تقدير موقف

الجبهة اللبنانية بعد الاتفاق الأمريكي الإيراني: تهدئة أم تأجيل للمواجهة؟

مع قرب التوقيع على اتفاق أمريكي إيراني لإنهاء الحرب، يشغل مصير الحرب الإسرائيلية على لبنان آراء المحللين والمتابعين؛ هذا على الرغم من النص بشكل مؤكد على أن الاتفاق المنتظر يشمل – فيما يشمل – الساحة اللبنانية. في ظل حالة الغموض الملموسة فيما يتعلق بمآل الأمور في الساحة اللبنانية، يلوح في الأفق مؤشر استمرار قابلية هذه الساحة للانفجار، وأن الارتباط بينها وبين الساحة الإيرانية ليس ضروريًا لا حربًا ولا سلمًا؛ فما المسارات الراجحة في هذا الأمر؟

توقعات حول الاتفاق الأمريكي الإيراني:

طرفان لا يتحملان العودة إلى الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران؛ الاقتصاد العالمي وإيران، وطرف ثالث هو الإدارة الأمريكية ذاتها التي تقف موقفًا دقيقًا يجعل عودتها إلى الحرب انتحارًا (سياسيًا على الأقل)، ومن هنا فإن احتمالات العودة إلى حرب شاملة كما كانت منذ نهاية فبراير إلى وقف العمليات في السابع من أبريل؛ هذه الاحتمالات ضعيفة، إلا أن هذا لا ينفي أن الاحتكاكات الجزئية بين الطرفين ليس وقوعها مجرد احتمال، بل هو أمر راجح جدًا؛ لأن جولات القتال لم تُحسم لأي من الطرفين.

خرجت إيران من الحرب بجراح غائرة؛ قتلًا لقياداتها، وتدميرًا لمدنها ومرافقها، لكنها مستعدة لتجرع السم – على حد تعبير خميني عهد وقف الحرب مع العراق سنة 1988 بعد ثماني سنوات من التدمير المتبادل – في مقابل رفع العقوبات والحصار، والظهور بمظهر الدولة التي تأبى الانكسار أمام القوة العُظمى للولايات المتحدة بعد الحرب الأخيرة؛ لذا تدرك طهران أن الاتفاق في مصلحتها لو حقق رغبتها في إدماج الاقتصاد الإيراني من جديد بالاقتصاد العالمي. أما بقيّة الملفات التي اضطرت إلى التنازل فيها، فيمكن – من منظور الرؤية الإيرانية الملموسة – استدراكها فيما بعد لدولة تملك ثروة اقتصادية وبشرية ضخمة.

وفي المقابل تسعى الإدارة الأمريكية إلى إلباس الاتفاقية ثوب الانتصار الكبير بتضخيم ما اتُّفق عليه بشأن المشروع النووي الإيراني؛ سعيًا إلى تسكين أسواق الطاقة، وإنقاذ الحزب الجمهوري من التهديد الذي ينتظره بفقدان الأغلبية في مجلسي الشيوخ والنواب. ولأجل هذا لن تشارك الولايات المتحدة مختارة في إفشال الاتفاق مع إيران، في المدى القريب على الأقل.

الموقف الإسرائيلي الداخلي من الاتفاق:

من التعقيدات المهمة في المشهد الذي صنعته الحرب على إيران، التي هي بدورها أخطر تطورات طوفان الأقصى وحرب غزة؛ ارتهان الداخل الإسرائيلي برمته للجبهة اللبنانية وتطوّراتها، وهي مشكلةٌ باقيةٌ للمستقبل بقطع النظر عن المصير السياسي لرئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي بنيامين نتنياهو، وستمثل معضلة لأي سياسي إسرائيلي يأتي في الانتخابات القادمة.

وقد حرصت إيران – كما سبق الإشارة – على أن يشمل اتفاقها مع الولايات المتحدة لبنان، وهو ما حاولت واشنطن التهرب منه بضغوط حكومة تل أبيب ورغبتها الذاتية في تأمين حليفتها، لكن إصرار طهران على موقفها أدى إلى تعارض في المصالح بين الولايات المتحدة وإسرائيل، ودفع هذا بدوره بالبيت الأبيض إلى الضغط على حليفته حتى تهدئ الجبهة اللبنانية إلى أقصى حد ممكن؛ للسماح بتمرير الاتفاق، وإرجاء الحسم في الجبهة اللبنانية إلى ظرف آخر أكثر ملاءمة.

وعلى الرغم من هذا الحرص من طهران على إدراج لبنان ضمن أي تفاهم مع واشنطن، إلا أن الساحة اللبنانية تمتلك دينامياتها الخاصة التي تجعل الربط الكامل بينها وبين الساحة الإيرانية محل نظر؛ فإسرائيل لا تنظر إلى حزب الله بوصفه مجرد ذراع إيرانية يمكن تحييدها تلقائيًا بمجرد الاتفاق مع طهران، بل تعتبر أن المشكلة الأمنية على حدودها الشمالية قائمة بذاتها، وترتبط بوجود القدرات العسكرية للحزب وانتشاره وموقعه داخل المعادلة اللبنانية.

وهذا أمر عام، إلا أن هناك أمرًا آخر يخص حكومة نتنياهو، وهو أن بقاء التهديد المتفاقم في الشمال يهدد حظوظ هذه الحكومة في الانتخابات القادمة، وبهذا تكون الموافقة على التهدئة التي يفرضها الاتفاق الأمريكي الإيراني تجرعًا آخر للسم، ولكنه هذه المرة من جهة حكومة بنيامين نتنياهو.

صوت الدبلوماسية بين بيروت وتل أبيب:

مع اللين النسبي الذي يُظهره الطرف اللبناني في حواره الدبلوماسي مع الإسرائيليين، إلا أن الجميع يدرك أن الغرف والمجالس التي تجمع الوفدين لا يُؤمَّل منها أن تتولى حسم الأمور؛ إذ يبدو التفاوض الأمريكي الإيراني هو الأكثر قدرة على التأثير في مجمل تطورات الحدث، كما أن الدولة والجيش اللبناني لا يملكان الإمكانات العسكرية ولا الخبرة القتالية ولا التوحد الطائفي الذي يتيح حسم الأمور مع حزب الله اعتمادًا على الداخل اللبناني.

ويدل السعي الأمريكي إلى إقحام دمشق في المعركة مع حزب الله على أن تعويل واشنطن على المباحثات الإسرائيلية اللبنانية ضعيف، وإن كانت تريد أن تصنع بالتفاوض بين الوفدين الإسرائيلي واللبناني اختلافات داخلية لبنانية تساعد على توفير أجواء أكثر رفضًا لحزب الله ونشاطه العسكري.

ونتيجة ذلك..

يمكن الحكم على اتجاه الأحداث في لبنان خلال الأشهر القادمة من خلال جملة من المؤشرات العملية، أبرزها:

– مدى استمرار الضغوط الأمريكية على الحكومة الإسرائيلية.

– حجم الانخراط الإيراني في الدفاع عن حليفها في لبنان؛ حزب الله.

– مدى قدرة حزب الله على الصمود عسكريًا وتوجيه تهديد لحالة الاحتلال الإسرائيلي المباشرة للبنان.

– مصير المفاوضات الجارية بشأن الحدود والترتيبات الأمنية.

– مدى قدرة حزب الله على توجيه الأحداث السياسية داخليًا بالتعاون الخفي مع حركة أمل.

لذا فإن ثمة احتمالات متعددة لتطورات الوضع في الجبهة اللبنانية، أهمها ما يلي:

  • أن تنفجر الجبهة اللبنانية بين حزب الله وإسرائيل تبعًا لانفجار الجبهة الإيرانية، وهذا الأخير يُستبَعَد وقوعه كثيرًا – في المدى القريب على الأقل كما سبق – لصعوبة أن نشهد في القريب خروقات كبيرة إيرانية أو أمريكية تصل إلى حد إسقاط الاتفاق والعودة الكاملة إلى الحرب، وهذا ما لوحظ بحجم رد فعل الأمريكيين في ضربة الثأر من الإيرانيين عقب إسقاط الأباتشي قبل أيام؛ حين نوّهوا إلى أن الضربة وإن كانت قوية فلن تكون ممتدة ولا شاملة.
  • أن تهدأ الحرب تمامًا بين إسرائيل وحزب الله بتأثير نجاح اتفاق الهدنة الأمريكية الإيرانية، والتمكّن من تحقيق إنجاز في المباحثات التي تستضيفها واشنطن بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي، وهو كذلك احتمال ضعيف نسبيًا.
  • وأرجح الاحتمالات هو أن يبقى التوتر مستمرًا بين إسرائيل والحزب برغم المعاهدة، لكن بدون هجمات ضخمة، بل استهدافات لمواقع وأشخاص بحجة تهديد أمن إسرائيل، مع ردود مماثلة من حزب الله؛ بسبب التهديد الإيراني بالرد إلى أي خرق إسرائيلي كبير ضد لبنان كما حدث في يوم 6 من يونيو الماضي، وهو ما يُمكن أن يُطلق عليه استمرار لحالة التوتر في لبنان انطلاقًا من حسابات تل أبيب المصممة على تأسيس منطقة آمنة متقدمة داخل الحدود اللبنانية مقابل رفض حزب الله لذلك خشيًة من اهتزاز شرعيّته أكثر أمام حاضنته وكذلك في كنف المعادلة السياسية القائمة في لبنان، والتي لطالما حجز حزب الله مقعد سيطرته فيها من خلال الإشارة إلى نجاعة سلاحه في تحقيق أهدافه.

جميع الحقوق محفوظة لدى برق للسياسات والاستشارات©2026

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى