَّجُلُ مُؤمِنًا ويُمسي كافِرًا، أو يُمسي مُؤمِنًا ويُصبِحُ كافِرًا، يَبيعُ دينَه بعَرَضٍ مِنَ الدُّنيا” (صحيح مسلم: 118).
جميع الحقوق محفوظة لدى برق للاستشارات©2026


