أبحاثالاصدارات

فيلم رحلة الشام 2701

الرواية الإيرانية للثورة السورية

رافقت هوليود الولايات المتحدة الأمريكية في مختلف حروبها، وكانت دائما تقدم الأمريكي في صورة البطل الشجاع الذي قد يتحدى جيشا بأكمله، ولن ينسيه هول المعركة إنسانيته حيث يخاطر بحياته من أجل انقاذ طفل أو امرأة. يبدو أن السينما الإيرانية تحاول السير على هذه الطريق مع أولى مشاركاتها العسكرية الهجومية خارج حدودها، من خلال فيلم “رحلة الشام 2701” الذي يروي قصة طيران إيراني مع أبيه يكلفان بمهمة الإقلاع بطائرة من تدمر تحمل العشرات من المدنيين وأسرى تنظيم داعش فتتعرض للاختطاف من طرفهم ويحاولون استغلالها في مهمة انتحارية ينجح الطيار الإيراني في إفشالها، ولقرابة الساعتين هذه يقدم الفيلم وجهة النظر الإيرانية لما يجري في سوريا، وعلى الطريقة الأمريكية كان يحمل بين مشاهده العديد من التناقضات التي تفرضها السردية الرسمية للأحداث، والتي يمكن الإشارة إليها من خلال الملاحظات الآتية:

  • يبدأ الفيلم  بمشهد تُلقي فيه طائرة إيرانية مساعدات إنسانية على بلدتي “الكفرية” و”الفوعة”المحاصرتان من قوات داعش _حسب الفيلم_. فصول الأزمة السورية يؤرخ لها الفيلم ابتداءً من منتصف 2015 بعد محاصرة البلدتين الشيعيتين، وهو بذلك يختصرها في مأساة الشيعة دون غيرهم، ويغفل أربع سنوات سبقتها من إجرام نظام الأسد، إذ يخيل للمشاهد أن البلدتين وحدهما كانتا محاصرتين وأن النظام لم يفعل الأمر نفسه مع عشرات المدن والقرى السورية على غرار الغوطة الشرقية والغربية وغيرها الكثير من المدن والقروى السورية، وإذا كانت إيران ترمي المساعدات الإنسانية من طائراتها على البلدتين فإنها إلى جانب طيران الأسد كانت ترمي البراميل المتفجرة على البلدات والمدن الأخرى، وهي المشاهد التي غيبها الفيلم.
  • يصور الفيلم ما يجري في سوريا أنه حرب مع “داعش” فقط التي كانت تحاصر البلدتين كما يزعم، ولم يشر إلى أشهر عديدة كانت تجوب فيها المظاهرات السلمية المطالبة بالحرية كل الجغرافيا السورية، وحتى بعد عسكرة الثورة لم يذكر الفصائل الكثيرة الأخرى من المعارضة والتي قاتلت التنظيم وكان الأخير بفتحه معارك معها يخدم نظام الأسد وحلفاءه موفرًا لهم كل المبررات لمواصلة إجرامهم في حق الشعب السوري تحت غطاء محاربة الإرهاب والتكفير.
  • ينقل الفيلم مشهدًا لمدينة مدمرة بالكامل بما في ذلك مسجدها، ولكن ما لا يقف عنده هو كيف تدمرت؟ ومن يمتلك الأسلحة التي يمكنها أن تلحق دمارا بذلك الحجم، هل هي المعارضة بأسلحتها المتواضعة أم سلاح الطيران الذي كان بين أيدي نظام الأسد وحليفيه الروسي والإيراني؟
  • في مشهد يقول الطيار الإيراني لأبيه: إنهم إذا تساهلوا فإن أصوات رصاص “داعش” التي يسمعوها في سماء تدمر ستصل إيران، وهو ما دأب على ترديده قادة إيران خلال كل هذه السنوات لتبرير تدخلهم العسكري في سوريا ولتضليل الرأي العام الداخلي الذي أرهقته مشكلاته الاقتصادية وتدهور أوضاعه المعيشية ويرى في سياسة الملالي الخارجية أحد المشكلات الأساسية فيما يعانيه.
  • حاول الفيلم تقديم الأسبقية للدور الإيراني في سوريا عن الدور الروسي في مشهدين: أولهما حينما يقع الاختيار على الطيارين الإيرانيين دون الروس، وفي مشهد آخر حين تكون الطائرة في السماء وتظهر بجانبهما طائرتين حربيتين روسيتين فيعلق الطيار الإيراني ببعض السخرية، بالقول وأخيرًا ظهر الروس، والذي سرعان ما يغادر ساحة المعركة بعد توجيه شيخ داعش بعض الرصاصات لطائرة ويترك الإيرانيين وحدهم في المعركة.
  • اهتم الإيراني بتبييض صورته فقط ولم يجد مشكلة في نقل صورة سوداوية صغيرة عن نظام الأسد؛ في مشهد ينقل عسكريون فيه مساجين معارضين سياسيين من الإخوان والأكراد مكث أحدهم 24 سنة في سجن تدمر، وجعله من أسباب مقاتلتهم إلى جانب داعش، واستعدادهم للعودة إلى ذلك في حال إطلاق سراحهم بسبب حقدهم على نظام الأسد، والذي مع ذلك لم يخلوا جنوده بقدر من الإنسانية حتى مع المجرمين، وبالبطولة في الدفاع عن الطائرة.
  • في مشهد آخر ينظر أحد شيوخ داعش عبر نافذة الطائرة إلى الأرض ثم يبشر بتغيير الخريطة حتى تصبح كلها تابعة ل(الدولة الإسلامية) فاليوم سوريا والعراق وغدا إيران. يضحك الطيار الإيراني متهكما على الكلام الذي سمع ثم يرد متسائلا على الشيخ الذي توعّده بالبحث عنه في طهران: لماذا لا تذهب إلى إسرائيل فهي أقرب إليك، ثم يضيف ألا تصل فتحاتكم إلى هناك”. يجيب شيخ داعش: “مشكلتنا ليست مع اليهود، مشكلتنا مع من يدعون الإسلام مثل إيران الرافضية، والمرتدين مثل السعوديين الفاسدين الذين اغتصبوا بيت الله الحرام، والأتراك العثمانيين المنافقين. هذا المشهد فيه قدر كبير من الابتذال الذي لا يختلف كثيرا عن الصورة النمطية التي تقدمها السينما الغربية للإسلام عن مجتمعاتها، إذا أن أدبيات الحركات الجهادية لا تقدم أطروحتها بتلك الطريقة، وإنما تسوق لأتباعها أن الأولويات تفترض تطبيق الشريعة والحكم الإسلامي في بلاد الإسلام وعندها تكون الظروف مناسبة لمقاتلة اليهود، وتصوراتها للعدو البعيد والعدو القريب التي قد يطول شرحها، كما أن الصورة التهكمية تنطبق على إيران وحزب الله والمليشيات الشيعية بالقدر نفسه الذي تنطبق به على داعش، فهم أيضا يصولون ويجولون في سوريا ويدعون أنهم يحاربون التكفيريين ويدافعون عن آل البيت في دمشق وبيروت وبغداد وصنعاء وغيرهما من المناطق وكل هذا لمواجهة مؤامرة صهيونية أمريكية تستهدف محور المقاومة، بينما إسرائيل ليست بعيدة عنهم سواء في جنوب لبنان أو على هضبة الجولان، وقد قدمت لهم مئات الضربات الجوية التي طالتهم مجتمعين، لتكون مبررا قانونيا للدفاع عن أنفسهم، ولكن يبدوا أنهم أيضا ليس لهم مشكل مع اليهود.  
  • لم يفوت الفيلم فرصة مغازلة الولايات المتحدة بالإشارة إلى محاولة محاكاة هجمات الحادي عشر من سبتمبر حينما يحاول داعش قيادة عملية انتحارية بالطائرة على غرار ما حصل في أمريكا سنة 2001، ليكتشف الطيار الإيراني الخطة ويحول دون تكرارها، بعد أن ينقذ الرهائن الأجانب ومن بينهم والده ثم يفجّرها في السماء. وهي إشارة يريد القول منها أن معركتنا معكم واحدة ونحن مستعدون للمحاربة إلى جانبكم.

    الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر برق للسياسات والاستشارات 

    جميع الحقوق محفوظة لدى برق للسياسات والاستشارات © 2019

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الرجاء الانتظار ..

النشرة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقى على اطلاع بأحدث الأخبار و الفعاليات
إغلاق
إغلاق