الاصداراتالدراسات الاستراتيجيةمشاهد

عُمان ما بعد السلطان قابوس؟

أثيرت _بعد وفاة سلطان عمان قابوس بن سعيد آل سعيد_ عدة تساؤلات حول إمكانية حدوث تغييرات في سياسات عمان الداخلية وتوجهاتها الخارجية، التي تستثمر فيها قدرتها في لعب أدوار وساطة وتحجيم مشكلات، كالدور الذي لعبته لتقريب وجهات النظر الدولية في الاتفاق النووي مع إيران. لكن منذ أن تم الكشف عن مرض السلطان قابوس عام 2014[1]، برزت الكثير من التوقّعات حول مستقبل عُمان ومدى قدرتها على الاستمرار في السياسة التي انتهجها، خصوصًا وأن نموذج الحكم المختلف في عُمان، والمتأثر بالتقاليد الإباضية في اختيار الوريث بدلًا من تسميته فتح الخيارات أمام قدوم سلطان يمتلك وجهات نظر مختلفة عن المنطقة وعن الأدوار العُمانية فيها.

من جانب آخر، تعتبر عمان الدولة الوحيدة في العالم التي تهيمن عليها المدرسة الإسلامية الإباضية، وقد كرّست عُمان هذا التقليد في المادة (6) من نظامها الأساسي الصادر في العام 1996، التي تم تفعيلها للمرة الأولى بعد وفاة السلطان. ووفقًا للنظام السياسي، يتعيّن على مجلـس العائلة المالكة اختيار سلطان في غضون ثلاثة أيام. وفي حال فشل في ذلك خلال الفترة المحددة، يُلجأ إلى سيناريو ثان يتمثل في فتح رسالة مختومة ومكتوبة بخط يد السلطان السابق يكون محددًا فيها اسم مرشّحه كخلف. لكن ما حدث بالفعل أن تنازلت العائلة على الفور عن حقّها في اختيار السلطان وطلبت من مجلس الدفاع فتح وصية السلطان قابوس والاطلاع عليها والتي أوعز فيها باختيار هيثم بن طارق كخلف له[2].

العلاقات بين الأسرة الحاكمة والتوازنات الصلبة

تعد عمان دولة مستقرة، لكن ذلك جاء بعد “نزاعات وتوترات شهدتها عمان في نهاية القرن الثامن عشر بين السلطنة وبين نظام الإباضية، وقد بلغت هذه التوترات ذروتها في منتصف القرن العشرين حين تم اكتشاف النفط في المناطق الداخلية من عمان مما أدى إلى نشوب تمرد عسكري من الإماميين المدعومين من المملكة العربية السعودية، قبل أن ينجح السلطان سعيد بن تيمور آل سعيد، والد السلطان الراحل قابوس، في قمع ذلك التمرد بشكل تام عام 1959 وبدأ في بناء الدولة كسلطان مؤسس للنظام الإباضي. لم تقف التوترات عند هذا الحد، ففي نهاية الستينات اندلع التمرد الماركسي الشيوعي في ظفار، جنوب سلطنة عمان _قادمًا من اليمن_ بدعم من الاتحاد السوفيتي ونظام عبد الناصر في القاهرة ونظام معمر القذافي في ليبيا، لكن سلطنة عمان تدخلت لكبح التمرد بكل قوة مستعينة بخدمات شاه إيران الذي قام بنشر جيشه لمساعدة قابوس على إخماد التمرد، ومع استقرار حكم الأخير فإنه بدأ في توجيه جهوده من أجل إعادة تأسيس بلاده اقتصاديًا”[3].

ثم تسلم ابنه قابوس الحكم بعد إزاحة والده سعيد بن تيمور آل سعيد بمساندة من بريطانيا والأردن[4]، التي أتاحت له الضغط على الأسرة الحاكمة للقبول به كسلطان للدولة والقبول بخيار الأمر الواقع، ما أدى فيما بعد إلى ضبط توجهات الأسرة الحاكمة وعدم خروجها عن توجهات السلطان قابوس لمدة خمسين سنة، وحتى إلى ما بعد وفاته إذ لم تجتمع لاختيار خلفه بل تم اللجوء للخيار الثاني وهو فتح الظرف المختوم الذي تركه السلطان لتسمية خليفته. لذلك فإن إمكانية حدوث أي توتر مستقبلي داخل الأسرة الحاكمة أمر مستبعد، وعليه فإن السلطان الجديد من غير المتوقع أن يواجه معارضة من الأسرة الحاكمة ما دام لن يحدث تغييرات بنيوية على هيكلة الدولة وعلى نفوذ الأسرة ومصالحها.

سمات السياسة الخارجية العمانية

تمتلك سلطنة عمان موقعًا جيوسياسيًا هامًا في الخليج العربي، فهي تقع بين ممرين استراتيجيين عالميين للطاقة هما مضيق هرمز الذي تشارك السلطنة في الإشراف عليه، ومضيق باب المندب الذي يتحكم فعليًا في بوابة البلاد الجنوبية، ما يجعل موقعها ثقيلًا في موازين الاستراتيجيات الدولية والإقليمية. خصوصًا “ميناء الدقم المطل على بحر العرب في سلطنة عُمان الذي يسهّل التعامل مع حاملات الطائرات والغواصات النووية الأمريكية ما يتيح للبحرية الأمريكية المزيد من الخيارات في التعامل مع التهديدات البحرية الإيرانية مع الحفاظ على صادرات النفط من الخليج”[5].

وما يوضح هذه الأهمية كذلك، مسارعة البريطانيين إلى إرسال الأمير تشارلز ورئيس الحكومة بوريس جونسون إلى عمان لتقديم التعازي بوفاة قابوس. كما أجرى وزير الخارجية مايك بومبيو مكالمة هاتفية مع نظيره العُماني يوسف بن علوي، الذي يتولى الدبلوماسية الخليجية منذ عقود، لتقديم التعازي أيضًا[6]. وفي هذا الصدد تمتلك عمان علاقات سياسية حذرة مع إسرائيل وقد تم إكسابها نوعًا من النشاط حينما قام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بزيارة رسمية إلى السلطنة[7]، لذلك يمكن اعتبار الأخيرة محور لتوازنات استراتيجية في المنطقة سيما وأنها تطلّعت للعب دور وساطة محوري في عهد إدارة أوباما، عندما قامت عمان بتسهيل الحوار المبكر بين إيران والولايات المتحدة والذي أدى لتوصل الأطراف للاتفاق النووي[8]، وأيضًا منذ أربعين عامًا، استضافت عُمان مساعي محاولة إنقاذ رهائن السفارة الأمريكية في طهران[9].

وحول علاقاتها مع دول الخليج تمكنت مسقط من بناء استقلالية سياسية في قراراتها فيما يتعلق بتوجهات بقية دول الخليج، وقد رفضت المشاركة مع التحالف العربي في اليمن لمواجهة انقلاب الحوثيين، لكنها أظهرت في ذات الوقت استعدادها لدعم الحل السياسي في اليمن، وعليه فقد أسهمت في تأمين الإفراج عن العديد من الرعايا الغربيين في اليمن، وفي الإجلاء الآمن لدبلوماسيي السفارة الأمريكية في صنعاء[10].

وجاء موقفها السابق بناء على تخوفات بأن تنتقل شرارة الصراع إلى داخل السلطنة عبر ظفار تحديدًا التي قمع فيها السلطان سعيد التمرد قبل خمسة عقود من خلال تسلل محتمل لمقاتلي تنظيم القاعدة في جزيرة العرب عبر الحدود وتغذية السنة هناك للقيام بتحرك ضد النظام الإباضي، لذا فقد قامت مسقط باتخاذ خطوات احترازية بشكل مستقل بعيدًا عن سياسات التحالف العربي، وسارعت بنشر قوة عسكرية قوية على حدودها مع اليمن وقامت ببناء سياج معزز بتقنيات متقدمة لمراقبة الحدود من أجل مكافحة التسلل المحتمل للمقاتلين والأسلحة[11]، وهو ما يؤكد أن السلطة تحاول رسم استراتيجيات حذرة تؤمن لها استقلالية القرار ومواكبة توجهات مجلس التعاون الخليجي بالحد الأدنى.  

السلطان الجديد وخططه المستقبلية

قدم السلطان هيثم حينما كان وزيرًا للثقافة رؤية اقتصادية استراتيجية تحت مسمى (رؤية 2040) وضعت ملامح رئيسية لمستقبل البلاد الاقتصادي عبر تطبيع سياسة انفتاح اقتصادية لا تتعارض مع استراتيجية عمان الحيادية، عبر تحديث الزراعة، واستحداث بيئات حاضنة للتكنولوجيا والشركات الناشئة، وتعزيز السياحة، وإنشاء مناطق صناعية حرة على مقربة من المدينتَين الساحليتين صلالة والدقم.

وتشير المعلومات إلى أن هذه الخطة تم نقاشها مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عندما زار مسقط، حيث تنظر الأخيرة إلى أن تل أبيب يمكن أن تقدم مساعدة كبيرة لها، في قطاعَي الزراعة والتقنية العالية. وعلى الرغم من إمكانية “حصول سلطنة عمان على هذه التكنولوجيات من بلدان أخرى، لكنها تدرك أن القيادة الإسرائيلية تسعى لإقامة علاقات مع الدول العربية في إطار استراتيجيتها من أجل التصدّي لإيران. ولذلك جاء الاجتماع العلني بين السلطان قابوس ونتنياهو، والذي دعا خلاله رسميًا إلى الاعتراف بإسرائيل، ما يضع سلطنة عمان في الصدارة على مستوى السعي إلى تطبيع العلاقات وكل ما ينجم عنه من منافع اقتصادية واستراتيجية”[12]، ويتيح للسلطان الجديد تطبيق رؤيته الاقتصادية الجديدة وكسب التأييد الشعبي والحكومي له داخل الأسرة الحاكمة ومجلس الدفاع الأعلى العماني.

وعليه وبالرغم مما سبق لن يتجه السلطان الجديد نحو تطبيع علني مع إسرائيل لكنه قد يكون الدور الجديد الذي ستلعبه مسقط هو لعب دور وساطة دولي لتقريب وجهات النظر حول القبول بـ “تسويات كوشنر” في المنطقة، وبهذا يكون السلطان الجديد قد حافظ على السمة العامة للدبلوماسية العمانية إلى جانب تحقيق تطور اقتصادي داخلي في البلاد.


[1] “قلق في عُمان بشأن خلافة السلطان قابوس”. دي دبليو الألمانية، 27-10-2014. https://bit.ly/2NT8ngM

[2] “النظام الأساسي للدولة”. موقع وزارة الشؤون القانونية العمانية، https://bit.ly/38CH9Tr

  “تعيين هيثم بن طارق سلطانا لعمان خلفا لابن عمه قابوس بن سعيد”. القدس العربي، 22-1-2020. https://bit.ly/2tEn5kS

  “وفاة سلطان عُمان، قابوس بن سعيد آل سعيد”. مركز كارنيغي، 13-1-2020. https://bit.ly/2GlXH68

[3] “الحياد الصعب.. أرض ملغومة تنتظر سلطان عمان الجديد”. ميدان الجزيرة، 12-1-2020. https://bit.ly/2TVp66D

  “السلطان قابوس بن سعيد الذي فتح عمان للعالم الخارجي”. بي بي سي، 11-1-2020. https://bbc.in/2Rl9xDE

[4] “وفاة السلطان قابوس: قادة العالم يتقدمون بالعزاء بعد رحيله”. بي بي سي، 12-1-2020. https://bbc.in/2Ro2yde

[5] انظر المرجع رقم 3.

[6] “وفاة السلطان: عُمان مهمة، فلماذا هذا الرد الأمريكي البطيء؟”. معهد واشنطن للدراسات، 12-1-2020. https://bit.ly/2TTnV83

  “وفاة السلطان قابوس: قادة العالم يتقدمون بالعزاء بعد رحيله”. بي بي سي، 12-1-2020. https://bbc.in/3aHg1nV

[7] “نتنياهو يزور سلطنة عمان لبحث “سبل دفع عملية السلام في الشرق الأوسط”. رويترز، 28-10-2018. https://bit.ly/30QnNHH

[8] “ثوابت سياسة عُمان في عهد قابوس.. هل تستمر في عهد خلفه هيثم؟”. دي دبليو الألمانية، 11-1-2020. https://bit.ly/2tDqUXy

[9] “رهائن طهران 1979.. محطات أزمة حبست أنفاس العالم 444 يوما”. العين الإخبارية، 4-11-2019. https://bit.ly/36kQ9Ld

[10] “عُمان: إجلاء البعثة الأمريكية من اليمن جاء لدواع إنسانية”. إرم نيوز، 12-2-2015. https://bit.ly/2RFgSwI

   “اليمن: الإفراج عن الرهينة الفرنسية التونسية نوران حواص ونقلها إلى سلطنة عمان”. فرانس 24، 4-10-2016. https://bit.ly/2TQFuW2

[11] “الحياد الصعب.. أرض ملغومة تنتظر سلطان عمان الجديد”. ميدان الجزيرة، 12-1-2020. https://bit.ly/2TVp66D

[12] “سلطنة عمان وطموحاتها الاقتصادية”. مركز كارنيغي، 14-12-2018. https://bit.ly/38CKTEt

   “الهدف 2040.. وزير التجارة العماني يوضح السياسة الاقتصادية للسلطان هيثم”. الشرق، 22-1-2020. https://bit.ly/2RL1rDx



مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق